alexametrics
آراء

راشد الخياري قوّض مبادءنا وقناعاتنا

مدّة القراءة : 5 دقيقة
راشد الخياري قوّض مبادءنا وقناعاتنا

 

شرطية فرنسية عمرها 49 عاما وهي أم لطفلين، قُتلت يوم الجمعة الماضي على إثر اعتداء عليها بالسكين نفذه إرهابي إسلامي تونس عمره 36 سنة إسمه جمال قرشان، فليذهب إلى الجحيم .. لقد سئمنا هؤلاء الجرذان الذين يسفكون دماءنا ويشكلون خطرا على الديمقراطية واللائكية والحريات .. ما عدنا نحتمل هذه الصورة التي تحيلنا مرة إلى دولة ضحية وتارة إلى دولة حاضنة للإرهاب .. لقد ضاق صدرنا بهاته الحثالة التي تريد إرغامنا بالقوة على اتباع الشريعة وتعاليم الإسلام .. كل فرد حر في معتقداته .. يجب أن يبقى الإسلام مجرد عقيدة لا أكثر ولا أقل. ليس للدين أن ينظّم شؤون البلاد .. ستبقى فرنسا دائما حُرة وعلمانية .. ستظل تونس أيضا حُرة وعلمانية .. ستيفاني لروحك السلام .. لا تدرين إلى أي حد أخجل اليوم من كوني أتقاسم نفس الجنسية مع هذا الإسلامي الحثالة.

 

من مظاهر الإسلام المتطرف الذي يريد أن يفرض علينا الشريعة في حياتنا اليومية، هناك من يستعمل السلاح الأبيض مثل جمال، هناك من ينتظر ساعة من الوقت قبل أن يفجّر مكانا أو يفجّر نفسه والأبرياء من حوله وهناك من يستخدم سلاح الديمقراطية لتحقيق مآربه.

 

هذا الصنف من البشر هم الأخطر على الإطلاق لأنهم نجحوا في الحصول على شرعية الصندوق للتمكن من تغيير عادات المجتمع. في فرنسا هم يسعون إلى بناء المساجد في كل مكان حتى يبسطون نفوذهم، لكنهم في تونس تجاوزا هذه المرحلة وأصبحوا أكثر نفوذا باعتبارهم صاروا ممثلين في المجالس البلدية وفي البرلمان .. لقد اخترقوا الإدارة والمحاكم.

 

بإسم الديمقراطية والمبادي الديمقراطية، تقدّم لهم فرنسا المساندة والدعم سواء كانوا في الداخل أو الخارج. من منّا لا يتذكّر كيف أن فرنسا دعمت الإسلاميين خلال فترة لا يستهان بها وذلك تحت باسم الدفاع عن المبادئ الديمقراطية.

 

رغم ما تنطوي عليه عبارة "مبادئ" من معاني الحرية والتحرر، فإنها تسمّم واقعنا وتحرمنا من التخرك كما نشاء ووفق إرادتنا.

 

هذه المبادئ تفرض علينا أن نفرّق بين إسلامي يحمل السلاح وإسلامي ضمن مقعده تحت قبة البرلمان .. كلاهما يحملان المبادئ ذاتها ولهما الأهداف نفسها وهما يكنّان حقدا دفينا تجاه كل من يخالفهم الرأي أو يكون مختلفا عنهم. الفرق بينهما هو أن أحدهما يعبّر عن مشاعر الكراهيه والحقد الكامنة فيه بواسطة السيف أما الثاني فيعبّر عنها بالكلمات .. وبسبب هذا الإختلاف يعتبر الأول إرهابيا فيما يمكن التعامل مع الصنف الآخر.

 

فلنواصل في احترام المبادئ ! .. لكن المبادئ تفقد صفتها هذه حين لا نحترمها إلا متى كانت تخدم مصالحنا.

 

لقد تباحثنا وتناقشنا طويلا حول مسألة "المبادئ" في اجتماع هيئة التحرير لبيزنس نيوز.

