alexametrics
آراء

خذلنا قيس سعيّد .. ألا يوجد شخصية انقلابية أخرى غيره في البلاد ؟

مدّة القراءة : 5 دقيقة
خذلنا قيس سعيّد .. ألا يوجد شخصية انقلابية أخرى غيره في البلاد ؟

 

مرّت 43 يوما منذ إعلان الرئيس قيس سعيّد عن قراراته التاريخية المتمثلة بالأساس في إعفاء رئيس الحكومة من مهامه وتجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن كل نواب الشعب.

 

مازلنا بعد 43 يوما بلا برلمان وبلا حكومة .. حتى أننا مازلنا نجهل وجهتنا المقبلة .. لدينا شخصيات موضوعة قيد الإقامة الجبرية وأخرى ممنوعة من السفر دون إعلامهم بالأسباب .. في المقابل لدينا أشخاص تتعلق بهم شبهات فساد ونهب مئات الملايين من الدنانير ومازالوا يتمتّعون بالحرية المطلقة .. أين هو المنطق في كل ما يحدث في البلاد منذ 43 يوما ؟ .. إنه منطق قيس سعيّد والذي لم يفهمه أحد غيره.

في الواقع لم نفهم إلا القليل من الأمور منذ 43 يوما. 

 

فلنبقى واقعيين ولنحاول حل المشكلة بطريقة عقلانية .. ولنبدأ مما يتوفّر لدينا من معطيات .. نحن نعلم أن الرئيس صادق ونزيه وأن الشعب يسانده بنسبة تفوق 90 بالمائة .. ونعلم أيضا أن هذا الشعب لا يقبل بأن ينتقده الصحفيون والمعلّقون (الكرونيكورات)، في الإذاعات والتلفزات .. كلما تجرأت إحدى وسائل الإعلام أو أحد الكرونيكورات على انتقاد السيد الرئيس، إلا وانهالت عليه سيول من السب والشتائم .. وفي هذا الصدد أعبّر عن تضامني المطلق مع هيثم المكّي، الذي بسبب مواقفه عبر موجات "موزاييك آف آم"، يتم التنكيل به يوميا من قبل أنصار قيس سعيّد .. نعلم كذلك أنه ليست لدينا حكومة وأنه لم يتم إلى غاية اليوم إعداد قانون المالية التكميلية وأن الغموض التام يلف قانون المالية لسنة 2022 .. نعلم أن رئيس الحكومة القادم عليه أن يتدارك التأخير الحاصل طوال هذه الفترة (43 يوما) قبل حتى أن يشرع في العمل وهذا في حد ذاته عمل شاق وصعب للغاية .. وفي الأخير نعلم أيضا أنه لولا المؤسسة العسكرية وكذلك الأمنية لما تمكّk الرئيس من القيام بما أقدم عليه.  

 

عطفا على كل ما سبق ذكره، يمكننا استخلاص ما يلي: الشعب (أو الجماهير كما يصفه المكي) لا تأبه البتة بشؤون الدولة، كل ما يعنيها هو وجود ربّان تعتقد أنه قادر على قيادة السفينة .. وهنا يكمن الفخ .. الشعب يعتقد بكل صدق وجدية أن قيس سعيّد قادر على إنقاذ البلاد، هو الذي أنقذنا من حثالة السياسيين الذين كانوا يحكموننا قبل 25 جويلية 2021. إلا أن العديد من الخبراء والمحللين السياسيين والمعلّقين (الكرونيكورات) يرون خلاف ذلك تماما استنادا لما توفرّ لديهم من حجج وأدلة .. هؤلاء، وأنا منهم، يرون صادقين أن قيس سعيّد بصدد إضاعة وقت ثمين جدا على البلاد ..  قراراته المعلنة يوم 25 جويلية تتعارض مع نص الدستور، لكن كنا سنقبلها لو أنها كانت مرفوقة بتعيين حكومة جديدة ناجعة وبخارطة طريق .. 43 يوما مرت ولا شيء يلوح في الأفق ومن واجبنا أن ندق ناقوس الخطر .. دورنا يتمثّل في أن نقول "حذاري"، إن تونس تسير على خطى لبنان وأنه إذا كانت الدولة عاجزة عن توفير رواتب الموظفين فإنها ستضطر لطباعة الأوراق المالية وما يعنيه ذلك من حالة تضخّم لا مناص منها .. دورنا أن ننبّه إلى أنه في صورة عدم توفير الإعتمادات اللازمة لسداد ديوننا الخارجية، فإننا سنكون مضطرين للحفاظ على ما لدينا من عملة صعبة والتقليص من شراءاتنا من الأدوية والطاقة (مع انقطاعات للكهرباء طيلة ساعات يوميا) ومختلف المواد الأساسية الأخرى التي كنا نستوردها.

 

حين نقول هذا الكلام يشتمنا أنصار قيس سعيّد ويتهموننا بأننا نعمل لصالح لوبيات الفساد وينعتوننا بالمتشائمين والحمقى ويطالبوننا بالكف عن انتقاد السيد الرئيس وإخضاعه للمزيد من الضغوطات.

 

الأعمى الحقيقي هو أعمى البصيرة الذي يُعرض عن رؤية الأشياء كما هي في الواقع .. ولو كان هذا الشعب (أو الجماهير) التي تصفّق لقيس سعيّد، على حق ونحن معشر الصحفيين والمعلّقين والمحللين السياسيين مخطئين ؟  

لماذا نتعنّت في الإعتقاد بأننا نمتلك الحقيقة أمام شعب ما انفكّ يقول لنا، صباحا، مساء ويوم الأحد، بأننا مخطئون حين ننتقد قيس سعيّد ؟ 

 

الصحفيون والمعلّقون المحترمون والذين يحترمون مهنتهم وجمهورهم، قبل أن يصدروا أحكامهم وتحاليلهم، يشاهدون آلاف الساعات من البرامج السياسية المختصة في مختلف الدول (عادة فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا والمملكة المتحدة)، ويقرؤون المئات من كتب التاريخ والمؤلفات السياسية والمقالات الصحفية المحررة من قبل كبار الصحفيين والمحللين في العالم .. أولئك الصحفيون والمعلقون (الكرونيكورات) عادة ما تكون لهم لقاءات دورية (حتى لا أقول يومية) بعامة الشعب (نساء ربات بيوت، حارس مبنى، نادل مقهى ...) وبموطفين وموظفين سامين ووزراء سابقين وحاليين وأصحاب مؤسسات ومستثمرين تونسيين وأجانب ودبلوماسيين وسفراء .. إستنادا إلى كل تلك اللقاءات وانطلاقا من مخزونه المعرفي الذي راكمه عبر السنوات، يمكن للصحفي أو الكرونيكور إبداء رأيه وتحاليله .. إذا كان الصحفي أو المحلل، يفتقر لكل هذه المقومات ولا يملك دفتر عناوين ثريا ومحينا، فهذا يعني أنه متحيّل ولا بدّ له أن ينكشف إن عاجلا أم آجلا.

 

الإدعاء بأن هذا الصحفي أو ذاك يعمل لفائدة إحدى اللوبيات وأن هذا الكرونيكور أو ذاك مدفوع الأجر لانتقاد الرئيس فهذا زعم أحمق، مردود على صاحبه وهو لا يليق بما يجب أن تكون عليه نظره الشعب لنخبته.

 

ومع ذلك فمن الواضح أنه توجد فجوة تفصل الجماهير عن هؤلاء المحللين الذين يعتقدون أنهم ملمّون بكل شيء .. فلنتحلى بقدر من التواضع ولنتعلّم كيف نصغي للآخرين  !

 

فنحن معشر الصحفيين والمحللين لم نكف منذ ثورة 2011 عن الإشادة والتغنّي بمزايا الديمقراطية .. الديمقراطية على الطريقة الغربية التي تفرض ما تفرزه صناديق الإقتراع. لكننا في المقابل، لم نطلب أبدا من الشعب (الجماهير) ماذا يريد حقا .. فهل سألناه عما إذا كان يرغب في هذه الديمقراطية على الطريقة الغربية ؟ حين نراه خرج في الشوارع يصفّق ويهتف ليلة 25 جويلية، على إثر قرار تجميد أعمال مجلس النواب الذي تم انتخابه نظريا من قبل الشعب، كان علينا أن نتساءل بالفعل .. هذه الجماهير التي خرجت مساء 25 جويلية هل هي ذاتها التي خرجت لصنادق الإقتراع وصوّتت في 2011 و2014 و2018 و2019 ؟

 

للرد على هذا السؤال فلنستعن بالأرقام والمؤشرات وهي لا تكذب أبدا.

 

في 2011، كانت نسبة الإمتناع عن التصويت في حدود 48،03 بالمائة .. في الإنتخابات التشريعية لسنة 2014 نزلت هذه النسبة إلى 31،64 بالمائة .. في الدور الثاني من الإنتخابات الرئاسية لسنة 2014 بلغت نسبة الإمتناع عن التصويت 39،91 بالمائة .. في الإنتخابات البلدية لسنة 2018 قفزت هذه النسبة إلى عتبة 64،35 بالمائة .. في الإنتخابات التشريعية لسنة 2019 كانت في حدود 58،3 بالمائة .. وفي الإنتخابات الرئاسية لسنة 2019 بلغت نسبة الإمتناع عن التصويت 51،02 بالمائة في الجولة الأولى و43،2 في الجولة الثانية .. من هذه الأرقام المتذبذبة نستخلص أن قرابة نصف الشعب (وأحينا أكثر) لا تعنيه الديمقراطية .. هذه الأرقام انعكست تماما بعد تدابير 25 جويلية وصارت أقرب إلى المساندة الشعبية المطلقة.

