alexametrics
آراء

الحوض المنجمي-الكامور: شركات البستنة والبستان المفقود

مدّة القراءة : 2 دقيقة
الحوض المنجمي-الكامور: شركات البستنة والبستان المفقود

 

في عالم من القحط والجفاف بعثت الدولة التونسيّة شركات للبيئة والغراسات والبستنة لتحوّلها جنّات عدن أو حدائق بابل المعلّقة، ففي الحوض المنجمي وقابس والكامور شركات تبيع الوهم للطبيعة القاسية منذ عشر سنوات، وتُشغّل دون شغل أكثر من 12 ألف شاب وشابّة، وتصرف لهم سنويّا رواتب تتجاوز 200 مليون دينار (200 مليار بلغتنا)، وفي باب الشعبويّة: ماذا لو تكفّل كل فرد من شركات البستنة برعاية شجرة واحدة سنويّا.. نعم شجرة واحدة خلال هذه العشريّة الكاملة، لكان عندنا الآن 120 ألف شجرة في مناطق القحط والحرارة المرتفعة.. ربّما كان مناخ هذه الجهات سيتغير نهائيا..

تبقى شركات البيئة والغراسة التي بعثتها الدّولة أحد أهم عناوين الفساد والضعف في هذه الدّولة منذ ما قبل الثورة، فهي تتركّز في مناطق الثروة الطبيعيّة في تونس: الفسفاط والنفط، وحين عجزت الدولة عن خلق نموذج تنموي شامل لمناطق إستخراج خيرات الأرض، دخلت في مواجهة مع شباب هذه المناطق الذي يعاني التهميش والعطالة، فكانت شركات البيئة عمليّة رشوة لهذه الجهات كي تحافظ الدولة على سيولة النفط والفسفاط، ولعلّ ضعف الدولة جعل تأمين تدفّق النفط والفسفاط لا يمرّ إلا عبر هذه الرشوة بعد فشل المعالجة الأمنية القضائية في إنتفاضة الحوض المنجمي 2008، وفي المقابل أصبح سكان الحوض المنجمي والكامور يرون في رواتب شركات البستنة إتاوة تعطيها الدولة لهذه المناطق مقابل الفسفاط والنفط، أو لعلّها منحة بطالة مفروضة على الدولة بالسيطرة على سكّة الحديد وفانة حقول البترول..

12 ألف عامل في شركات البستنة والغراسات يتقاضون رواتب ومنح وحوافز لعمل وهمي لا يدخل في الدورة الإقتصاديّة، ومائتي مليار سنويّا أدخلت المناطق في حالة من المجتمع الإستهلاكي الريعي الذي ضرب قيمة العمل والتعليم، فصار الأفق المستقبلي للتلاميذ هو الإنقطاع عن الدّراسة والإعتصام لتحصيل شغل في هذه الشركات الوهميّة، ولا يكفي أنها شركات وهميّة، بل رافق التوظيف فيها عمليات فساد وتوظيف إنتخابي لصفقات مشبوهة عقدها ولاّة ووزراء مع نواب تلك الجهات، حتى أنّ أحد النواب صار يملك ميليشيات لغلق الطرقات ومقاطع الفسفاط من أجل الحصول على حصته في كل مناظرة تشغيل في هذه الشركات..

واقعيّا أثقلت هذه الشركات الوهميّة كاهل الشركات الأم لقطاعي الفسفاط والنفط، وأدخلتهما مرحلة الإفلاس والتهديد بالإغلاق في سياق شعبويّة مقالة الثروات المنهوبة، وكأنّها بصدد دفع ضريبة قرن من الإستغلال الفاحش دون التفكير في مستقبل سكّان تلك المناطق، ولأن كراسي الحكام ترتعش تحتهم منذ الثورة، فهم يفاوضون المعتصمين في كل مرّة ليمنحوهم مزيدا من المشاريع الوهميّة في توظيف عبثيّ في شركات لا منتوج لها ولا خدمات، فليس للحكّام الجدد رؤية إقتصاديّة أو مشروع تنموي في هذه الجهات سوى عودة الفسفاط والنفط لنشاطه الطبيعي لتمتيع مقاولي شركات نقل الفسفاط أو الشركات الأجنبيّة من منافعهم المباشرة، دون التفكير في تراجع مردوديّة هذه الشركات على ميزانيّة الدّولة..

ما الحل؟

ليس هذا المقال تشخيصا للأزمة فقط، بل هو دعوة للتفكير بشكل عميق في أزمة التنمية في مناطق الحوض المنجمي والكامور وقابس وغيرها من جهات البلاد، وبالتالي من المفروض تفعيل شركات البستنة والغراسات للهدف الذي من أجله تأسّست، فالغاية هي تنويع مصادر الثروة في مناطق الثروات المنجميّة والنفطيّة للأجيال القادمة، وتبدو هذه المناطق بحسب الدّراسات العلميّة وتقديرات الثروة المائيّة مؤهلة لتكون أقطابا فلاحيّة تعطي البلاد زخما في الزراعات الكبرى إلى جانب الزراعات الصغرى، ويبدو الحل في المحافظة على شركات البستنة والغراسات لإستحالة غلقها وطرد عمّالها، وتوجيههم نحو أراضي الدّولة والأراضي الإشتراكية لإحياءها وغراستها في مرحلة أولى، ثم تمليكها لعمّال شركات البستنة في مرحلة ثانية عندما تدخل في مرحلة الإنتاج.. ففي السبعينات والثمانينات كانت الدولة تمارس هذا المشروع التنموي، من خلال توزيع الأراضي على العاطلين، مع مساعدة لبناء مسكن وأدوات الغراسة والريّ، وتمنحهم الدولة رواتب "الحضائر" التي تنقطع عنهم حالما تدخل الأرض في مرحلة الإنتاج، وقد نجحت عديد المشاريع رغم الإخلالات في المتابعة والمحاسبة والفساد المستشري في الإدارة.

إنّ ملف شركات البيئة والغراسة والبستنة من الملفات السياسيّة بإمتياز، فمناطق الحوض المنجمي والكامور لم تتحوّل إلى بستان، لكنّها صارت بستانا للمزايدات الإنتخابيّة والصفقات المشبوهة في التوظيف والحصص والمنابات، ولعلّ الحديث فيها يجعلني مستهدفا بالهجوم والنقد لأنني لامست ملفّا حارقا لدولة رخوة ليس لها مشروع تنموي يحوّل هذه المناطق إلى مدن يطيب فيها العيش، وليست مدنا تعيش دوّامة الإستهلاك جرّاء عائدات شركات لا تمنح البلاد مساحة خضراء أو غابة نخيل منتجة.. هي شركات أوجدها النظام السابق للمحافظة على كرسيّه ذات إنتفاضة 2008، ثم صارت حبوب تسكين لكلّ الحكومات المتعاقبة بعد الثورة في عمليّة إبتزاز مستمرّة.

ختاما أقول لمن سيغضب من كلامي في جهتي: نريد شركات تخلق الثروة في دورة متجدّدة إقتصاديّا، ولا نريد إقتصادا ريعيّا لشركات وُلدت ميّتة لا تحفظ حقوق الأجيال اللاحقة من أبناءنا..

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

تقرؤون أيضا