alexametrics
آراء

كثيرة مآسينا .. ومازلنا نبحث عن كبش فداء

كثيرة مآسينا .. ومازلنا نبحث عن كبش فداء

 

وطن بأسره في حالة حزن شديد وحداد غير مُعلن، على إثر وفاة 12 رضيعا، قبل أن تلحق بهم أم أحد الرضّع المتوفين، رحمهم الله.

 

مع كل كارثة وفاجعة ومأساة شهدتها البلاد خلال السنوات الثماني الأخيرة وما أكثرها، يهرع الجميع ليصبّوا جام غضبهم على مُتّهم يختارونه .. عادة ما يكون المتهم خصما سياسيا. فإذا كانت الحادثة إرهابية ترى الحداثيّين يهاجمون الإسلاميين والإسلاميون يتهمون اللوبيات الصهيونية والكفّار أما الثوريون فيوجهون سهامهم نحو كمال اللطيف (له ضلع في كل المشاكل حتى في سوء الأحوال الجوية)، الدولة العميقة والإماراتيين ... وإذا تعلق الأمر بحادث قطار فإن النظام القديم يصبح هو المسؤول، وفق الإسلاميين الثورجيين وجماعة الترويكا المسؤولة عن عربدة الدولة، حسب الحداثيين.

 

عادة ما تكون هذه التهم مُرفقة بوابل من التهم المتعلقة بالفساد والمحسوبية والتلاعب بالإنتدابات في عهد الترويكا وخطورة الإسلاميين ...  قبل الثورة كانت الجموع الشعبية (اتجاه واحد في ذلك الوقت) تتهم في صمت نظام بن علي .. من جهته كان النظام يختار كبش فداء من أبناء الإدارة لغلق ملف القضية.. أما بعد الثورة فقد أصبحت أتفه الأمور تعلّة لضرب الخصوم السياسيين وتحميلهم مسؤولية كل شيء..

 

مهما كانت تلك التهم وهمية ولا أساس لها من الصحة، فإنه من المذهل حقا أن هذا التكتيك ينجح عادة .. فلتتهم الترويكا بأي أمر كان، ستجد ردة فعل الحداثيين واحدة وبالإجماع .. ولتوجه اتهامك نحو رموز النظام القديم، سترى كيف أن الثوريين أو الثورجيين قد اتحدوا والتحموا من أجل تلك القضية .. ولتحاول أن توجه أصابع الإتهام للإسلاميين، سيأتيك العلمانيون، من كل حدب وصوب، مساندين.    

 

وبالطبع لم تشذ الفاجعة الأخيرة عن القاعدة .. 11 رضيعا لقوا حتفهم (قبل أن يلتحق بهم رضيع آخر) .. كارثة لا يمكن أن تمر دون كبش فداء .. أول من وجهت لهم الشتائم وعبارات الغضب وأصابع الإتهام هما رئيس الحكومة ووزير الصحة اللذين وفرا تلك الفرصة على طبق من ذهب لخصومهما.

 

في ظروف عادية مع حكومة بتركيبة عادية تحترم نفسها، كان يفترض أن يكون وزير الصحة إلى جانب أولياء الضحايا الرضع فمسؤولية الدولة ثابتة ولا مكان لمسؤول آخر في تلك اللحظات غير الوزير .. لكنه كان بمكتبه في اليوم الأول من الحادثة وهو ما لا يشكك في حسن نيته أو يقلل من حسه الإنساني وشعوره بالمسؤولية .. لا بد أنه كان مشغولا بما هو أهم من أولياء الضحايا، لكن من الناحية السياسية كان عليه أن يكون إلى جانبهم .. كانت نتيجة ذلك أن الأولياء تُركوا أمام مصائرهم وعذاباتهم ليسمعوا نبأ وفاة فلذات أكبادهم .. إلى ذلك كان عليهم أن يواجهوا بيروقراطية إدارة المستشفى التي طلبت منهم أن يدفعوا معلوم الفواتير قبل السماح لهم برفع جثث أبنائهم .. هذه ضريبة التعويل على وزراء تكنوقراط، مهما كانوا أكفاء في مجالات اختصاصهم، فإنهم غير مؤهلين لمواجهة فواجع وأزمات من هذا القبيل .. هذه الظروف يلزمها رجل سياسة محنك ليتخطاها بسلام.

 

كبش الفداء الثاني هو يوسف الشاهد الذي سلّم بيده، خصومه السياسيين، العصا ليضربوه بها .. لا أحد يشكك أيضا في حسن نواياه ولا في شعوره بالمسؤولية، لكن كان عليه أن يتحوّل إلى المستشفى لتهدئة النفوس .. كنا نأمل لو أنه أعلن يوم حداد وطني في رسالة للجميع بأن الدولة موجودة وواعية بحجم الكارثة وستعمل كل ما في وسعها حتى لا تتكرر مثل هذه الحادثة .. لكن الشاهد لم يحرّك ساكنا وهذه من الأخطاء المحسوبة عليه.   

 

 

يوجد أكباش فداء آخرون (تقليديون) من أمثال عبد اللطيف المكي وعماد الهمامي من الشق الإسلامي، باعتبار أن فترة إشرافهما على وزارة الصحة كانت سلبية .. لابد أنهم يتحملون شيئا من المسؤولية، بسبب خياراتهم الخاطئة وانتداباتهم القائمة على أسس الإنتماء الحزبي، لكن لا يمكن اعتبارهم المسؤولين الوحيدين في هذه القضية .. كبش الفداء الآخر هو الإتحاد العام التونسي للشغل الذي تسبّب في كثير من المآسي العديد من المؤسسات العمومية .. ونتذكر هنا الصراع بين المركزية النقابية وسعيد العايدي حين كان وزيرا للصحة وهو مسلسل انتهى بإقالة مُهينة ومُخجلة وفيها كثير من الجحود لوزير أعطى الكثير للقطاع وكان بإمكانه أن يقدم ما هو أكثر وأفضل.

 

من يوسف الشاهد، وصولا إلى المنظمة الشغيلة، مرورا بالوزراء الإسلاميين، هناك الكثير ما يُمكن أن يقال حول مسؤولياتهم في فاجعة وفاة الرضّع، لكن ليس كثر الكلام ما سيحل هذه المعضلة الخطيرة التي تتشعب أسبابها.

 

فلنكن صرحاء .. هل تعرفون وزيرا أو إطارا ساميا في الإدارة أو في الدولة، حمل زوجته لتضع مولودها في مستشفى عمومي ؟ الظاهرة ذاتها موجودة في قطاع النقل العمومي وفي المدارس الإبتدائية العمومية إذ لا تجد إطارا ساميا يركب وسائل النقل البري العمومي وفي المستقبل القريب قد لا تقبل الإطارات العليا في البلاد على تسجيل أبنائهم للمدارس الإبتدائية العمومية، بسبب ما قامت به المنظمة الشغيلة، في حين لن يسجل الوزراء أبناءهم إلا في مؤسسات التعليم العالي الخاص.

 

الحقيقة مرة لكنها جلية أمام أعيننا .. القطاع العام مريض ويعاني منذ عقود .. لكن منذ ثماني سنوات أصبحت الدولة هي التي تعاني وليست الإدارة فقط .. وبالطبع هنا سيصوّب بعض القراء أسلحتهم نحو النظام القديم، ثم الترويكا، فالباجي قايد السبسي، يليه الحبيب الصيد ويوسف الشاهد من بعده .. رغم أن الداء لا يكمن في هؤلاء (أكباش فداء جاهزون) .. فهروب بن علي لم يحل المشكلة بل بالعكس فقد تفاقمت الوضع..

 

مشكل مختلف الحكّام المتعاقبين، بعد الإستقلال وحتى قبله، ليس في سوء الخيارات التي انتهجوها وإنما هي مسألة تحكيم .. فأمام بلد شحيح الموارد الطبيعية، شعب أمي وجاهل، وضع كل من بورقيبة وبن علي ومن خلفوهم أولوياتهم .. لكنهم كانوا أمام أمرين أحلاهما مر .. هل تُرصد الإعتمادات لبناء طريق سيارة في اتجاه قفصة ومستشفى بالقصرين أو مدرسي في إحدى القرى النائية ؟ هل يجب تخصيص مليار أو اثنين لتعويض كلفة الخبر ومادة الفارينة لتفادي سيناريو 1984 أو أحداث بضعة آلاف من مواطن الشغل لفائدة إسلاميين كسالى وثوريي الحوض المنجمي وجزيرة قرقنة والكامور ؟ هل كان علينا انتداب ارهابيين مشتبه بهم سابقا، في الإدارة التونسية بداعي التعويض عن انتهاكات النظام السابق أو توفير وسائل إضافية لوزارة العدل لضمان استقلالية ونزاهة القضاة ؟.

 

أي قرار صائب وسليم يمكن لأي حكومة أن تتخذه في ظل ضغط وسائل الإعلام ووجود الإضرابات والإعتصامات والشركاء الأجانب وصندوق النقد الدولي ... ؟ .. كيف التعامل مع محتجين يرتهنون أبناءك وثرواتك الطبيعية ويعطلون آلة الإنتاج، علما وأنك بالإستجابة إلى مطالبهم ستزيد الطين بلّة وستغرق البلاد أكثر فأكثر ؟

 

قيل لنا في 2011 إن الإشكال الحقيقي الذي تتخبط فيه البلاد هو افتقاره لدستور جيد .. تم تغيير ذلك الدستور وكانت كلفته باهظة جدا، إلا أن الأوضاع لم تتحسن .. الحل هو وضع منوال تنموي واضح للجميع مثلما كان الشأن في زمن بورقيبة والمخططات الخماسية وفرض ذلك المنوال على كافة الشعب .. بعد بلورته يجب تنفيذ ذلك المخطط عبر رزنامة واضحة يقع احترام آجالها، باسم استمرارية الدولة، من قبل كل المنتخبين مهما كانت انتماءاتهم السياسية .. يكون المخطط شاملا لكل مجالات الحياة .. الشأن الديني والتعليم والقضاء والثقافة والصحة والبيئة والبحث والسياسة الخارجية .. كل الملفات. عليه أن يأخذ في الإعتبار الواجبات المالية والمجتمعية للبلاد وكذلك مطالب الشركاء الأجانب وهو ما لم يتم ولن يتم في المنظور القريب على الأقل.

 

على بعد سبعة أشهر فقط من الإنتخابات، لا وجود لحزب سياسي واحد أعد مثل هذا المخطط ولن يقدر أي من تلك الأحزاب على صياغته قبل هذه المحطة الإنتخابية .. ففي أفضل الحالات سنطلع على برامج انتخابية متفاوتة الجدية لكن نكون أبدا أمام منوال أو مخطط تنموي واضح المعالم .. السبب هو عدم وجود رجل سياسة واحد قادر على مواجهة التونسيين بالحقيقة: إذا كنتم تريدون النجاة، عليكم بالقطع مع التقاعس والكسل .. عليكم بالإنتاج واتباع سياسة التقشف لعشرية على الأقل ..

 

طبعا لا وجود في تونس ولا في بلد آخر، لسياسي قادر على قول هذا الخطاب في فترة انتخابية، لأنه يعلم مسبقا أنه لن يتم انتخابه أبدا .. فمجرد الشروع في تنفيذ النزر القليل من هذا البرنامج سيتسبب في احتجاجات لا متناهية في الأنهج والشوارع .. قد يطلقون على أنفسهم "السترات الصفراء" أو "الثوريون" .. كلهم سواء .. سيمنعون أي رجل سياسة من اتخاذ قرارات مُوجعة لكنها السبيل الوحيد لإنقاذ البلاد ..

 

رحم الله ضحايا الوطن "الرضّع" .. للأسف الشديد لن يكونوا آخر الضحايا.

 

(ترجمة للنص الأصلي بالفرنسية)

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

النشرة الإخبارية