 

تم التهرّب من الخوض في مسألة الديمقراطية في 2011 وكذلك في 2014 على إثر التصويت بعد عناء كبير على الدستور من قبل مجلس تأسيسي كان يتكوّن من العديد من الأعضاء الذين لا يفرضون الإحترام بل إن منهم من كان يُتهم بالإرهاب .. الطبقة السياسية وقتها اعتبرت أن الشعب يرغب في تلك الديمقراطية .. لكن لا أحد سأل الشعب (الجماهير) عمّا يرغب فيه بالفعل .. ماذا لو كان الشعب يريد شيئا أخر غير الديمقراطية الغربية ؟ .. ماذا لو أن الشعب كان يريد رئيسا قويا ونزيها ؟ بورقيبة ثان ؟ بن علي آخر، دون عائلته ؟ فلاديمير بوتين يحمل الجنسية التونسية ؟ وماذا لو كان يريد ديمقراطية على الطريقة الصينية أو الروسية ؟ 

 

فلنذهب في هذا التمشي الشعبي وضد مجرى التاريخ .. كتونسيين نحن أحرار في اختيار النموذج الذي يلائمنا .. فقبل كل شيء نحن تونسيون وثقافتنا عربية إسلامية ولسنا مجبرين على اتباع النموذج الاسكندينافي ذي الثقافة اليهودية المسيحية .. جدير بالتذكير أنه لا وجود لأي بلد عربي تبنّى هذا النموذج الديمقراطي الغربي .. لكل بلد عاداته وتقاليده، فلنختر رئيسا قويا على رأس الدولة، يكون قادرا على إنقاذ البلاد، حتى وإن تطلّب الأمر خرق بعض القوانين وانتهاك بعض الحريات.

 

هذا الرئيس، هل يمكن أن يكون قيس سعيّد ؟ الجواب بالنفي، لأن قيس سعيّد أهدر 43 يوما ثمينة، كان يفترض أن يُكوّن فيها الحكومة ويعدّ خارطة الطريق ويقبض على الإسلاميين الفاسدين وإيقاف المافيوزين الفاسدين وتطهير القضاء .. لم يصدر عن قيس سعيّد أي شيء من هذا كله .. طوال 43 يوما لم يفعل شيئا سوى تقديم بعض الوعود .. هذه الحقيقة التي لا يمكن أن ينكرها أحد  .. يُقال لنا "أمهلوه بعضا من الوقت" لكن عليهم أن يعلموا أنه أخذ من الوقت أكثر مما يلزم وما عاد بإمكاننا إضاعة المزيد.

ما لا يراه أنصار سعيّد، ونراه نحن معشر المحللين، هو أننا سندفع الثمن باهضا بسبب ضياع هذه الأيام الثلاثة والأربعين وغياب الحكومة .. لن نشعر بمخلفات ذلك الآن ولكن بعد شهرين أو ثلاثة .. الخطر اللبناني يلوح أمامنا والمجاعة تتهدّدنا .. أستمع هنا وهناك إلى أن البلدان الشقيقة والصديقة لن تتخلّى عنا .. وهذا خطأ، لأن لبنان كان يعتقد ذلك أيضا فقد طمأنوه، نظرا لموقعه الإستراتيجي الحدودي مع إسرائيل. من يعتقد أن فرنسا والولايات المتحدة والإمارات سيضخّون مليارات الدنانير في تونس من أجل إنقاذها، فهم يخادعون أنفسهم.

 

ما لا يراه أنصاره ونراه نحن المحللّون هو أن قيس سعيّد لا يميّز بين الملايين والمليارات وبين الناتج الداخلي الخام والميزانية وبين التضخم والنمو .. رئيسنا يعتبر بعض رجال الأعمال مافيوزيّين .. رئيسنا لا يعير اهتماما للزمن في حين أن الوقت هو أثمن ما لدينا لأنها الثروة الوحيدة التي لا يمكن تداركها. 

 

بما أنه لا يمكننا إحياء بورقيبة من جديدة ولا الحصول على نسخة من بوتين وبما أن قيس سعيّد ليس رجل المرحلة، على الجماهير أن يكونوا مستعدين لخيبة الأمل، فلن يكون لنا في تونس، في القريب العاجل، طاغية مستنير، منقذ وبيده تحقيق المعجزات. ما لا يرونه اليوم سيفرض عليهم لا محالة لاحقا.

 

إذن ما العمل ؟ الأمر بسيط .. بما أنه ليس لدينا بورقيبة آخر ولا بوتين، علينا اتباع الطريق الوحيد والأوحد المتبقّي والذي أثبت جدواه في أماكن أخرى في العالم : وهي الديمقراطية على الطريقة الغربية .. أي انتخابات مبكّرة لإيقاف وضعية استثنائية .. ليس لنا خيار آخر. 

 

 (ترجمة للنص الأصلي بالفرنسية)

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter