alexametrics
آراء

تونس دولة فيدرالية، فلنفكّر في عجز الدولة المركزية

مدّة القراءة : 4 دقيقة
تونس دولة فيدرالية، فلنفكّر في عجز الدولة المركزية

 

 

هل يعني الموت الجماعي للعاملات في القطاع الفلاحي مجرّد حادث مرور ناتج عن الإهمال؟

هل يعني الموت الجماعي للأطفال في مستشفى الرابطة مجرّد خطأ طبي ناتج عن الإهمال؟

هل يعني ابتلاع البحر لمئات من الشباب الهارب من هذه البلاد، مجرّد رغبة في بلوغ أوروبا؟

هل يعني تفقير الجزء الغربي من تونس، مجرّد سهو تاريخي أم بسبب قسوة الطبيعة؟

هل يعني تمركز الثروات والمشاريع في جهات بعينها أنه يعود الى موقعها واقترابها من البحر؟

أم أنّ القضيّة أعمق من ذلك؟

أليس الجامع بين كلّ الأحداث الجارية والواقع المعيش هو التهميش، وبالنتيجة فإنّ نقطة التقاطع بين مختلف ما يجري وما تتمّ مراكمته هو الفقر والتمييز الجهوي والاجتماعي.

من المسؤول عن هذا الوضع الذي راكمته تونس منذ أكثر من ثلاث وستين سنة، تاريخ اعلان الاستقلال؟

بديهيا، فإنّ الدولة هي المسؤولة تاريخيا وسياسيا وقانونيا عمّا جرى ويجري من تمييز وتفقير للتونسيين.

لكن، لماذا تكوم الدولة هي المسؤول أمام هذا الشعب؟ ماهي طبيعة هذه الدولة؟

نحن بصدد دولة بدأت فعليا ممارسة سلطتها بعد اعلان الجمهورية سنة 1957 ثم بداية العمل بدستور ما بعد الاستقلال أي سنة 1959، تشكّلت في بداياتها حول المفهوم الحديث لمؤسسات الدولة مثلما هو الشأن في فرنسا، الاّ أنّ الممارسة لم تكن في نفس اتجاه آليات تشكلها، بمعنى أنّها كانت تعتمد على الفلاحة دون أن تعتمد على وسائل الإنتاج المتطوّرة، فحافظت بذلك على البنية الاقتصادية التي كانت قائمة على الملكية العقارية الشاسعة وعلى نظام ''الخمس'' وهو نظام اقطاعي.

استطاعت الدولة أن تطوّر في أدوات الإنتاج وان تحدث تغييرا في نمط الإنتاج من خلال احداث مصانع، عادة في الجهات الداخلية مقابل مركزة اداراتها في العاصمة، ولكنها رغم ذلك استطاعت أن تضيف الى الفلاحة نشاطا صناعيا في عمومه كان تحويليا وخدماتيا، اذ لم يتمّ الاعتماد مثلا على الصناعات الثقيلة مثلما فعلت الجزائر أو العراق.

استطاعت دولة الاستقلال من خلال دستور 1959 أن تمركز السلطة بيد الحزب الواحد والرئيس الواحد، وهو ما خلق حالة من الالتفاف حول الزعيم وحزبه الذي هيمن على كلّ مناحي الدولة، فكان كلّ من خرج عن هذا النسق يجد نفسه خارج دورة الإنتاج وخارج المنظومة تماما.

لقد تمّ تأسيس دولة مركزية ومحورية، كلّ شيء فيها يدور حول عناصر الحكم، فخلقت تمييزا بين المواطنين وبين الجهات وتمركزت الثروة بمن بيده السلطة أو المحيطين به والمرتبطين بمنظومة الحكم، وأسست الدولة أقطابا جهوية جديدة متمتّعة بالثروة الوطنية مقابل التخلّي عن جهات أخرى، خاصة الواقعة على كامل الشريط الحدودي الغربي.

لقد تمركزت السلطة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وجغرافيا… وبالتالي جهويا في مناطق معيّنة، فكانت المشاريع والبرامج والميزانية والقوانين تسنّ وتبعث لخدمة فئة أو جهة أو منطقة، في حين ظلّت مناطق وجهات أخرى محرومة من التنمية والمشاريع، حتّى بلغ سيطرة بعض العائلات دون غيرها على قطاعات كاملة واستفحل الاحكار واعتبرت بعض المناطق مجرّد خزان انتخابي واستفحلت الضرائب بشكل غير عادل ووجدت منافذ للتهرب الجبائي لأشخاص نافذين...

في فترة السبعينات والثمانينات كانت بعض الأمراض والأوبئة تظهر في مناطق بعينها لانعدام الوقاية وانعدام الشروط الصحيّة للبقاء

الدولة المركزية تواصلت بشكل أكثر تمييزا في عهد بن علي، حيث أصبحت بعض العائلات دون غيرها تستأثر بالنسبة الأكبر من الثروة وتزايد التمييز على الأساس الجهوي والاجتماعي والطبقي... وكان من المعلوم أنّ بورقيبة أو بن علي كلّ منهما جعل من منطقة معيّنة تتوفر فيها كلّ الكماليات وكلّ شروط الرفاهية في حين حرمت مناطق لأخرى من أبسط الضروريات مثل الماء الصالح للشراب أو العلاج أو النقل أو حتّى ظروف البقاء الموضوعية.

بعد الثورة كانت الاعتقاد سائدا بأنّها ستعيد الحقوق لأصحابها وسيتمّ توزيع الثروات الوطنية بشكل عادل واعترفت الدولة بارتكاب التمييز بين المواطنين والجهات لذلك تقرّر ادراج نقطة في الدستور متعلّقة بالتمييز الإيجابي، أي تمييز بعض الجهات المحرومة على مدى التاريخ ببعض المشاريع ومخططات تنموية ليتمّ وأد الفارق والهوّة بين جهات البلاد فيما بينها وتسعى الدولة بذلك الى إيجاد حالة من التوازن بينها.

ما نصّ عليه الدستور أثبتت التجربة أنه بعض سنوات لم يكن غير مزايدات وشعارات رُفعت في سياقاتها التاريخية لا غير، اذ تواصل نفس التمييز وتواصل نفس التفقير وبوتيرة أكبر وأسرع مما كانت عليه وعجزت دولة الثورة عن تحقيق حتّى جزء بسيط من العدالة الاجتماعية.

الثورة خلقت واقعا جديدا دون أن تحدث التغيير السياسي والاقتصادي والقيمي المطلوب، فهي لم تفعل كما يجب أن يكون أي أن تهزّ أركان النظام وتحيله على العدم بمكوّناته، ولكن ما جرى في تونس هو إعادة انتاج النظام موضوع الثورة بوسائل جديدة لكنها أكثر تخلّف.

نعم، لقد أصبح الناس يتكلمون بحرية، ولكن نحن لا نعيش ضمن مجتمع ديمقراطي أو دولة ديمقراطية، هناك حرية وليست هناك ديمقراطية، والحرية عند غياب الديمقراطية تتحوّل الى حالة استبداد.

إنه لا يمكننا الحديث عن الديمقراطية الاّ في إطار الدولة اذ لا وجود لديمقراطية خارج الدولة. والحرية خارج تلك السياقات هي مجرّد انفلات وانفعالات.

إنّ الحرية المنفلتة التي تغيب فيها المعايير هي أسوأ أنواع الاستبداد لأنّه سيسود  الانحطاط كمعيار ونموذج يتبعه الكثيرون، يغيب العقل وينتفي التحليل وتنعدم الحلول ولا يقدر أصحاب الرأي عن إيصال رأيهم ويصبح الأشدّ صراخا والأكثر عنفا والأقدر على الوصول للناس هو المسيطر وهو الأرجح وتنقطع معادلة ''العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس '' وينتشر الظلم والقهر والفساد وتستبدّ الجماعات التي تعوّض الدولة وتضيع الحقوق ومعها الحريات ويسقط القضاء ويصبح الاعلام أداة للدعاية ويتحوّل الأمن الى جهاز بيد أشخاص ومجموعات وتنحصر الأموال لدى قلّة من الناس ويتحوّل الفاسد والمجرم الى ضحيّة  وصاحب القضيّة الى سفّاح، وتتساوى الكلمة بالجريمة ويقال عنها إنها رأي، ويضيع الاختلاف في الكثرة غير المجدية، فتسيطر الهمجيّة المدمّرة ويمكن لشخص تافه له المال والاعلام أن يتحوّل الى صاحب شعبية محبوبا من جماهير لن تكون قادرة على انتخاب الاّ أعداءها.

إنّ الدولة المركزية لم تخلّف غير التمييز والقهر بين أبناء الوطن الواحد، ودولة الثورة لم تخلّف غير سيطرة الهمجية وانعدام العقل والتدبّر فساد الفساد والظلم.

اذن يمكننا أن نعتبر أنّ الدولة الأم أو الدولة المركزية أو الدولة القومية... لم تتمكّن من حلّ مشاكل أبناء الشعب، ويمكننا أن نعتبر أنّ مركزة القرار لدى جهات سياسية واقتصادية وجهوية بعينها لن يؤدّي الى العدالة ولا الى النمو والتقدّم، لعلّ التفكير في نمط حكم آخر يعطي مجالا أكثر للجهات الداخلية لإدارة شأنها بذاتها مثلما هو الشأن في الأنظمة السياسية الفيدرالية، التي نجحت في ألمانيا وفي بلجيكا وأستراليا وفي كندا والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا...

لقد كنت أؤمن بالدولة المركزية، ودافعت عن هذا الرأي كثيرا، لكن بعد النظر بعقلانية في ما آلت اليه البلاد وجهاتها ومناطقها المهمّشة، فإنّه لا يمكن نفي حالة التهميش المتعمّدة لفئات وجهات وطبقات، يطالها الموت الجماعي وتأكلها كلّ أشكال التفقير والمرض. إنّ إعادة النظر في النظام السياسي للدولة أصبح أمرا ملحّا ولم لا النظر في مدى قدرة النظام الفيدرالي على حلّ مشاكل البلاد التي أصبحت هيكلية، اذ سيقوم كلّ إقليم وكلّ جهة بما يجعله أكثر نموّا وتقدّما.

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter