alexametrics
آراء

اليوم اسمي ليس عبير، اسمي صوفي..

مدّة القراءة : 2 دقيقة
اليوم اسمي ليس عبير، اسمي صوفي..

9 صباحا

 

أول أمر أفعله حين أستيقظ هو القاء نظرة على فايسبوك، وكلّ يوم، يأخذني الى ذكرى من الأعوام الفارطة. في هذا اليوم سنة  2014 كان شعري أحمرا. في 2015 كنت أخطب في اجتماع عام. 2016 كنت أراجع مسرحية رأس المملوك جابر لامتحان البكالوريا. في 2017 كنت مع سنية واسامة في مقهى المرابط بالمدينة العتيقة.. في مثل هذا اليوم من سنة 2018.. كان اسمي "صوفي".

 

 

29 أفريل 2018 كنت مع صديق (حمزة، تحياتي) في حانةٍ قريبة من مقّر العمل، أنزعُ عنّي يومي، يومي الذي كذبتُ فيه كثيرًا ومددّتُ الحروف ما إستطعت كي أزيّف لكنةً باريسية أكسب بها حريفًا مُحتملاً. سمراء بصوتٍ صافٍ ولِسانٍ فصيح ومخيّلةٍ طازجة، مأزق متحرّك، أستطيعُ أن أبيع أيّ شيءٍ لعجوزٍ فرنسيّ وحيدٍ كان مُنذُ دقيقةٍ يُطعم قطّتهُ في باحةِ منزلهِ الواسعِ-الفارغ، حتّى رنّ الهاتِف، وكُـنتُ على الطرفِ الآخر جنوب المُتوسطِ، أضعُ الكلام بـكفّي وأختارُ منه ماقد يُغوي عجوزًا فرنسيا يكره العرب ويعيشُ وحيدا مع قطّـته،ِ ليشتري لوحًـا شمسيّا يُعوضّ الطاقة الكهربائية، في فرنسا، البلد الذّي تُشرق فيـه الشمسُ يوميـنِ في السنةِ- بالكادْ.

 

عرض عليّ صديقي وظيفة صيفية في مركز نداء centre d'appel.

 

مذهلة، قطاعاتُ بيعِ اللاّشيء لسُوقِ الأروبيين المُسنّين الذين تُسقطُ الجاذبيّة أعضائهم وترفعُ الرأسمالية حساباتهم البنكيّـة، يتقاعدون في سنّ مُبكرة ويربّون القطط ويشترون كُلّ مايُبـاع ما إن رنّت هواتفهم..

 

كنت في مثل هذا اليوم سنة 2018 أدّعــي خلال النهار أننّي صوفي، شابة تعمـلُ في مركز دراساتٍ يُريد إنقاذ الكوكب (تعلمون كيف تجري الامور في مراكز النداء لا يمكنك ان تخبرهم باسمك الحقيق وبلدك) . صوفي مستعدة لتعويضِ طاقتك الكهربائية الشريرة، بطاقةٍ خضراء تُكلفّك مالاً زهيدًا وتجعلُ منك بطلًا أنقذ الأرض وأجّـل إطعام قطّته لثوان. سيكون مُـمتعا لو أكون صوفي هذه حقّا ليوم واحد أو شهر، أو إلى الأبد.

 

سيكون مثيرًا أن أستيقظ صباحًـا وأشرب قهوتي الفرنسيّـة وأختار ثوبًا قصيرا، وأذهب على دراجتِي إلى عملي، في مركزِ دراساتٍ يُريد إنقاذ الكوكب، وأُقنع عجوزا يُدعى جاك بترك قطّته من أجلي.

 

 

أتمنى لو كنت فعلا صوفي، لكنني أكرهُ الفرنسيّـة والقطط، وأعلم أن من يشتري هذه الاشياء عبر الهاتف من المحتمل انه لم يمارس الجنس منذُ أعوامْ، وأنّ صوتًا صافيا سيُؤنس وحدته.   من كانوا يعملون معي كانوا يبيعون لوحًا لشمسٍ لا تملكها أروبا، ليسددوا فاتورة الكهرباءِ في بلد إفريقيٍ تُشرق فيه الشــمسُ حتّى ليلاً.

 

كنت  أحسّ بالشفقةِ تجاههم،  تجاه الفرنسيين الذين يشترون الوهم، لكنّ جزء منّـي استمتع بسلبهم مالهم مُقابل هراء لن يستعملوه أبدًا، لأنّهم بلد تكرههُ الشّمس، ولأنّ أجدادهم قتلوا أجدادي، وستضلّ اللعنةُ بدمائي الإفريقيّة الحامية، ويُشعرني الأمر بإنتقامٍ سادّي صغير أُنكِـرهُ وأحبّه.  

 

 

اليوم، 29 أفريل 2020، قهوتي عربيّـة، ويمنعنِي واقعي العربّي من إرتداءِ الأثواب القصيرة، ويُوافق المجتمع على مضضٍ أن أستعمل الدراجة، شرط أن أتفادى الأحياء الشّعبية في طريقي، أين ينظر الجميعُ إليّ بإستغرابٍ، النساء والرجال.. والقطط. اليوم، مازلت أتمنى أن يكون اسمي صوفي.

 

فنادوني صوفي، ليوم واحد في السنة.

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter