alexametrics
الأولى

النهضة أم الهايكا، من يملك قوة الضغط الرّابحة؟

النهضة أم الهايكا، من يملك قوة الضغط الرّابحة؟

 

 في أعقابِ مؤتمر 2016، أعلنت حركةُ النهضة الإسلامية أنها أضحت- بفخرٍ حزب "الإسلاميين الديمقراطيين"، وفصل الحزب نشاطهُ الدّعوي عن نشاطهِ السياسي، مثلما فصلت الأحزاب اليساريّة نشاطها السياسي عن نشاطها العُماليّ. وصار الحزبُ مدنيّـا بعد غُربتهِ، وتبنّى قيم الدولة التّي كان في فترة قريبة يُعارضها ويروّج لدولة خلافة شرعيّة.  فماذا يعني أن يُعرقل حزب مدنيّ إرساء مؤسسات دولتهِ الدستورية، وبعد خسارة معركةٍ أولى، يمرّ الى عرقلةِ نشاطها؟ ماذا يعني أن يكون " الحزب الديمقراطي الوحيد" ضدّ الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، ضد قيام محكمة دستورية، وأخيرًا، ضدّ الهايكا؟

 

ماانفك الاسلاميون الديمقراطيون يذكرون الرأي العام التونسي أن الهايكا على وشك أن تفقد شرعية التعديل التي منحت لها بموجب دستور 2014. حيث خصصت الحركة المدنية/حديثا حيزا في بيانها السياسي لتذكر مجلس نواب الشعب –بنبرة قلق وتوجس- أن الهايكا منتهية الصلوحية دون المصادقة على القانون الخاص بها وانتخاب أعضاء جدد، مبدية أسفها الشديد لعدم توصل المجلس الى انتخاب أعضاء جدد- مع أن الأغلبية البرلمانية تذهب بكل أريحية الى الحركة الاسلامية وتقنيا هي المسيطرة على المجلس وتملك أفضلية المبادرة والاقتراح والتصويت. خوف يبدو أنه وتر النهضة وأفقدها ديبلوماسيتها المعهودة لتعلن الحرب ضد مؤسسة من مؤسسات الدولة تحت غطاء الدفاع عن اعلام حر.

 

من جهته، رئيس الهيئة العليا المستقلة للاتنخابات النوري اللجمي أكد ان الهيئة تلقت دعم المجلس لمواصلة عملها وفقا لما تنص عليه الاحكام الانتقالية للدستور الى حين انتخاب مجلس جديد للهيئة، نافيا بذلك محاولات افراغ الهيئة التعديلية من شرعيتها وصلت الى حد بث بيان يومي على مدار الساعة في قناة نسمة يزعم أن الهيئة فقدت صلاحياتها وانتهت عهدتها القانونية.

يبدو أن خوف النهضة أفقدها ديبلوماسيتها المعهودة لتعلن الحرب ضد مؤسسة من مؤسسات الدولة تحت غطاء الدفاع عن اعلام حر. وبالحديث عن الاعلام الحر، نذكر (بكل لطف) أن نواب النهضة حاولوا تعديل قانون النفاذ الى المعلومة عبر التوسيع في استثناءات الرفض للنفاذ الى المعلومة بالنسبة للصحفي. كما رفض نواب تمرير قانون السمعي البصري الجديد في فرصة أولى ثم ماطلوا لتعطيل قانون تنظيم الاشهار الذي من شأنه أن يحل ازمة الصحافة الورقية في تونس في فرصة ثانية. قياديو الحركة نادوا ببيع التلفزة والاذاعة الوطنية أو خوصصة المؤسسات الاعلامية العمومية، مثلما صرحت يمينة الزغلامي. نذكر كذلك أن أحد أعضاء مجلس الشورى الذي يملك قناة الزيتونة تجاهل قرارات الهايكا وتجاهل القانون ولازال الى الان يبث بصفة غير قانونية.

لم نرصد اهتمام الحركة المفاجئ بالاعلام وحرية الصحافة الا حين تعلق الأمر بقناة نسمة، اذ استنكرت حركة النهضة خلال اجتماع مكتبها التنفيذي /ورغم أنه ذو صبغة سياسية عملية إغلاق نسمة "بإستعمال القوة العامة استنادا الى قرار من الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري" حسب نص بيان أصدرته عقب الحادثة معتبرة قرار الهايكا مسيئا لتونس ولثورتها ومشددة على أنها عملية مرفوضة تبعث برسائل سلبية تهدد المكاسب الإعلامية وتعيد إلى الأذهان سياسة تدخل الدولة في الشأن الإعلامي وضرب الحريات. لهجة البيان اتهمت بوضوح الهيئة التعديلية التي تحافظ على حد أدنى من التوازن واحترام القوانين في المشهد السمعي البصري بأنها تحاول تخريبه وضرب مكاسبه وحرياته.

 

مسار ارساء الهايكا لم يخلو من تباطؤ ومماطلة وصراعات حزبية حول صيغة توافقية تحدد هوية الاعضاء المرشحين، من البديهي أن يكون مرد تعثر ذاك المسار التخوف من صلاحياتها اذ أنها تتمتع بدور رقابي وتعديلي ضمن اختصاصها في اطار الحفاظ على الحريات والمبادئ العامة التي أقرها الدستور. ولم تنتهي محاولات التسبب في تعثر المسار مع ارساء الهايكا بل تحول الى عرقلة نشاطاتها وقرارتها. عرقلة تتجلى من خلال  ما أكده هشام السنوسي عضو الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري عن وجود إشكال في تطبيق القانون ضد القنوات والإذاعات المخالفة للقانون، مشيرا إلى أن عدم الاستقرار وعدم إصلاح الإعلام يخدمان مصلحة أطراف معينة. "اليوم بلغنا الخط الأحمر وأصبحنا نواجه مشاكل في تطبيق القانون" هكذا وصف السنوسي خطورة ماالت اليه الأمور مبرزا أن حركة النهضة هي الداعم الأساسي لهذا الواقع وهذه الفوضى خاصة أن إصلاح القطاع الإعلامي لا يخدم مصالحها الحزبية مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي. فالنهضة لا تريد أن تخسر أبواقا قد تخدم حملاتها وشركاء مستقبليين قرروا خوض غمار السياسية انطلاقا من منبر الاعلام- وأحيانا من منبر الأعمال الخيرية التلقائية التي لا تصورها الكاميرات، وهو ما اعتبرته الهايكا في بيانها الأخير استغلالا واضحا للفئات المهمشة والمفقرين للمتاجرة بمآسيهم مما يمثّل تهديدا للمسار الديمقراطي برمته ومسّا من نزاهة المنافسة الانتخابية وتكافؤ الفرص بين مختلف المترشحين.

 

السنوسي كان على مدى الأسبوع الفارط واجهة الهايكا والناطق الرسمي بمواقفها، اتهم الحركة أنها تعطل سير عمل القانون ولا تحترمه ولا تحترم الهيئات الدستورية. وكانت الهايكا قد نشرت ملف قناة الزيتونة كاشفة للرأي العام أنها على ملك أحد أعضاء شورى النهضة- السند السياسي لهذه القناة. أوضح تقرير الهايكا الذي نشرته بيزنس نيوز أنه تم رفض إسناد رخصة للقناة في 2014 لأن أحد المساهمين وهو أسامة بن سالم، هو عضو في مجلس شورى حركة النهضة. ومنذ ذلك الوقت والقناة تبث بصفة غير قانونية، فيما تتابع الهيئة كافة إجراءاتها من التنبيهات والخطايا، وصولا إلى مراسلة رئيس الحكومة بخصوص وضعية القناة الخارجة عن القانون والالتجاء الى القضاء الإداري.

وأوضح التقرير، أنه يمنع لمن يتقلد مسؤولية حزبية إنشاء أو المساهمة في إنشاء قناة تلفزية، ولذلك اتخذت الهيئة الإجراءات القانونية اللازمة وهي تتابع الملف منذ 2014 إلى الآن.  لكن القناة مازالت تبث بصفة غير قانونية متحدية بذلك القانون، في بلطجة صريحة تتحدى الدولة ومؤسساستها.

 

ليست هذه أول مرة تلاحظ فيها الهيئة التعديلية المنتخبة تدخل الحزب الاسلامي في الاعلام بصفة صريحة ومخالفة للقانون. اذ راسلت الهايكا رئيس الحركة الغنوشي في 2017 لتعلمه بخطورة تدخل حزبه في  المؤسسات الإعلامية، مراسلة رسمية من احدى مؤسسات الدولة تجاهلتها حركة النهضة وشيخها تماما لتبقى مراسلة الهايكا بلا اجابة منذ سنتين في صمت غريب.  وصرح السنوسي في سياق متصل أن  حركة النّهضة حاولت أن تضع يدها على 7 إذاعات عن طريق نبيل القروي، وهدّدت الهيئة بسحب إجازات هذه الإذاعات، وقال إن النهضة هي المساهم الوحيد في تعطيل قرارات وأشغال الهايكا. من جهته وقف نقيب الصحفيين التونسيين ناجي البغوري  الى جانب الهيئة الدستورية حيث  حيث اتهم مالك قناة نسمة نبيل القروي بشيطنة الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري والسعي الى اضعافها وتابع أنه سخر قناته وبلاتوهاته الاعلامية من أجل شيطنة الهايكا واخراجها في مظهر الفاشل والعاجز عن تحسين وضع القطاع السمعي البصري, مضيفا " أصحاب وسائل الاعلام يحاولون شيطنة الهايكا وأولهم نبيل القروي". نفس الملاحظة ساقها السنوسي لكن موجها الاتهام الى حركة النهضة اذ صرح أنها تجيش الرأي العام ضد الهيئة التعديلية.

 

 بعيدا عن صراع النهضة والهايكا، يبدو أن البنك المركزي كذلك لم تعجبه تصريحات هشام السنوسي الذي قال أن البنك رفض تمكين الهيئة من معلومات حول التحويلات المالية الصادرة عن مؤسسات إعلامية. السنوسي اعتبر أن البنك مسلوب الارادة وحالته محرجة. البنك تمسك بحقه في حماية مصالحه وأعوانه من مخاطر المساءلة القانونية. الهايكا أرسلت مطلب نفاذ للمعلومة للبنك المركزي كي يمكنها من بيانات تحويل أموال للخارج تخص القنوات الخاصة ذات الوضعيات غير القانونية التي تدفع سداد معلوم البث على  النيلسات بالعملة الصعبة. البنك المركزي رفض تمكين الهايكا من المعلومة، فالتجئت الهيئة الى رفع تظلم للهيئة الوطنية للنفاذ للمعلومة. فهل يتحول الصراع الى صراع داخلي بين مجموعة مؤسسات تنضوي تحت لواء بلد- دولة- قانون واحد بعد أن كان صراع حزب- رجل أعمال ضد الدولة ؟

 

 

عبير قاسمي 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

النشرة الإخبارية