alexametrics
أفكار

الباجي قايد السبسي.. والرياح التونسية…

الباجي قايد السبسي.. والرياح التونسية…

 

بقلم سامي بن سلامة*

 

لا شك بأن الرئيس الباجي قايد السبسي من بين المتابعين الشغوفين لاتجاهات الرياح الجزائرية وقد تكون تتملكه بعض الخشية من الاستنساخ المحلي للاحتجاجات الشعبية التي اجبرت معسكر صديقه القديم على التراجع عن العهدة الرئاسية الخامسة.

فهو يعلم ورغم انعدام الموانع الدستورية أمام ترشحه لعهدة رئاسية ثانية، بإنه من المتوقع أن يلجأ البعض إلى استحضار تقدمه في السن وملفه الصحي كورقة رئيسية في حملة تهدف لاقصائه مبكرا من المنافسة. لذلك دخل قصر قرطاج منذ فترة في معركة الترشح باستباق أية حملات متوقعة بعناية شديدة، إذ يسارع يوميا ومنذ مدة إلى اثبات قدرة الرئيس على القيام بمهامه على أفضل وجه عن طريق تكثيف نشاطاته ولقاءاته اليومية وزياراته الخارجية وإلى بث لقطات مطولة أكثر من العادة منها بالصوت والصورة.   

عديد المعطيات لا تخدم صالح العهدة الثانية ربما أهمها توجّها يبدو عاما يدعو إلى تشبيب الطبقة السياسية فضلا عن حصيلته وحصيلة حزبه غير الإيجابية في الحكم واتهامهما بخيانة ناخبينهما بتحالفهما مع حزب حركة النهضة وكذلك إمكانية بروز منافسين أقوياء له على أصوات كتلة الناخبين الضخمة التي انتخبته سنة 2014.

يعشق التونسيون الشخصنة وإن نجح السيد قايد السبسي في استرجاع العمق الشعبي الكبير الذي كان يتمتع به سنة فوزه بالانتخابات فيستفيد منه كذلك حزبه نداء تونس في الانتخابات التشريعية. ويكفي الرجوع إلى أرقام الانتخابات سنة 2014، لتبين قوة كتلة ناخبيه ومدى تأثيره عليها وهو ما يثبته التقارب الكبير بين الأرقام التي حصدها شخصيا في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية لسنة 2014 وبلغت 1 مليون و289 ألف صوت وبين تلك التي حصدها حزبه نداء تونس في التشريعية وبلغت1 مليون 275 ألف صوت.

يمثل بالتالي ترشحه مرة أخرى أو تقديمه الدعم لشخصية أخرى يختارها بنفسه مشكلا عويصا بالنسبة لجهتين تقدران جيدا خطورة ترشحه على برامجهما السياسية وعلى نتائجهما الانتخابية وهما رئيس الحكومة السيد يوسف الشاهد وحزب حركة النهضة.

ومن الطبيعي بالتالي أن نشهد قريبا جدا ثمار اتفاق الجهتين على ضرورة منعه من الترشح مرة أخرى والعمل على إضعافه إن ترشح بمزيد ضرب حزبه وكتلته النيابية وحتى باعتماد النموذج الجزائري إن تطلب الأمر ذلك بمحاولة خلق جبهة رفض مشابهة لتلك التي أجبرت معسكر بوتفليقة على التراجع عن العهدة الخامسة.

والواقع أن بقاء الرئيس في الواجهة وتقدمه مرة أخرى كمرشح لكتلة كبيرة من الناخبين سيكون عاملا مهما في اضعاف تأثير الطرفين على الانتخابات المقبلة. إذ سيحدث شرخا كبيرا في معسكر السيد يوسف الشاهد ضمن من اعتقدوا خطأ بانتهاء مرحلة قايد السبسي ومن شأنه كذلك أن يضعف حظوظ الحزب الجديد لرئيس الحكومة في الانتخابات التشريعية المقبلة. كما أن التركيز على الطابع غير المدني لحزب حركة النهضة في إطار حملته الانتخابية والكشف المحتمل عن تورطها في العنف والارهاب أو اغتيال الشهداء سيوجه له ضربة موجعة دوليا ومحليا خاصة إن حدث قبل فترة قصيرة من انطلاق الحملة الإنتخابية.

في الأثناء لا يبدو أن امكانية تونسة الرياح الجزائرية ستقلق رئيس الجمهورية أو تؤثر على خططه إذ أنه مدرك لحجم العقبات التي يتوقع أن يضعها أعداؤه في طريقه. فقد فهم بعدُ بأن الخطر الأكبر قد يأتيه من ناحية أخرى، من "رياح تونسية" لم يكن أحد يتوقعها قبل أشهر قليلة.

إذ يعلم السيد الباجي قايد السبسي بأنه سيلقى ومهما كانت الظروف منافسة شديدة من المرشح الذي سيدعمه حزب حركة النهضة وهو يعلم كذلك بأنه إن تمكن من تجاوز الدور الأول فإن احتمالات أن يخسر أي مرشح مدعوم من الاسلاميين أمامه كبيرة جدا ومهما كان اسمه. وهو يتذكر جيدا بأن حزب رئيس الجمهورية المؤقت السابق المؤتمر من أجل الجمهورية لم يتحصل على ثقة 69 ألفا و894 ناخب في تشريعية 2014 سوى بشق الأنفس. ومع ذلك لم يتمكن أحد غير زعيمه السيد محمد المنصف المرزوقي وبفضل دعم الاسلاميين من منافسته جديا في الدور الأول للانتخابات الرئاسية بعد جنيه أصوات 1 مليون و92 ألف ناخب متفوقا على المنافس الذي يليه السيد حمه الهمامي (255 ألفا و529 صوت) بفارق كبير جدا.

ما يقلقه على الأرجح حاليا هو إمكانية بروز متسابقان آخران يعلم جيدا أنهما يستمران منذ مدة في حشد الدعم الشعبي ويتفوقان جليا على بقية المرشحين المحتملين وقد يمثلان بالتالي عقبة حقيقية أمام طموحه في التربع على عرش الرئاسة من جديد.

أولهما المرشح الذي سيقدمه حزب التيار الديمقراطي والذي قد يكون السيد محمد عبو وقد يمثل بديلا مقنعا لكثيرين. حيث قد يتفق على ترشيحه جل المتمسكين بمنظومة الحكم الحالية والذي يربطون انعدام نجاعتها بمعطيات ذاتية بعيدة عن الموضوعية. وهو قد يمثل بالتالي مرشحا قويا خاصة إن تلقى دعم حزب الحركة أو على الأقل شق كبير من الإسلاميين مما سيجعله يشكل رقم صعبا في المعادلة الانتخابية المقبلة. وتكمن خطورته على ترشح السيد قايد السبسي في امكانيات خلقه التباسا في أذهان بعض ناخبي الرئيس ممن يدعمون الثورة ويعادون الاسلام السياسي رغم أن صفته كمرشح قريب من الاسلاميين قد تبعد عنه جانبا مهما منهم. أما ثانيهما فهو المرشح الذي سيقدمه الحزب الدستوري الحرّ للرئاسية ومن المؤكد أن يكون زعيمته السيدة عبير موسي. وتكمن خطورتها على حظوظ رئيس الجمهورية في التهامها المستمر لأجزاء من قاعدته الانتخابية السابقة وخاصة جزءا كبيرا من المليون إمرأة اللاتي أوصلنه للرئاسة. وإن تواصل صعودها على هذا النسق، فإن من شأن ذلك أن يؤدي إلى افتكاكها جوانب مهمة من بقايا الماكينة التجمعية السابقة التي ساهمت في وصوله للرئاسة. وربما يكمن حسن حظه في أنها لا تعتبر بعدُ مرشحة متكاملة، إذ تفتقد لماكينة انتخابية جاهزة حيث لم يبرز حزبها إلى الواجهة ولا يعلم عنه شيئا تقريبا. كما أنها لم تتوفق إلى تعديل خطابها في اتجاه افتكاك اهتمام جانب كبير من الحداثيين الرافضين للمنظومة السابقة والمعادين جذريا للإسلام السياسي وحلفاءه وتستمر في مهاجمتهم مع أنها كان يمكنها تطمين جزء منهم حول مستقبل الديمقراطية والحريات حول استحالة تكرار ممارسات وأخطاء النظام السابق وهو ما يضعف من حظوظها جذريا. 

لا شك بأن الرئيس سيفعل المستحيل من أجل الترشح مرة أخرى ومن المحتمل في حالة أجبر على عدم الترشح أن يبقى لاعبا أساسيا في تحديد ملامح المرحلة القادمة. وهو ومهما كانت التكاليف لن يسمح مطلقا ليوسف الشاهد أو لحزبه بتحقيق الفوز في انتخابات سنة 2019. وقد يضطر إلى اجراء أكثر التحولات دراماتيكية في مواقفه وإلى دعم أي مرشح آخر عدا من انقلب عليه ولو كانت مرشحة الحزب الدستوري الحر.

 

*سامي بن سلامةخبير في الانتخابات وعضو سابق بهيئة الانتخابات عضو الهيئة المركزية لهيئة انتخابات المجلس الوطني التأسيسي ومنسق عام منظمة 10_23 لعم مسار الانتقال الديمقراطي وعضو الهيئة التأسيسية للنقابة الوطنية لعدول الإشهاد

 

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

النشرة الإخبارية