alexametrics
آراء

المشيشي والغنوشي وسعيّد على حافة الهاوية

مدّة القراءة : 4 دقيقة
المشيشي والغنوشي وسعيّد على حافة الهاوية

 

رئيس الجمهورية رجل تقيّ وهو حريص على إظهار ذلك للناس .. لذلك رأيناه في شهر رمضان 2021 يتناول غداء الإفطار مع العسكريين في الشعانبي ومع أعوان الحرس الوطني في العوينة ثم مع الأمنيين بمقر وزارة الداخلية .. بعد أن أعلن نفسه قائدا أعلى للقوات المسلحة المدنية والعسكرية، أراد إلا أن يكون إلى جانب جيوشه .. كما شاهدناه وهو يؤدي صلاته بعدد من المساجد حيث لم يتردّد في التحادث مع رُوّاد بيوت الله عن قرب. 

ماذا فعل قيس سعيّد طوال شهر رمضان 2021 ؟ لا شيء .. بل أسوأ من ذلك لقد بعث برسائل سلبية. مازال متمسكا بعدم تنظيم موكب أداء اليمين الدستورية لأعضاء الحكومة الجدد دون اقتراح حل للخروج من هذه الأزمة.

 قام برد القانون المتعلّق بالمحكمة الدستورية والذي يعتبره غير دستوري، دون اقتراح حل من أجل تركيز هذه المحكمة.

 من خلال الصور التي ينشرها، هو الذي يجب أن يكون مثالا يحتذى لشعبه، فإن قيس سعيّد لا يحترم أبدا التباعد الجسدي الذي تفرضه السلطات الصحية في المعمورة جمعاء، بل أسوأ من ذلك فهو يجرؤ على حمل طفل صغير في يديه دون حتى أن يلبس كمامة.

ما يبدو أن قيس سعيّد يجهله هو أنه في صورة ما تدهور الوضع الوبائي، فإننا قد لا نجد أسرّة في مستشفياتنا ومصحّاتنا .. قد نسجّل موتى في الشوارع على غرار ما تشهده الهند .. الفوضى العارمة تتهددنا ..

 

في باردو حيث البرلمان كانت المهزلة كالعادة .. يوم الثلاثاء الماضي بمناسبة الجلسة العامة المخصصة لمناقشة القانون المتعلّق بالمحكمة الدستورية .. تابعنا مشاهد تفوق في غرابتها الخيال ..

 

إحدى النائبات حضرت الجلسة بخوذة للدراجات النارية ومرتدية سترة مضادة للرصاص، لأن أمنها "مهدد"، حسب تعبيرها .. أي بإمكان الأمن الرئاسي المكلف بتأمين البرلمان، أن ينسحب ويُخلي المكان .. تابعنا نائبة رئيسة المجلس وهي تخرق بشكل فاضح القانون والإجراءات، رغم صيحات استهجان المعارضة .. شاهدنا نوابا يوجّهون التهديد لرئيس الجمهورية .. إنها مهزلة العادة.

 

لكن أين راشد الغنوشي من كل هذا ؟  لقد تحوّل خلال فترة الحجر الصحي الشامل إلى جهة القصرين حيث حضر جنازة أحد أصدقائه. 

 

قبل ذلك بأيام، قام الغنوشي، سرا، بزيارة غير معلنة إلى قطر لسبب مازلنا نجهله رسميا .. روايات المقرّبين منه جاءت مختلفة، بعضهم يقولون إنها زيارة خاصة والبعض الآخر يزعمون أنه ذهب لجلب مليارات الدنانير ومليوني جرعة من التلاقيح .. وفي نهاية المطاف أصدر حزبه بلاغا يعلن فيه أن الزيارة تندرج في إطار الدبلوماسية الحزبية.

 

دبلوماسية حزبية ماذا ؟ أنتم تجهلون هذا المفهوم ؟ أنا أيضا ! خلاصة القول إن راشد الغنوشي ما زال يسبح في المياه الضحلة ويتحرّك في العتمة، مغذيا بذلك مشاعر الإرتياب تجاهه وعدم الثقة فيه.

 الوضع في القصبة ليس أحسن حالا ..

 تحوّل وفد حكومي إلى واشنطن لعقد لقاءات مع مسؤولي صندوق النقد الدولي .. لكن يبدو أن هذه الإجتماعات تمت عند بعد من مقر سفارتنا عبر تقنية الفيديو .. لماذا إذن تم التحوّل إلى واشنطن ؟!  لا أحد يعلم ..

