alexametrics
آراء

حكم من أفطر في رمضان

حكم من أفطر في رمضان
 
طبعا الموضوع ليس تحريرا لمقالة فقهية، وليس مقاربة فيما أورده الدستور من بنود تدعّم حرية المعتقد.. وإنّما هو معالجة لمسألة ما كنّا نقف عندها في سنوات قليلة مضت.
 
كلّ بداية شهر رمضان تنطلق ألسنة الوعيد والتنديد بالمفطرين جهرا في رمضان، وتشدّ الدولة أحزمتها لملاحقتهم كمن يطارد السحرة.. حتى كأنّ الصوم رهين التوقف عن الأكل والشرب.. وحتى كأنّ الصائم ضعيف الإيمان تجب حمايته واحترام مشاعره حتى لا تخدش.. وحتى كأنّ صورة الدولة المسلمة سيهتزّ عرشها بشربة ماء أو احتساء قهوة أو لقمة يبتلعها شخص في وضح النهار..
 
بئس ما بلغه إيماننا هذه الأيام: إيمان قلق ومتوتّر وباحث عن وليّ أمر يحميه ويدفع عنه مخاطر الكفر واغراءاته.
 
بئس المؤمن اليوم، مؤمن فزع لأنّه مكبّل بقيود الحلال والحرام، لقّنوه إياها وحذّروه من الابتعاد عنها، فتربّى على عقيدة منافقة ومتكلّفة، عقيدة تقوم على النفاق والرياء..
 
تلك هي حالنا اليوم، لقد ضُرب إيمانه في الصميم، فصار مثل القشّة التي تهزّها النسمات، وانتصب من رأى في نفسه القدرة على الردع يحارب المفطرين باللسان والفضح والكشف..
 
قالوا لنا منذ الصغر " إذا عصيتم فاستتروا".. وقبلنا الدرس من غير تروّ في معانيه، وها نحن اليوم نعيش انعكاسات هذا الدرس في حياتنا اليومية، وندرك أيضا أنّ إسلامنا ، بالنسبة إليهم طبعا، يقوم على النفاق والتظاهر بغير الحق.. والسؤال الطبيعي الذي يحضرني في هذا السياق: هل هذا هو الإسلام حقّا؟ كيف لي أن أوفّق بين إيماني وما يلقّنه لي البعض؟ مثل قولهم" لا تفضح بالنهار ما ستر الله بالليل ولا تفضح بالليل ما ستر الله بالنهار فتكون ممن يجاهر بالمعصية وتكون بذلك قد ارتكبت عملا اقبح من المعصية نفسها . وحتى لا تكون قدوة سيئة يقلدها اقرانك واصدقاؤك وبذلك تحمل اوزارك وأوزارا فوق اوزارك .أستر نفسك ليكون لك فرصة التوبة ".
 
فهل قرأوا التاريخ؟ هل قاربوا مصنّفات التفسير والفقه في احكام الصوم؟ هل سألوا أنفسهم : لماذا غابت أحكام من جاهر بإفطاره في رمضان في تفسير الطبري أو ابن العربي؟ 
 
المفارقة العجيبة التي نعيشها اليوم هي أنّ من نصّب نفسه محتسبا، أي جعل نفسه من أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر توقّف عند مسألة واحدة في أحكام الصوم، وهي الجهر بالإفطار لأنّها مسألة تكسر المسلّمة بالستر في المعصية وتجعل الفرد واعيا بما اعتبر معصية في نظر الغير. لكنّ هؤلاء أسقطوا معصية أخرى وتجاوزوها بينما هي الأخطر، لأنّها تبرز العلاقة الحقيقية بين المتعبّد وخالقه: إنّها معصية من جامع امرأته وهو صائم. لقد أطنب القدامى في هذه المسألة فبحثوا عن أوجه الكفارة فيها، والحال أنّها تعكس وضع الإيمان عندهم: أليس الصوم عبادة؟ وتقرّبا من الله؟ فمن أين تأتي المتعبّد الشهوة وهو في عبادته؟ أم إنّها مسألة لا تحرج بما أنّها تقوم على العصيان في الستر؟ 
 
يكفي أيها القارئ أن ترجع إلى مقالات الفقهاء في أبواب الصيام، مثل "فيمن أكره امرأته في رمضان فجامعها نهارا" ، ومقالاتهم في الحد الموجب للإفطار في الجماع.. هي مسائل تحرج في عصرنا الحاضر، وفي الوقت نفسه تقتضي ممن نصّب نفسه واعظا أن يدخل البيوت ويرفع الستائر ..
 
حال من التقوى يعيشها سياسيونا موسمية ويأملون في قطف ثمارها قريبا في الخريف.. ولعلّ رجال النهضة هم من كانوا السباقين هذه الأيام: فالبحيري يتوعّد المفطرين وقد اربدّ وجهه وأزبد، وإذا بآخر يقتحم بيوتنا بفتوى ارتجّت لها المواقع الاجتماعية وقد ذهب في ظنّها أنّه اجتهد فيها وأخرج لنا فصل المقال، والحال أنّه كان مكرّرا لما هو معمول به في الكويت: " السيد جاب الصيد من وذنو" عندما أتحفنا بأنّ على الدولة أن تجرّم المفطر جهرا بمائة دينار وسجن شهر. هذا الحكم نقله سيدنا الخوانجي نقلا أمينا مما تفرضه الحكومة بالكويت "غرامة 100 دينار وحبس شهر كامل"، لكن هل انتبه السيد المجتهد أنّ قيمة الدينار الكويتي لا تساوي الدينار التونسي، وعليه كان لزاما أن يحتسب بالدولار أفضل.
 
ما يجب أن نسجّله: هو أنّ حكم من أفطر جهرا لم يكن مشغلا قائما بذاته سوى ابتداء من أواخر القرن الثاني للهجرة ، أي مع الدولة العباسية، وهذا لا يعني البتة أنّ المسلمين كانوا أتقياء وجميعهم يصوم شهر رمضان وإنّما لأنّهم كانوا يرون أنّ ما يعتبر معصية هو شأن بين الخالق وعبده، وليس لأيّ شخص آخر أن يتدخّل في هذه العقيدة، ف" كلّ نفس بما كسبت رهينة" . واليوم يبدو أنّ ظاهرة مطاردة غير الصائمين موضة في الدول العربية: فالإمارات قضت بغرامة ب2000 درهم وحبس شهر، والسعودية بالسجن والجلد، وترحيل الأجنبي، وقضت المغرب ب120 درهما و سجن قد يصل إلى 6 أشهر، وقضت البحرين بعقوبة 3 أشهر، أمّا العراق فقد اكتفت بخمسة أيام؟؟؟ والأردن ب25 درهما وشهرا واحدا... 
 
ويبدو أنّ نهضتنا حريصة على أن تلحقنا بركب الدول التي أقرت عقوبة رسمية للمفطرين، أمّا بنود الدستور فلتذهب سدا.. وذاك هو الاعتدال.. وتلك هي الوسطية في الإسلام التي تتباهى بها النهضة في المحافل الدولية وتصفّق لها الدول الغربية وطز في حقوق الإنسان المسلم التي تغاير حقوق الإنسان العالمية.

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

النشرة الإخبارية