على إثر الفيديو البشع الذي نشره النائب الإسلامي المتطرف، راشد الخياري والذي يتهم فيه رئيس الجمهورية بالخيانة العظمى لفائدة الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها من الأكاذيب والمغالطات دون أي دليل إثبات.. كان علينا في الصحيفة أن نتخذ موقفا واضحا .. هل علينا باسم المبادئ أن ندافع عن هذه المبادئ أو أن نساند الشكوى المرفوعة ضده لدى النيابة العسكرية والتي قد يصل الحكم فيها إلى عقوبة الإعدام ؟

 

جانب من هيئة التحرير ذكّر بأن النائب كان يلجأ دائما إلى خطاب الكراهية ضد العلمانيين والمناهضين للإسلاميين .. في أعقاب مقتل صامويل باتي، كان موقفه بشعا من هذه الحادثة معتبرا أن على من يتجرّأ على الرسول أن يتحمّل مسؤوليته .. لقد لطّخ  سمعة عشرات الأشخاص بمن في ذلك شخصي أنا، بافتراء الأكاذيب واختلاق أحداث مفبركة كليا .. أما في البرلمان فقد تميّز بغياباته المتكررة عن اجتماعات اللجان والتي ضرب بها كل الأرقام القياسية فهو لا يحضر سوى الجلسات العامة ليصم عبارات الحقد والكراهية أمام عدسات الكاميرا ويعلن ولاءه لراشد الغنوشي .. تهجماته الأخيرة وجهها ضد النائب عن التيار الديمقراطي، محمد عمار بعد أن سجّله في إحدى اللقاءات بينهما في منزل هذا الأخير دون أخذ الإذن منه، قبل أن يسرّب المكالمات الخاصة بين مايا القصوري ومديرة الديوان الرئاسي. من الصعب أن نحصي عدد الإرهابيين الذين دافع عنهم، باسم الدين، كما لن ننسى دعمه المستميت للدكتاتور التركي، رجب طيب أردوغان في أعقاب محاولة الإنقلاب الفاشلة في 2016.

 

بكل بساطة راشد الخياري كاذب وهو حثالة إرهابي فقط لم يمرّ بعدُ إلى الفعل .. بالنظر إلى كل ما سبق علينا أن ندعم الشكوى المثارة ضده  واكثر من ذلك، فإنه لم يقدّم أي دليل مرافق للإتهامات التي وجهها ضد رئيس الجمهورية.. ولا ننسى طبعا توجيه بعض قرائنا ممن لا يرون إشكالا في التهم الثقيلة الموجهة ضده من قبل النيابة العسكرية.

 

في الجانب الآخر من هيئة التحرير، يذكّر بعض الزملاء بأن المحكمة العسكرية ليس من مشمولاتها النظر في القضايا المدنية والحكم على المدنيين .. أثاروا مسألة حرية التعبير واحتجوا ضد إطلاق صفة إرهابي على راشد الخياري بما أن الرجل لم يمر إلى التنفيذ .. كما ذكّروا بأنه نائب منتخب من الشعب وبالتالي فهو يحظى بالحصانة البرلمانية .. قالوا إن معطياته الشخصية تم نشرها في الفضاء الإفتراضي العام، من خلال نشر الوثيقة الخاصة ببطاقة الجلب، خلافا لما تنص عليه القوانين وما يكفله احترام دولة القانون .. تم التذكير أيضا بأن المبادئ تطبّق على الجميع بمن في ذلك خصومنا، بمن فيهم الإرهابيون.

 

حين تكون لما مبادئ وقناعات يجب ألا تكون هناك استثناءات .. راشد الخياري وضعنا وجها لوجه أمام مبادئنا وقيمنا .. جعلنا نواجه أخلاقيات مهنتنا .. لذلك علينا الدفاع عنه حين نؤمن بقيم العلمانية ومبادئ اليساريين.

 

باسم كل تلك المبادئ، رأت بيزنس نيوز أنه عليها الدفاع عنه .. فالمبادئ تفقد صفتها ومعناها حين لا نتبعها إلا إذا كانت تخدم مصلحتنا.

 

نحن إذن أمام إشكال كبير ولا بد من حسم القرار .. كيف يمكن لنا أن ندين ما قام به راشد الخياري وفي الوقت ذاته ندين الحملة الشرسة ضده ؟

 

الجميع مخطئون في هذه القضية .. من اتهم رئيس الدولة بالخيانة العظمى .. ومن حشر النيابة العسكرية في هذا الموضوع .. ومن قام بتسريب بطاقة الجلب .. من أحال المسألة على وزارة الدفاع خارقا بذلك مبدأ الفصل بين السلط.

 

كان أمام الرئيس خياران .. إما أن يترك راشد الخياري يهذي كعادته والإكتفاء في أسواء الأحوال ببلاغ يكذّب فيه تلك الإدعاءات تحت شعار "القافلة تسير والكلاب تعوي"، أو أنه يلجأ للقضاء لرد الإعتبار لشرفه الذي تم تلطيخه من قبل نائب إسلامي .. قيس سعيّد اختار الحل الثاني ولم يكن هذا هو الحل الصائب.

 

في هذا الحل الثاني أمام الرئيس خياران: إما المحاكم المدنية أو القضاء العسكري .. وقد فضّل الخيار الثاني وهناك سبب وراء ذلك .. ليس لأنه يتحكّم في النيابة العسكرية، مثلما يدّعي ذلك الإسلاميون، بل لأنه لا يثق في القضاء المدني. باستقباله رئيس المجلس الأعلى للقضاء، في ثلاث و أربع مناسبات في ظرف شهرين، فإن قيس سعيّد يوجه العديد من رسائل التنبيه والتحذير لمرفق العدالة، داعيا إياه لتدارك أمره والانكباب على ملفات وقضايا شخصيات قوية ونافذة تسعى إلى الإفلات من بين أيادي العدالة.  

 

قيس سعيّد يدرك جيدا أن القضاء المدني مخترق من قبل قضاة محسوبين على البحيري .. قيس سعيّد يعلم جيدا أن راشد الغنوشي يحمي نوابه من أي تتبّع قضائي. كم من نائب تحدّى القضاء وتجاهل دعوة النيابة العمومية بالتحصن وراء الحصانة البرلمانية .. آخرهم نواب ائتلاف الكرامة في قضية سيف الدين مخلوف وكذلك راشد الخياري نفسه في قضية محمد عمّار.

 

صار من المستحيل اليوم تقديم شكوى ضد أحد النواب وكسب القضية لأن هذا النائب يتمتّع بالحصانة في حين أن النص التشريعي يقول إن تلك الحصانة لا معنى لها إلا في أطار أداء مهامه البرلمانية .. النائب عن التيار، نبيل الحاجي طلب رسميا من رئيس البرلمان قائمة النواب الذين لهم قضايا أمام المحاكم والذين يتحصنون وراء الحصانة البرلمانية، لكن الغنوشي تجاهل مطلب النائب هذا.

 

هذا هو حال مرفق العدالة في تونس اليوم .. لذلك فإن قيس سعيّد بلجوئه للنيابة العسكرية، لا يسعى إلى سحق راشد الخياري والقضاء عليه فهذا ليست غايته القصوى وإنما هو يريد أن يبعث برسالة تنبيه وتحذير إلى القضاء المدني ليقول له تدارك أمرك ويوجه رسالة إلى راشد الغنوشي ليقول له أنت سيطرت على المحاكم المدنية وأنا سألتجئ للقضاء العسكري الذي مازال مستقلا.

 

ما قام به قيس سعيّد ليس فيه أي خرق للقانون .. فلا مانع من أن يمثل أي مدنة أمام القضاء العسكري، طبقا للفصول 110 و149 من الدستور والذي ينص على ما يلي "تواصل المحاكم العسكرية ممارسة الصلاحيات الموكولة لها بالقوانين السارية المفعول إلى حين تنقيحها بما يتماشى مع أحكام الفصل 110".

 

حتى لا يمثل المدنيون أمام القضاء العسكري، يجب تغيير القانون إلا أن النواب ومن بينهم راشد الخياري لم يحركوا ساكنا من أجل تحقيق ذلك، رغم مقترح التنقيح المحال على البرلمان منذ خمس سنوات كاملة .. نعم يوجد مقترح قانون لمنع مثول المدنيين أمام المحكمة العسكرية لكنه مازال مهملا في درج مكتب راشد الغنوشي.

 

إذن ما العمل في انتظار ذلك ؟ أمام قضاء مدني أثبت عدم نجاعته إزاء الحصانة البرلمانية، لم يكن أمام قيس سعيّد سوى اللجوء للقضاء العسكري ليضرب بذلك ثلاثة عصافير بحجر واحد .. يوجد رسالة واضحة للقضاة ويسحب البساط من تحت أقدام راشد الغنوشي ويستعيد شرفه الذي حاول راشد الخياري تلويثه.

 

بالنسبة إلى صحيفتنا بيزنس نيوز حُسم الأمر واتخذ القرار .. لدينا مبادئ وقناعات نسعى جاهدين إلى احترامها مهما كانت الحيثيات والظروف، بما في ذلك حين يتعلق الأمر بحرب ضد الإسلاميين والإرهابيين .. لكن نحترم العدالة وهي فوق الكل بما في ذلك المبادئ.

 

يبدو أن قيس سعيّد من خلال مسعاه بالتوجه إلى القضاء العسكري، مهما كان رأي البعض في هذا الخيار، يسعى إلى إرساء العدل في البلاد واسترجاع مرفق العدالة لدوره في المجتمع .. فالعدالة هي أساس كل شيء !

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter