alexametrics
آراء

حكومة الرئيس والسناريوهات المحتملة

مدّة القراءة : 5 دقيقة
حكومة الرئيس والسناريوهات المحتملة

 

كان التونسيون مساء الجمعة الماضي 10 جانفي 2020، على موعد مع سهرة برلمانية استثنائية بكل المقاييس بمناسبة جلسة منح الثقة لحكومة الحبيب الجملي المقترحة.. مشهد ما كنا لنتابعه لولا مزايا وفضائل الديمقراطية التي طالما ارتكبت بإسمها فظاعات وويلات في بلادنا.. لكننا كنا تلك الليلة على موعد مع تصريحات نارية وعلى الهواء مباشرة.. حقائق يعلمها الجميع في سرّهم عن حركة النهضة ويوسف الشاهد لكن صدحت بها حناجر سامية عبّو وعبير موسي.. كيف لا نستمتع بكل ما استمعنا إليه من صيحات فزع ومصارحات وحتى زلات اللسان مثل ما جاء على لسان نور الدين البحيري الذي قال بالحرف الواحد إن حركة النهضة ستبقى كالشوكة في حلق كل من يحب تونس وأن هذه الحكومة مع الفساد.. من منا لم يستمتع بنفاق سيف الدين مخلوف الذي أشار إلى ما تعرفه كواليس البرلمان من مناورات ومشاورات وحسابات حزبية ضيقية في تناقض مع مواقفه قبل أيام قلائل.. بفضل تلك الجلسة المشهودة اكتشفنا العلاقات الخطيرة بين بعض القضاة والسياسيين وهو ما يقوّض مسألة استقلالية القضاء والتعامل بمبدأ المحاباة.. السهرة البرلمانية كان "ختامها مِسك" بالرفض الصريح لمنح الثقة للحكومة المقترحة الهجينة والتي كانت خليطا غريبا من أشخاص غير أكفاء ومتشددين دينيين وبعض الكفاءات العليا. 

 

الحدث الأبرز ليلتها كان موقف زياد العذاري الذي قال لا.. نعم لقد تجرّأ على قولا لا لحزبه وكتلته وهي سابقة منذ دخول النهضاويين البرلمان.. العذاري حسم أمره وقراره واختار  أن يكون الوطن قبل الحزب.. كان صعبا عليه أن يزكّي حفنة من الوزراء المقترحين الفاشلين وغير الأكفاء.. كان عاجزا عن تزكية حكومة لا تمتلك بوادر نجاحها ولا وسائل حكمها.. لولا زياد العذاري لكانت النتيجة مختلفة لكن الحكومة المقترحة سقطت أيضا بفضل "اتفاق السلام" المبرم في بداية الأسبوع بين الإخوة الأعداء نبيل القروي ويوسف الشاهد.. لذلك حسمت الأمور نتيجة مبادرة رئيس قلب تونس وحسن تصرف رئيس تحيا تونس. 

 

الفائزون صفّقوا لمآل الجلسة في حين قال الخاسرون إنها مشيئة الله.. لكن بالتمعّن في ما حصل مساء الجمعة فإن لا وجود للفائزين فالخاسر الأكبر هو نحن الشعب أي التونسيون دافعو الضرائب الذين ينتظرون الحكومة منذ ثلاثة أشهر.. فكل هذا الوقت الضائع سيكلفنا الكثير وما كنا لنصل إلى هذا المآل لو أن نواب الشعب كانوا أقل غباء مباشرة بعد الإنتخابات. 

 

يوم 6 أكتوبر 2019 احتلت حركة النهضة المرتبة الأولى في نتائج التشريعية وكان عليها تعيين رئيس للحكومة.. وحينها أعلنت عديد التحالفات أنه يجب ترك الإسلاميين يحكمون بمفردهم وقد تعهدوا بمنحهم الثقة تحت قبة البرلمان.. وهذا هو صميم الممارسة الديمقراطية. 

 

الكل يعلم أن المؤهلين من النهضة لمناصب وزارية وحكومية يعدون على أصابع اليد الواحدة وهم زياد العذاري ورضا السعيدي وبدرجة أقل سمير ديلو وحسين الجزيري.. لذا كان أجدى بحركة النهضة أن تعيّن أحد هؤلاء الأربعة لتشكيل الحكومة.. لكن كان لجلس الشورى رأي مخالف وقد انعكس ذلك على قراره.. كنت في مقال سابق نشرته تحت عنوان "مجلس الشورى سيدمّر الحزب والبلاد" فسّرت أسباب وانعكاسات عدم تعيين زياد العذاري رئيسا للحكومة .. وكانت تلك من الهفوات الفادحة التي ارتكبتها النهضة وقد دفع ثمنها باهضا مساء الجمعة.. وما هذه إلا بداية العثرات والنكسات لهذا الحزب الإسلامي الذي فضّل الحبيب الجملي على زياد العذاري الذي يفوفه كفاءة وتجربة في منظومة الحكم.. وهذا دليل على أنّه لا يجب دائما تطبيق الديمقراطية حرفيا داخل الأحزاب والمؤسسات.. علينا أن نترك أحيانا القرار للرئيس فهو يمتلك موهبة تجعله على حق حين يكون الجميع مخطئين… 

 

يوم 6 أكتوبر 2019 فازت النهضة بالإنتخابات متقدّمة على كل الأحزاب الحداثية التقدمية والعلمانية أي قلب تونس وتحيا تونس والحزب الدستوري الحر والتيار الديمقراطي.. وكان من صميم الممارسة الديمقراطية أن تتحالف كل هذه الأحزاب في شكل إئتلاف يكون قوة معارضة بنّاءة. 

 

لكن غباء رؤساء الأحزاب منعهم من تحقيق هذا الهدف.. فالتيّار يعتبر أن تحيا تونس والدستوري الحر هي أحزاب أزلام تسيطر على القضاء وتسعى إلى عودة النظام القديم الإستبدادي.. في حين يعتبر التيار وتحيا تونس أنّ قلب تونس هو خليط من الفاسدين وأن نبيل القروي شخصية غير مرغوب فيها.. من ناحية أخرى يعتبر حزبا قلب تونس وتحيا تونس أن التيار مكوّن من مخبولين من قيادات حزب المؤتمر من أجل الجمهورية سابقا وهم أشخاص طوباويون وعديمو التجربة وعاجزون عن الحكم.. أما الحزب الدستوري الحر فلا يعير اهتماما لأحد ولا أحد يعيره أي اهتمام.. البعض يعتبر عبير موسي متطرفة متشددة وبالتالي لا يمكن التعامل معها.. وهنا يكمن خطأ المعارضة التي تعتبر نفسها تقدمية علمانية.. فقياداتها بالأنا المتضخمة لديهم لم يتعضوا بعد من دروس الماضي والهزائم التي مني بها كل من المهدي جمعة وياسين ابراهيم ومحسن مرزوق وسعيد العايدي.. 

 

كان بإمكان تلك المعارضة أن تتوحّد مباشرة إثر ظهور نتائج الإنتخابات وتفرض خياراتها على حركة النهضة.. قيل هذا الكلام مئات المرات لكن حالة التعنّت والحقد الذي يكنّه العلمانيون بعضهم لبعض صار داء عضالا ينخر الجسم التقدمي الحداثي.. 

 

وكلنا رأينا نتيجة تعنتهم وعنادهم مساء الجمعة الماضي.. كان يكفي التحلي بقليل من رجاحة العقل حتى يحصل التقارب بين نبيل القروي ويوسف الشاهد ويفكّرا مجددا في المصلحة العامة قبل مصالحهم الشخصية.. هذا الثنائي ما كان عليهما أن ينفصلا أبدا لولا مسّ من الجنون أصاب الشاهد مما فصله وجماعته عن الواقع.. بفضلهما سقطت حكومة الجملة المقترحة لكن بسببهما أيضا وصل الحال بنا إلى حيث نحن اليوم كما أنه بسببهما أضعنا ثلاثة أشهر كاملة. 

 

إذن مالذي سيحدث الآن؟ الدستور واضح في هذا الصدد.. سنذهب نحو حكومة يتم تكليف رئيسها من قبل رئيس الجمهورية بعد إجراء المشاورات مع الأحزاب والإئتلافات. 

 

خياران يمثلان اليوم أمام قيس سعيّد وكلاهما محفوفان بالخطر.. وأراهن على أنه سيختار الأكثر خطورة لأنه هو أيضا أعمته سلطته وشعبيته المفاجئة والعابرة.. 

 

الخيار الأول يتمثل في تكليف شخصية كفأة قادرة على قيادة الحكومة والحصول على ثقة البرلمان وضمان دعمه ومساندته لحكومته طوال الفترة النيابية حتى يتمكن من تمرير مشاريع القوانين التي سيقترحها.. وهذا هو الحل الأقل خطورة على قيس سعيّد لأنه يخوّل له البقاء في قصر قرطاج بعيدا عن المشاكل والتدخل كلما اقتضى الأمر. 

 

أما الخيار الثاني فيتمثل في تكليف شخصية غريبة الأطوار تعجز عن الحصول على ثقة البرلمان وهو ما يتيح للرئيس إمكانية حلّ البرلمان والذهاب نحو إجراء انتخابات تشريعية جديدة.. فهو يراهن على أنه سيكتسح البرلمان القادم بالفوز بأغلبية المقاعد بما أنه مازال يحظى بثقة الناخلين في نتائج سبر الآراء (أكثر من 80 ٪) وهو ما سيمكنه من تمرير كل أفكاره وسياسته القائمة على جملة واحدة "الشعب يريد".. هذا الخيار الثاني هو الأكثر خطورة لأنه لا شيء يؤكد أن قيس سعيّد سيحصل على هذه الأغلبية.. وحتى في صورة حصوله عليها فإنه لن يقتنع أو يعترف بأنه يستحيل تطبيق سياسته "النظرية والفوضاوية" .. 

 

فالرجل يتحدث عن حكومات محلّية.. وهذا مدعاة للضحك حقا.. فمن حسب رأيه سيتم انتخابهم على رأس تلك الحكومات؟ أليسوا بارونات التهريب وأبطال شراء الأصوات؟..  

 

هل يظن بكل جدية أنه سيقدر على أن يحكم بأريحية في ظل وجود لوبيات ووسائل الإعلام ومعارضة شرسة ورافضة لسياسته.. جميعهم لن يسمحوا بأن تترك البلاد بين أيدي أناس يقادمون من زمن آخر.. فهل يعتقد سعيّد أنه قادر على أن يحكم بمعزل عن دعم دولي؟. 

 

يكفي أن نرى تركيبة ديوانه والمحيطين به والذين ساندوه في حملته الإنتخابية لندرك أنه لن ينجح ولن يذهب بعيدا في مسعاه.. يكفي أن نستمع إلى كلماته وخطاباته لنتأكد أن الرجل لم يستوعب بعد أنه صار رئيسا للجمهورية ورئيس كل التونسيين.. يكفي الإنصات إلى كلماته التحذيرية خلال الزيارتين اللتين أداهما إلى سيدي بوزيد والقصرين لنكون على يقين بأنه لا يعي خطورة ما يقول ولا حجم الوعود المستحيلة التي يتعهد بإنجازها.. 

 

فكيف السبيل إلى صد السياسة الخطيرة التي ينتهجها رئيسنا الشعبي والشعبوي في صورة نجح في تأسيس حزب وتكوين حكومة موالية له؟. 

 

الحل الأوحد في علاقة بسياسة قيس سعيّد هو أن تتكوّن معارضة متينة وموحّدة تكون قادرة على إقناع الرأي العام وطمأنته. سعيّد حظي بهذه الشعبية لأنه عرف كيف يطمئن فئة من الشعب لم تدرك بعد أنها ستصاب بالإحباط وخيبة الأمل حين ترى قيس سعيّد عاجزا عن تحقيق ما تعهّد به. 

 

فلو أن العلمانيين يرجحون لغة العقل ويتركون جانبا نرجسياتهم سيحوّلون المحطات الإنتخابية المقبلة لنجاحات محققة يصححون بها هفواتهم التي اقترفوها في الانتخابات التشريعية والرئاسية الماضية.. فحين يكونون متحدين وجبهة واحدة بما في ذلك مع عبير موسي ومحمد عبو فإنهم سيقدرون على إيقاف شعبويي قيس سعيّد والصافي سعيد وكذلك الإسلاميين (النهضة وائتلاف الكرامة).. هل سيقدرون على ذلك من خلال إعادة ما حققوه يوم الجمعة الماضي؟ للأسف الشديد هذا أمر غير موثوق به. 

 

    (ترجمة عن النص الأصلي بالفرنسية)

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter