alexametrics
آراء

المشيشي يقوم بالإشهار المجاني لإحدى الماركات العالمية

مدّة القراءة : 6 دقيقة
المشيشي يقوم بالإشهار المجاني لإحدى الماركات العالمية

 

أمطار غزيرة تهاطلت خلال الأسبوع الماضي في كل من ألمانيا وبلجيكا وهولندا واللكسمبورغ والنمسا وسويسرا .. تم إحصاء ما لا يقل عن 191 قتيلا (حصيلة مؤقتة) من بينهم 160 في ألمانيا وحدها .. كان المشهد مفزعا يعكس ما لحق البنية التحتية من دمار حيث انهارت العديد من الطرقات والجسور كما صارت بعض المدن تحت الأنقاض بعد أن خسر آلاف السكان منازلهم التي انهارت أمام أعينهم.

 

"الوضع مروّع ويفوق كل تصوّر .. اللغة الألمانية ليس بها مفردات تصف ما حدث من دمار .. إنها فيضانات القرن" هكذا صرّحت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أثناء الزيارة التي أدتها  إلى منطقة "رينانيه بالاتينات" التي سجلت بمفردها 112 قتيلا رحمهم الله.

 

السبب الرئيسي وراء سوء الأحوال الجوية هو التغير المناخي وفي هذا الصدد قالت ميركل: "يجب الإسراع، علينا أن نكون أسرع في مكافحة تغيّر المناخ".

 

من غير المستبعد أن تحلّ بنا الكارثة التي هزت أوروبا الغربية فمثل هذه الكوارث قد تحصل في أي مكان، خاصة وأننا لا نبعد عن المناطق المنكوبة سوى مسافة ساعتين بالطائرة.

 

فما الذي أعددنا له لمواجهة تداعيات التغيرات المناخية ؟ لا شيء طبعا فالأمر لم يُطرح أصلا عندنا .. وماذا أعددنا حتى يتأقلم اقتصادنا مع المستجدات التي فرضتها الدول التي أعدّت استراتيجية لمواجهة التغيرات المناخية ؟ أيضا لا شيء.

 

ومع ذلك فإن عملا كبيرا ينتظرنا إلى جانب توفّر فرص كثيرة أمامنا لاستثمارها .. هناك مئات المشاريع التي يمكن إنجازها .. فعلى سبيل المثال يمكننا بفضل صناعة الطاقات المتجددة خلق الآلاف من مواطن الشغل .. كما أن الإتحاد الأوروبي يعتزم فرض السيارة الكهربائية على كل الأشخاص قبل عام 2035. لماذا لا نشجّع شبابنا ورجال أعمالنا على إطلاق مشاريع لتصنيع بطاريات كهربائية وهي مشاريع ستدرّ مرابيح طائلة خلال العشريات المقبلة ؟ لا شيء من كل هذا تم التحضير له من قبل حكومتنا .. فنحن هنا نلاقي صعوبات جمّة لاستيراء مجرد سيارة كهربائية، دون الحديث عن اعتزام شركة الكهرباء والغاز "الستاغ" الزيادة في فواتيرها بحكم الارتفاع المهول في استهلاك الطاقة.

 

هل تعلمون لماذا نحن فقراء ؟ لأننا مثلا لا نعرف كيف نستبق الأشياء ونستشرف المستقبل .. لأننا كُسالى .. ولأننا لا نستأنس من تجارب الدول التي سبقتنا في النجاحات .. لأننا نفضّل مشاهدة قنوات "الجزيرة" و"إقرأ" على محطات "أورونيوز" و"آرتي". فليعلم الجميع أن ما يحدث في أوروبا اليوم سيحل بنا غدا لا محالة. مرة أخرى أترحّم على أرواح كل المفقودين في أوروبا، ضحايا التغيرات المناخية.

 

في لبنان تسوء الأوضاع أكثر فأكثر .. شهد هذا البلد خلال الأسبوع الفارط احتجاجات جديدة معادية للنظام .. نظام بصدد التفتّت ودولة تنهار .. حقا إنه مؤسف وحزين ما يحدث في بلد الأرز، أحد أجمل البلدان العربية.

 

هناك توجد أزمة سياسية خانقة بين رأسي الجهاز التنفيذي .. الرئيس المسيحي ميشال عون متشبث بمواقفه من خلال فرض عدد من الوزراء المسيحيين على الوزير الأوّل المعيّن، السنّي، سعد الحريري .. بعد تسعة أشهر من المفاوضات والمباحثات المضنية، قرّر هذا الأخير، الأسبوع الماضي، الانسحاب وعدم تشكيل حكومته، معتبرا أن الخلافات مع الرئيس وصهره جبران بسيل، رئيس الحزب المسيحي، لا يمكن تجاوزها. ألا تذكّركم هذه الخلافات بين رأسي الجهاز التنفيذي بشيء ؟ .. مثل ميشال عون، رئيسنا قيس سعيّد يريد هو كذلك أن يفرض رؤيته بخصوص الحكومة المقبلة.

 

في لبنان الشعب يعاني كثيرا .. فما عاد يمكننا الحديث عن سهرات ليالي بيروت، بل صرنا نتحدّث عن مجتمع أكثر من نصفه يعيش اليوم تحت عتبة الفقر .. شعب يعاني نقصا في الأدوية وفي المحروقات .. شعب تُقطع عنه الكهرباء لفترات تصل أحيانا لعشرين ساعة في اليوم .. بلد يقال إن نسبة التضخم فيه قد تجاوزة المائة بالمئة هذا العام .. لبنان يعرف نسبة بطالة تناهز ال40 بالمائة .. هناك حديث عن انهيار تام للليرة اللبنانية التي عليك اليوم أن تدفع منها 21 ألف وحدة مقابل دولار أمريكي واحد الذي كان في وقت قريب يعادل 1500 ليرة .. لبنان حيث تتدخل السياسة في القضاء .. حيث الفساد ينخر الطبقة السياسية الراهنة .. ألا يذكّركم هذا بشيء ؟

 

ما يحدث في لبنان يجب أن يثير فينا الرغبة في التحرّك وعدم الوقوف جامدين لأننا معنيّون أيضا بما حصل هناك .. أزمتنا السياسية التي تتفاقم من يوم لآخر .. استشراء الفساد .. حالة العمى التي سادت سياسيينا .. التدخّل في الشأن القضائي .. كلها عوامل توحي بأننا في طريقنا نحو السيناريو اللبناني .. فليعلم الجميع أن ما يحصل في لبنان اليوم سيحلّ لنا غدا لا محالة.

 

فلعند إلى تونس .. الأسبوع الماضي كان هادئا نسبيا .. حتى الخلافات والمناوشات تحت قبة البرلمان صارت أمرا معتادا بحكم تكرّرها ولم تعد تحتاج لأن نذكرها على أعمدة صحيفتنا.

 

هل نتحدّث عن عدد الوفيات بسبب الكوفيد 19 ؟ حتى هذه الأرقام صارت معتادة لدينا .. لقد تجاوزنا خلال الأسبوع الماضي عتبة 200 حالة وفاة بالنسبة إلى يوم واحد .. لكن يبدو أن الأمر لم يعد يثر اهتمام أحد .. لدينا نقص فادح في كميات الأوكسيجين في المستشفيات ومع ذلك بإمكان البعض الذهاب إلى الفنادق والاستظهار بوثيقة تفيد الحجز في فندق ما لتبرير خرقهم إجراءات الحجر الشامل .. هكذا تعيش فئة من الناس يعتبرون أنهم فوق عامة الشعب وغير معنيين بقوانين البلاد وبقرارات الحكومة والسلطات الصحية.

 

الأمر الغريب والعجيب أن من بين هؤلاء نجد أحد الوزراء (الوزير معز شقشوق) الذي لم ير أي حرج في أن ينشر عبر موقع للتواصل الإجتماعي، صورا له وهو في أحد الفنادق .. هذا الوزير هو أفشل ما يكون من الناحية الإتصالية .. ففي الوقت الذي يجد فيه التونسيون أنفسهم مجبرين على المكوث في بيوتهم والالتزام بالحجر الصحي، ها أن الوزير يأخذ قسطا من الراحة في أحد الفنادق وهو حريص على أن يعلم الجميع بذلك .. في دول أخرى مثل هذا السلوك كانت ستتبعه إعفاء من المنصب على الفور أو على الأقل كان سيتم دعوة الوزير إلى الاستقالة.

 

لكن هل يمكننا مؤاخذة هذا الوزير على هذه الفعلة أو الحماقة حين نعلم أن رئيسه أي رئيس الحكومة كان في ذلك الوقت (نهاية الأسبوع)، يقيم بأحد الفنادق الفاخرة (صدربعل) بمنطقة الحمامات ؟

 

نظرا للنقص الفادح في الأوكسيجين المسجل يوم السبت الماضي في عديد المستشفيات، كان لزاما على هشام المشيشي أن يقطع عطلته الوجيزة ويتوجه إلى العاصمة لعقد جلسة طارئة بحضور وزير الصحة والإطارات العليا في هذا القطاع.

 

لقد أشرف على الإجتماع مرتديا سروال "دجين" وقميص "بولو" من الماركة الأمريكية Tommy Hilfiger. لكن حين نتذكّر صورته قبل يومين من ذلك وهو يقف إلى جانب البطلة أنس جابر مرتديا بُدلة رسمية، يصبح الأمر مضحكا نوعا ما.

 

ألا يوجد من يقول للمشيشي إنه كان يجدر به أن يرتدي قميص البولو حين ذهب إلى ملاعب التنس في حين أن البدلة الرسمية مكانها الإجتماعات الرسمية ؟ أليس هناك من يقول له إنه من الممنوع ارتداء ملابس تحمل ماركة أجنبية أمام عدسات الكاميرا ؟ إلا إذا كان المشيشي قد تحوّل إلى "رجل سندويتش" يروّج للماركة الأمريكية Tommy Hilfiger ويتقاضى أجرا من أجل ذلك على غرار ما يقدمنه فتياتنا على الأنستغرام.  

 

الأكيد أن هشام المشيشي قد قام بخطأ إتصالي فادح بظهوره هذا في خضم فضيحة تواجده في فندق صدربعل أثناء الأزمة الصحية غير المسبوقة.

 

من المضحكات أيضا أنه يرى نفسه مؤهلا لتقديم الدروس في المجال الإتصالي للمسؤولين في القطاع الصحي بإسداء تعلمياته لهم بتنسيق الجهود من أجل توحيد مصدر إعطاء المعلومة .. لماذا؟ لأنه سمع عبر الراديو خمس أو ست معلومات متناقضة.

 

أيس هذا خطأ إتصاليا، سيدي رئيس الحكومة، حين تقرّ أمام عدسات الكاميرا بأنك تستقي معلوماتك من المحطات الإذاعية ؟

 

أليس خطأ إتصاليا أيضا و"تسييريا" أن توبّخ وتهين، أمام عدسات الكاميرا، إطارات صحية عليا تقف في الصفوف الأمامية في الحرب ضد الكوفيد ؟

 

أوليس خطأ إتصاليا (رغم أنه منتحل من رئيس الجمهورية) أن يقوم رئيس الحكومة بنشر كلامه ومداخلته كاملة بما تضمنته من تهجّم، دون نشر ردود "المتهمين" ؟ كنا نفضّل لو سمعنا تفسيرات وتبريرات الإطارات الصحية العليا، باعتبارهم كانوا في المستشفيات وليسوا في الفنادق !

 

في مداخلته المقتضبة، قال هشام المشيشي أمرا صائبا حين قال "يجب أن يتوقّف هذا السيرك" .. بالفعل يجب إيقافه .. لأننا جميعا بصدد العيش وسط سيرك وهذا السيرك ليس السبب فيه أطباؤنا لأنهم يجتهدون في القيام بما هم عليه قادرون رغم قلة الموارد والإمكانيات المتوفرة لهم.

 

سيدي رئيس الحكومة إن السيرك الذي تتحدث عنه موجود تحت قبة البرلمان، في قصر قرطاج، وفي قصر الحكومة بالقصبة.

 

هذا كل ما يمكننا قوله حين نرى رئيسا للحكومة يخاطب جيشنا الأبيض وهو يرتدي قميصا من ماركة أجنبية وحين نرى أحد وزرائه ينشر صورا له أمام مسبح أحد الفنادق كما لو كان إحدى تلك الفتيات التافهات اللاتي يدّعين أنهن صانعات محتوى.

 

الأولوية في ألمانيا اليوم هي التغيرات المناخية .. وفي تونس أولويتنا المطلقة هي تنقية المناخ السياسي .. الرئاسات الثلاث (رأسا الجهاز التنفيذي ورأس الجهاز التشريعي) يجب الاستغناء عنهم جميعا إذا أردنا إنقاذ بلادنا .. التلوث الذي تعاني منه البلاد ليس غازات الاحتباس الحراري (فقط) بل كل هؤلاء السياسيين الذين يحكموننا وسيؤدون بنا إلى "لبننة" تونس.

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

تقرؤون أيضا

03 جانفي 2022 16:04
0
30 ديسمبر 2021 16:29
0
27 ديسمبر 2021 17:00
0