 رئيس الحكومة وهو أيضا وزير الداخلية بالنيابة، لم ينجح في القبض على نائب فار وهو راشد الخياري، المودعة ضده بطاقة جلب من النيابة  العسكرية .. المسألة سياسية بامتياز وهشام المشيشي يفضّل عدم التدخل .. ليس مهما أن تنتظر العدالة ودولة القانون. ما يجهله هشام المشيشي هو أنه إذا كانت المنظومة القضائية لا تنصفك فإننا قد نلجأ إلى أخذ حقنا بأيدينا وفي هذه الحالة ستكون بداية الفوضى.

 

راشد الخياري جبان يتخفى وراء حصانته البرلمانية لتوجيه الشتائم يوميا لعدد من السياسيين والإعلاميين. إذا كان الجهاز الأمني متآمرا معه ولا يسلّمه للعدالة فلا بد يوما ما سيأخذ أحد ضحاياه حقه منه بيده.

 بشيء من التأخير بل بكثير من التأخير، أعلن رئيس الحكومة عن الحجر الصحي الشامل لمدة ثمانية أيام .. رئيس الحكومة ذاته كان أعلن منذ أسابيع أنه لا مجال لإقرار الحجر الشامل  ..  !

 هذا الإجراء الجديد المقيّد للحريات يتزامن مع شهر رمضان وعيد الفطر ..

هي فترة تزدهر فيها التجارة بالنسبة الى عديد التجّار ممن يجّل بعضهم في مثل هذه المناسبات وفي ظرف شهر واحد رقم معاملات يضاهي ما يحققه في باقي أشهر السنة. ما هي الإجراءات المصاحبة التي اتخذت لفائدة هؤلاء التجار ؟ لا شيء على الإطلاق .. ماذا سيفعل التجار لخلاص رواتب عمّالهم وتوفير قوت عائلاتهم ؟ فليتدبّروا أمرهم ! الموظفون يتمتعون بعطلة خالصة الأجر لكن الخواص عليهم أن يتدبّروا أمرهم !

 

لهذا السبب هم تدبّروا أمرهم وأعلنوا حالة العصيان المدني ! فلتقرر الدولة ما تشاء .. هم متمسّكون بحقهم في العمل وفي لقمة العيش  ! رأينا ردة فعلهم في القصرين وقفصة وصفاقس والعديد من الجهات الأخرى التي أعلنت حالة العصيان المدني نهاية الأسبوع المنقضي.

مع فقدان الدولة لثقة المواطن .. والرؤساء الثلاثة لهيبتهم .. بهذه الصورة الكارثية لرجال السياسة هناك خطر داهم بدأ يطل علينا إسمه العصيان المدني. وقد رصدنا نهاية الأسبوع الماضي بعضا من مظاهره من خلال رؤية بعض التجار الذين خرقوا حظر الجولان والحجر الشامل .. المشهد ذاته رأيناه مع عامة الشعب ممن خرجوا غلى الشوارع كما لو أن شيئا لم يكن.

 

طوال شهر رمضان تواصلت الحركة العادية ليلا، في المئات من الأحياء الشعبية حيث ظلت المقاهي والمحلات التجارية مفتوحة كما لو أنه لا وجود لقرار بحظر الجولان. لو أن حالة العصيان تتعمّم فلن تكون هنالك دولة .. وإذا غابت الدولة فذلك يعني الفوضى العارمة ..لا يمكننا مطالبة الشعب بالتعقّل واحترام القانون حين تكون الطبقة السياسية ليست أهلا للإحترام ولا مثالا يحتذى.

 

حين يظهر رئيس الجمهورية دون كمامة .. حين تتلقّى نائبة نهضاوية التلقيح دون وجه حق .. حين تخرق نائبة رئيس البرلمان القوانين .. حين يأخذ رئيس الحكومة قرارات مرتجلة وغير محسوبة العواقب .. حين يتغاضى وزير الداخلية عن نائب في حالة فرار .. حين يقوم رئيس مجلس النواب بزيارة إلى الخارج سرا ثم يخرق علنا الحجر الصحي بحضور جنازة أحد الأصدقاء ! لماذا على الشعب أن يكون ملتزما بالقوانين فيما تخرقها الطبقة السياسية ؟

 

العصيان المدني ليس إلا مقدّمة لحالة الفوضى العارمة .. حين تفقد الدولة ثقة المواطنين .. حين يعلن الشعب حالة العصيان المدني، يكون قانون الغاب هو مصيرنا .. في ذلك اليوم ستدفع الطبقة السياسية بمختلف أطيافها الثمن باهظا. 

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter