alexametrics
آراء

حتى أنت يا سلمى ...

حتى أنت يا سلمى ...

بقلم : سفيان بن حميدة

 

عندما كان بروتوس يهم بطعن أبيه الامبراطور الروماني قيصر في اطار عملية اغتيال جماعية قررها أعضاء مجلس الشيوخ في روما للتخلص منه، نظر اليه نظرة أخيرة وقال له "حتى أنت يا بروتوس". ومنذ ذلك التاريخ تم تداول هذه العبارات كلما تعلق الموضوع بتطورات السياسة وتعرجاتها. فالسياسة مسار متموج ملئ بالمطبات والمنزلقات والمخاطر. والسياسة هي مجال للتغيرات السريعة فتنفض الصداقات متى انتهت المنافع وتتحول الى خصومات وصراعات متى تضاربت المصالح. فلا توجد في السياسة صداقات دائمة ولا خلافات نهائية. ولا مكان فيها للعواطف أو للمشاعر. فهي باردة كالموت. ولآنها كذلك فقد نكرهها لكن لا يمكن تفاديها.  

ونستذكر قصة بروتوس وقيصر حين تطالعنا أنباء استقالة مديرة الديوان الرئاسي سلمى اللومي من منصبها. وهي استقالة مفاجئة لأن سلمى اللومي كانت تعد من أعضاد الرئيس الأوفياء منذ تأسيس حزب نداء تونس حتى أيام قليلة ماضية. وهي استقالة مباغتة لأن سلمى اللومي نأت بنفسها بعد المؤتمر الأول للنداء عن تجاذبات الشقوق قبل ان تقرر منذ يومين الالتحاق بشق سفيان طوبال والمشاركة في اجتماع مكتبه السياسي والقبول بمنصب المدير التنفيذي للحزب وفقا للأخبار الواردة من ضاحية سكرة.

لكن هذه الاستقالة ليست الأولى التي يقدمها مقربون من رئيس الجمهورية داخل القصر. فقد سبقها الى ذلك سلفها سليم العزابي الأمين العام الحالي لحركة " تحيا تونس ". وقبلهما اضطر كل من رضا بلحاج الذي أطرد من النداء قبل أسابيع قليلة من المؤتمر ومحسن مرزوق الذي يترأس حركة مشروع تونس الى الاستقالة. وما يجمع بين كل هذه الاستقالات ان جميعهم ينتمون الى الدائرة المقربة من الرئيس وجميعهم كانوا من قيادات الصف الأول في النداء وجميعهم لا يخفون انزعاجهم من نجل الرئيس حافظ قائد السبسي ويحملونه القسط الأكبر من المسؤولية في تردي الأوضاع الداخلية للحزب وتراجع رصيده الشعبي.

وهنا مربط الفرس اذ يبدو ان رئيس الجمهورية كلما تقدم الوقت كلما زاد استماتة في الدفاع عن ابنه وأحقيته في النشاط السياسي كغيره من المواطنين وتقلد مسؤوليات عليا في النداء. بل يبدو انه أصبح يضيق ذعرا بكل لوم أو ملاحظة توجه الى نجله في حضوره أو حتى في غيابه. وبعد أن أربك هذا الأمر العمل الحكومي لمدة وأربك ولا يزال الوضع داخل النداء فانه أصبح يربك حتى الوضع داخل القصر الرئاسي.

ولئن كان الرئيس حرا في مساندة ابنه ضد أقرب معاونيه الذين أظهروا ولائهم له، فان الاستماتة في موقفه ضد كل الآخرين فيه تعنت يخرج بالرئيس من موقع المسؤول السياسي الذي يتعاطى مع واقع الأمور بعقلانية الي موقع الأب الذي تقوده عاطفة الأبوة لا غير الى دعم ابنه بكل ما أوتي من قوة ونفوذ. وقد زاد هذا الأمر من عزلة رئيس الجمهورية داخل قصره وهي عزلة بدت مؤشراتها منذ أشهر عديدة من خلال انحسار تأثير الرئيس داخل الساحة السياسية الوطنية. ولعل الفشل الذريع الذي لاقته مبادرة " قرطاج 2 " التي أطلقها الصائفة الماضية كانت بداية النهاية بالنسبة اليه.

وأسو ما الأمر وهو ما لا نرضاه له أن تكون الأشهر القليلة المتبقية من عهدته الرئاسية هي الأشد وطأة عليه لأنها ستزيد من عزلته ووحدته داخل القصر الذي قد يخرج منه وقد خسر الكثير.

أما سلمى اللومي فقد اختارت التوقيت لمغادرة السفينة الغارقة واختارت ما اعتبرته قارب النجاة لمسيرتها السياسية. لكن المستقبل وحده هو الذي سيبين مدى صواب اختيارها. فان نجحت في رهانها فان التاريخ لا يكتب الا أسماء المنتصرين. أما اذا كان رهانها فاشلا فانها ستكون مجرد اسم اضافي على قائمة طويلة من أسماء الذين تنكروا للباجي قائد السبسي رغم انهم يدينون له بالكثير وغدروا به عندما كان يجدر بهم ان يحموا ظهره ويساندوه.  

  

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

النشرة الإخبارية