alexametrics
آراء

جانفي .. شهر كل الآمال والمخاوف

مدّة القراءة : 4 دقيقة
جانفي .. شهر كل الآمال والمخاوف

 

2021: سنة سعيدة لكل قرائنا .. تمنياتنا لكم بموفور الصحة والنجاح

 

عادة ما يكون شهر جانفي، شهرا زاخرا بالأحداث الساخنة بالنسبة إلى التونسيين .. فتواريخ 26 جانفي 1978 و3 جانفي 1984   و14 جانفي 2011، مازالت عالقة في الأذهان، شاهدة على غضب الشعب على الطبقة الحاكمة .. فحالة التوتر القصوى عادة  ما تصل ذروتها في هذا الشهر الأول من السنة، إما من خلال مظاهرات حاشدة واحتجاجات صاخبة أو عبر التوصل إلى حل توافقي يساهم في تهدئة النفوس وعودة الحياة إلى طبيعتها.

 

في 1984 تمكّن الحبيب بورقيبة في خطاب لم يتجاوز بضع دقائق وبُث عبر شاشة التلفزة، من تحويل حالة الغضب الشعبي إلى الهتاف بإسمه والتصفيق له.

 

في 2011 لم تفلح خطابات وكلمات زين العابدين بن علي من امتصاص ذلك الغضب الشعبي .. كانت هناك بعض الهتافات المؤيدة لنظام لكنها لم تكن في المستوى المأمول وقتها.

 

في 2014، أفلح المجلس الوطني التأسيسي، بعد تأخير فاق السنة، في صياغة الدستور، وهو ما ساعد على تهدئة الأوضاع شديدة التوتر السائدة حينها والتي كانت قد تؤول إلى حرب أهلية.

 

في 2021 ماتزال حالة التوتر ملموسة في مختلف أرجاء البلاد ولدى شتى الفئات، باستثناء الطبقة الحاكمة التي ظلت خارج السرب ولم تستشعر بعد خطورة الموقف. فهل ينفجر الوضع من جديد ؟ في واقع الأمر إن شهر جانفي هو شهر كل المخاوف ولكن أيضا شهر كل الآمال.

 

ما الذي ينتظرنا في شهر جانفي 2021 ؟ انفجار للوضع أو هدوء مؤقت ؟ معظم المؤشرات متناقضة ومتضاربة.

 

فالإتحاد العام التونسي للشغل الذي يهدّد ويلوّح بشن الإضرابات القطاعية والجهوية في كل مكان وقطاع، هو الذي بادر باقتراح مشروع للحوار الوطني من أجل تهدئة النفوس والخواطر.

 

السياسيون الذين يطالبون بالتخفيض في الأسعار للحفاظ على المقدرة الشرائية للمستهلك، هم ذاتهم الذين صادقوا على عديد الزيادات في أسعار المنتوجات الأكثر استهلاكا .. من بين الأمثلة على ذلك تم الترفيع في سعر الجعة بما قدره 200 مليم وهو ما يجعل من "البيرة" التونسية من بين الأغلى في العالم .. رغم أن مستهلكي الجعة ليسوا بالضرورة من ميسوري الحال ولهذه الزيادة تأثير على جيوبهم، خاصة وأنها ليست المرة الأولى التي يتم فيها الترفيع في سعر "البيرة" منذ 2011.

 

المسؤولون الذين يدعوننا إلى البقاء في بيوتنا وعدم الإحتفال بقدوم العام الجديد، هم أنفسهم الذين يحجزون تذاكر السفر لقضاء ليلة رأس السنة خارج أرض الوطن، معتقدين عن سذاجة بأنهم سيعبرون الحدود في السريّة التامة.

 

رئيس الجمهورية الذي يندّد بالفساد وبتآمر بعض الأطراف والجهات هو نفسه الذي يتوجّه إلينا بعبارات مشفّرة ويتحدّث بخطاب مُبهم لا يكشف فيه عن أسماء الفاسدين.

 

وسائل الإعلام التي تشعل النار هي ذاتها التي تتساءل عن مصدر الدخان.

 

بالنظر إلى كل هذه المؤشرات المتضاربة، يصبح من الصعب تشخيص وتوصيف شهر جانفي 2021 .. لا أحد يعلم حقا إن كان هذا الشهر سيكون شهر الإنفجار أو شهر الخروج من الأزمة.

 

من أجل تهدئة النفوس لا شيء أفضل من تنظيم حوار وطني وهو الحل الذي اقترحته المنظمة الشغيلة وقبلت به رئاسة الجمهورية .. لكن مع ذلك لم تتوفر بعدُ ظروف النجاح، لأن هذا الحوار الوطني قد أقصى، قبل حتى أن يبدأ، من يعتبرهم الرأي العام (ومؤسسة الرئاسة) رموز الفساد .. لكن من هم هؤلاء الفاسدون ؟ لا أحد يقدّم جوابا واضحا في الغرض .. البعض يشيرون إلى الإسلاميين والبعض الآخر يتهم رجال الأعمال وآخرون يلمّحون إلى قيادات حزب قلب تونس.

 

من المشاكل والمعضلات التي تعاني منها البلاد هو الفساد بلا أدنى شك .. لكن علينا في وقت ما أن نعود إلى رشدنا ونقتنع بأن مصلحة البلاد تقتضي جلوس الجميع إلى طاولة الحوار لمواجهة الصعوبات والمساهمة بشكل جماعي في تقديم التصورات المثلى لحل واقعي وقابل للإنجاز.

 

لا يمكن تنظيم حوار وطني وبلورة خطة وطنية، بإقصاء بعض مكونات من المجتمع .. فنحن هنا كما لو كنا نريد التوقيع على معاهدة سلام، دون التفاوض مع الخصم أو العدو.

 

إذا كان اتحاد الشغل ومؤسسة الرئاسة يرغبان حقا في إنقاذ البلاد، عليهما عدم إقصاء أي طرف وتجميع الكل حول طاولة واحدة .. فمن غير الممكن حلحلة الوضع دون التحاور مع المهرّبين والفاسدين وحتى حثالة المجتمع.

 

وهنا قد يقول البعض إن مكان الحثالة هو السجن .. إذن فليكن الأمر كذلك وليتم الزج بهم وراء القضبان .. ماذا تنتظرون ؟

 

لكن الواقع مغاير لهذا تماما .. فالحثالة التي ننعم بوجودها بيننا في تونس، تقبع تحت قبة البرلمان وفي الدوائر العليا للسلطة، بل إن بعضهم كان في الحكومة (وزير البيئة السابق في حالة إيقاف منذ أيام) وما زال البعض الآخر في كبرى الشركات الصناعية والتجارية.

 

فإما أن نزج بأرذال القوم جميعا في السجون ونشرع في حوار وطني بين أشخاص نزهاء لا تتعلق بهم شبهات، أو أن نقرّ بأن منظوماتنا السياسية والقضائية عاجزة عن إيقاف الحثالة وفي هذه الحال نقبل بالجلوس حول طاولة الحوار مع الفاسدين وكل من هم بصدد تسميم وتعفين الحياة السياسية في تونس .. لكن من البديهي، وهذا هو واقعنا، أن الفاسدين في وطننا لا يمكن الإضرار بهم أو المس منهم .. لأنهم لكل بساطة هم من يحكمون ويتحكمون في مصائر العباد والبلاد.

 

الحوار الذي يستعد له الإتحاد العام التونسي للشغل وتعدّ له رئاسة الجمهورية، هو حوار النفاق .. فمؤسسة الرئاسة تريد إقصاء حزب "قلب تونس" ولكنها تقبل أن تشارك فيه حركة النهضة .. في حين أن النهضة أكثر فسادا بعشرات المرات من "قلب تونس".. يطالب البعض بإقصاء نبيل القروي من الحوار لكنهم يقبلون بسيف الدين مخلوف .. والحال أن القروي متهرب ضريبي مثله مثل مخلوف .. اتحاد الشغل، الجهة المنظمة للحوار الوطني، هو أيضا تحوم حوله بعض الشبهات ولا يمكن له إعطاء الدروس في الطّهورية.

 

إذا كان الرئيس، قيس سعيّد والأمين العام للاتحاد، نور الدين الطبوبي يرغبان حقا في إنقاذ سنة 2021، عليهما مواجهة الواقع   أي القبول والاعتراف بأن الفاسدين في وطننا لا يمكن الزج بهم في السجون، لأنهم هم من يحكمون البلاد .. من واجبهما القبول بهذه الحقيقة المرة .. إذا كانا يسعيان فعلا إلى إيجاد الحلول المناسبة، وفي ظل عدم القدرة على الزج بكل هذه الحثالة في السجون، عليهما تجميع كل الناس، دون استثناء، حول طاولة واحدة .. عليهما احترام المبدأ الذي يقول إنه لا يمكن إقامة السلم إلا مع العدو .. أي محاولة أخرى غير الذي سبق، ستكون ضربا من العبث والشعارات الزائفة التي لن تؤدي إلا نحو تواصل الوضع الراهن المتأزم وتأخير الخلاص. 

 

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

تقرؤون أيضا

14 جانفي 2021 13:00
0
07 جانفي 2021 15:59
0