alexametrics
آراء

آه لو كان لدينا محمد عبو قادر على إخاطة فمه إحتجاجا !

مدّة القراءة : 6 دقيقة
آه لو كان لدينا محمد عبو قادر على إخاطة فمه إحتجاجا !

 

ما لا يقل عن ثلاثة أحداث بارزة جدّت خلال الأسبوع الماضي وأثارت ذهول معظم الملاحظين.. ورغم فظاعتها وما خلّفته من شعور بالصدمة فإن هذه الأحداث لا تحرّك ساكنا في من كان يفترض بهم أن يتفاعلوا عادة.

المواضيع الثلاثة تتعلّق بتفكك منظومتنا القضائية وبالتالي الدولة للأسف الشديد.. قد نختار أفضل رئيس للجمهورية في العالم لكن بقضاء تحكمه التعليمات لا يمكننا إنقاذ هذا الوطن.

في المقابل، حتى وإن كان الرئيس أحمقا ورئيس الحكومة أبلها فيبقى إنقاذ البلاد ممكنا في ظل عدالة جيدة وإعلام جيّد أيضا..

المواضيع الثلاثة متّصلة بالبقاء على سامي الفهري سجينا رغم صدور قرار الإفراج عنه وبقائمة آس17 واقتحام النائب زيد مركزا أمنيا لمحاولة تحرير أحد الإرهابيين المشتبه بهم.

في الحالات الثلاث التي جرت في غضون 48 ساعة، تعرّضت المنظومة القضائية لرجّة لن تنساها.

 

الأربعاء 29 جانفي 2020 قررت محكمة التعقيب الإفراج عن سامي الفهري، لكن في ظرف قياسي لم يتجاوز بضع ساعات تحركت النيابة العمومية ومن بعدها دائرة الاتهام التي أصدرت إذنا بإيداعه في السجن في القضية ذاتها.. أسوأ من ذلك أنّ دائرة الاتهام اجتمعت دون حضور هيئة الدفاع والمحامين في تعدٍ واضح على الحق في الدفاع.

وهنا أسوق مثالا بسيطا لتقريب الصورة أكثر من المشهد الحاصل.. كما لو أنّ حارس شركة أو مؤسسة ما يمنع زائرا من مقابلة الرئيس المدير العام، ثم يتّصل ذلك الشخص بالمسؤول الأول الذي يأمر الحارس بالسماح له بالدخول لكن هذا الأخير يمتنع عن الإمتثال للأوامر بدعوى أن مدير الموارد البشرية أمره بعكس ذلك.

هذا ما آل إليه الحال بين النيابة العمومية (تمثّل السلطة) ودائرة الاتهام (تتكوّن من قضاة يفترض أنهم مستقلون) ومحكمة التعقيب (أعلى درجة قضائية).

من حيث الشكل نحن بصدد قضية تنتهك فيها الحقوق الدستورية والكونية ومن ضمنها علوية قرارات محكمة التعقيب ومبدأ قرينة البراءة وأن الإيداع في السجن يجب أن يكون الاستثناء وليس القاعدة.

من حيث المضمون فإن محامي سامي الفهري قال: "سأتطرق إلى بعض الممارسات وأصحابها يعلمون عما أتحدّث.. لديّ أدلّة دامغة لكنني لا أريد التصعيد ولن أخوض في كواليس القضاء وإنما سأكتفي بالحديث عن الفصول القانونية لأن المعطيات التي بحوزتي قد تسبب زلزالا".

 

أنا أدرك جيدا عمل يتحدّث ولن أخوض في الأمر أكثر مما فعل هو، لكن سامي الفهري بصدد دفع الثمن باهضا لأنه صاحب وسيلة إعلامية.. هو يدفع باهضا ثمن حقه في حرية التعبير وحق قناته في أن تكون معارضة ليوسف الشاهد وحركة النهضة خلال الانتخابات الأخيرة. هنا أيضا يتم الدوس على حقوق دستورية.. فمن حق أي وسيلة إعلامية أن يكون لها خطها التحريري ومن واجبها لفت انتباه جمهورها، خاصة في فترة الانتخابات، إلى المخاطر والأكاذيب التي يقوم بها أي مترشح.

في عهد الرئيس بن علي كانت المنظمات غير الحكومية ونشطاء حقوق الإنسان يصدرون عشرات البيانات وينظمون الوقفات الإحتجاجية لأسباب أقل خطورة مما يحصل اليوم.

 

ذات يوم زُج بمحمد عبّو في السجن من أجل مقالة وقد عمد إلى خياطة فمه لإسماع صوته.. رغم أن بن علي كان حريصا على أن تبدو الإجراءات سليمة وأن يظهر القضاء في صورة حسنة.. اليوم لا أحد يهتم بهذه المسائل.. فبعد سامي الفهري في مرة أولى ثم نبيل القروي خلال الفترة الإنتخابية ثم الآن الفهري ثانية.. كلها أحداث تسيئ لصورة العدالة. يستند القضاء في ممارساته هذه إلى كون القروي والفهري مرتبطين بملفات فساد لذلك يتم مغالطة الرأي العام والزعم بأن ايواءهما السجن يعود لقضايا ذات صبغة مالية.. لكن حين نرى قرارات محكمة التعقيب بالإفراج عنهما لا يمكننا إلا أن نستخلص أن الحكاية سياسية بالأساس وهي تصفية حسابات قبل كل شيء.. أقولها وأكررها مجددا تم الزج بسامي الفهري ونبيل القروي فقط لأنهما أصحاب مؤسسات إعلامية..

والنظر إلى كل ما سبق ذكره أتساءل لماذا لم يتحرّك أمثال محمد عبّو ومحامون بلا حدود وعمادة المحامين ومراسلون بلا حدود؟..

أين هو محمد عبّو، فارس الدفاع عن الحقوق والأبرياء والمناضل الشرس من أجل مكافحة الفساد؟ هل لأنّه يكره الفهري والقروي؟ أم بسبب ترشحه لبعض المناصب الوزارية في الحكومة المقبلة ومن بينها وزارة العدل؟ محمد عبّو ذلك الذي أخاط فمه ذات يوم احتجاجا على سير مرفق العدالة.. هو الذي دافع بضراوة عن صابر العجيلي وتمكّن من افتكاك حكم بالإفراج عنه، هل نسي مبادئه وقيمه من أجل حقيبة وزارية؟  

 

القضية الثانية والتي لا تقل خطورة عن الأولى ترتبط بقائمة ما يعرف ب "آس 17" أي قضايا أمن الدولة.. قررت إدارة بوزارة الداخلية أنه في صورة وجود شبهات جدية يتم منعه من السفر كل شخص يشتبه في مشاركته في أنشطة إرهابية. بعد الثورة تصدّرت تونس قائمة الدول التي انضم منها أكبر عدد من المقاتلين لتنظيم داعش الإرهابي. وقد انتقدت أصوات كثيرة تخاذل الدولة التي تهاونت في السماح لأبنائنا بمغادرة أرض الوطن.. لذلك أصدرت وزارة الداخلية أعدادا كبيرة من بطاقات آس 17 في حق الإسلاميين المتشددين أو الذين يشتبه في كونهم كذلك. هذا الإجراء الاحترازي والاستباقي غير قانوني لذلك يفضّل التعجيل بصياغة قانون تؤطّر عملية إصدار هذه البطاقات.

هذا الإجراء ذاته والمحدّد للحريّات تم تطبيقه في عديد البلدان الأوروبية لكن نواب برلماناتها سارعوا إلى إصدار قوانين تؤطرها.. قامت فرنسا بذلك في نوفمبر 2014 ومازلنا في تونس نتراخى إلى غاية اليوم.. صحيح أن برلماننا يعجّ بالمتشددين والمتعاطفين مع المتشددين لذا مالذي يجب فعله في انتظار أن يحين الوقت المناسب؟ المخاطرة بترك تونسيين مشتبه في كونهم متشددين يذهبون إلى إدلب ونيس وميونخ لتفجير أنفسهم هناك؟ أو إجبارهم على البقاء هنا بيننا؟.

في عهد الباجي قايد السبسي لم تكن المسألة مطروحة.. اليوم وبعد الإنتخابات الأخيرة لدينا نائبان وهما ياسين العيّاري وراشد الخياري والمعروف عنهما تشدد مواقفهما وقربهما من الأوساط الإسلامية والسلفية، شرعا في الإجراءات لدى وزير الداخلية هشام الفوراتي لتمكين العشرات من الموجودين في قائمات "آس" 17 من استرداد حقهم في السفر. الوزير قابل الخياري أمام عدسات الكاميرا وتلقى مطلبه. وقد نشر النائب يوم الخميس الماضي قائمة صادرة عن الداخلية ممن تم الإفراج عنهم.

بالنظر في هذه الحادثة وكيف تعامل معها وزير الداخلية سؤالان يفرضان نفسها علينا : إمّا أنّ هؤلاء المصنّفين "آس 17" ليسوا خطرين وكان عليهم أن لا يوجدوا في تلك القائمات أو أنهم خطيرون فعلا وكان على وزير الداخلية عدم الموافقة على طلب النائبين.. في كلتا الحالتين قام هشام الفوراتي بمخاطرة كبرى لأنه هو من سيساءل ويحاسب لو أن أحد المفرج عنهم قام بهجوم إرهابي في الخارج، فالنائبان لن تلحقهما إلا خسائر سياسية في أقصى الحالات!.

ومع ذلك فإنه من العاجل جدا إصدار قانون في هذا الشأن لأن هذه القضيّة تسيئ أيضا إلى صورة القضاء. فليس لوزارة الداخلية أن تقرر من له الحق في السفر إلى الخارج من عدمه بل هذا من مشمولات وصلاحيات القضاة.

 

القضية الثالثة جدّت يوم السبت الماضي.. النائب ماهر زيد وهو كذلك معروف بمواقفه وآرائه الأكثر تشددا وتطرفا من زميليه، اقتحم مركز شرطة وكان مرفوقا بأحد المحامين من أجل إطلاق سراح أحد الإرهابيين المشتبه بهم. وقد صرّح أن إيقافه غير قانوني وأنه لا يمكن استنطاقه في غياب محام.

هذا الإجراء المتعلق بحضور المحامي عند عملية الاستنطاق، حديث العهد وقد جاء تبعا لقانون أراده الراحل الباجي قايد السبسي وهي مبادرة تذكر فتشكر لأنها تحفظ حقوق المشتبه بهم وهي من ضمن الحقوق الكونية.

ماهر زيد يتخفّى وراء حصانته البرلمانية ليستفزّ أعوان الأمن وقد نجح في ذلك! لكن ليس من حق النائب استخدام تلك الحصانة إلا متى تعلق الأمر بمسألة تتصل بعمله البرلماني (الفصل 68 من الدستور). اقتحام مركز للأمن وطلب إطلاق سراح عنصر إرهابي مشتبه به ليس في صميم العمل النيابي بل هو تحريض على الانتفاضة.

كان على أعوان الأمن الإتصال فورا بوكيل الجمهورية حتى يأذن بإيقافه بموجب الفصل 69 من الدستور الذي ينص على ما يلي: "في حالة التلبّس بالجريمة فإنه يمكن إيقافه ويعلم رئيس المجلس حالا على أن ينتهي الإيقاف إذا طلب مكتب المجلس ذلك".

في دولة القانون والمؤسسات وفي ظل عدالة تفرض الاحترام كان يجب إيقاف النائب ونشر هذه القضية أمام الرأي العام حتى يثار حولها ما تستحق من جدل.. أن يتدخّل مكتب مجلس النواب الشعب في ما بعد لإنهاء حالة الإيقاف فتلك مسألة أخرى المهم أن نظهر للرأي العام أن النائب ليس فوق القانون وأن العدالة موجودة لتقوم بعملها وواجبها بقطع النظر عن هوية الموقوفين.

صورة باهتة لمرفق القضاء لا تخدم مصلحة أحد وعلى القضاة أن يبرهنوا على أنهم أهل لثقة الشعب.

فمن واجبهم استبعاد كل القضاة الفاسدين والقضاة الخاضعين للسلطة التنفيذية.. كما أن من واجبهم حماية زملائهم الذين يتعرضون للابتزاز والضغوطات من الجهاز التنفيذي. فإنقاذ سلك القضاء وبالتالي إنقاذ البلاد موكول لهم.

 

أمام هذه الخروقات القضائية السجيمة والخطيرة التي لاحظناها طوال الأسبوع الماضي وهي أسوأ مما تم تسجيله في عهد بن علي، كان على الهياكل النقابية للقضاة وللمحامين والصحفيين والإعلاميين ومكونات المجتمع المدني تصعيد اللهجة والاحتجاج حتى يتوقّف هذا السيرك.

تونس ديمقراطية ناشئة والديمقراطية لا تتأسس فقط عبر انتخابات شفافة بل كذلك ووجوبا بواسطة قضاء مستقل وصحافة حرّة.

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter