alexametrics
آراء

على قيس سعيّد أن يخضع لإكراهات المنصب الرئاسي

مدّة القراءة : 4 دقيقة
على قيس سعيّد أن يخضع لإكراهات المنصب الرئاسي
 
الأربعاء 23 أكتوبر 2019 كان يوما تاريخيا بالنسبة إلى  التونسيين الذين شهدوا  خلاله أداء الرئيس المنتخب قيس سعيّد لليمين الدستورية وتولّي الرئيس السابق محمد الناصر تسليمه المهام بعد أن شغل المنصب الرئاسي لمدة ثلاثة أشهر على إثر وفاة أول رئيس في الجمهورية الثانية الراحل الباجي قايد السبسي. من منظور العالم الغربي فإن ما حصل لا يعدّ أمرا إستثنائيا ولكن مقارنة بما يجري عادة في الوطن العربي فإن ما شهدته تونس هو سابقة تستحق التنويه نظرا إلى ندرة حصوله حتى في مستوى القارة الإفريقية.. فالرئيس الذي اختاره التونسيون توفّى يوم 25 جويلية وفي اليوم ذاته وفي كنف الاحترام المطلق والتام للدستور تسلّمت مهامه بالنيابة الشخصية المخولة لذلك بنص الدستور لمدة تسعين يوما.. تم خلالها تنظيم انتخابات رئاسية سابقة لأوانها ترشح لها العشرات وتم الإحتفاظ بملفات 26 مترشحا قاموا بدرجات متفاوتة بتنظيم حملاتهم الإنتخابية في ظروف عادية لإقناع حوالي 3،5 مليون ناخب في الدور الأول و3،9 ملايين في الدور الثاني للتصويت قبل أن تتم عملية فرز الأصوات واحتسابها والإعلان عن النتائج الأولية ثم النهائية ويتخلى الرئيس بالنيابة عن منصبه للرئيس المنتخب.. كل هذا في مناخ من الأمن والسلم دون أن تراق قطرة دم واحدة ولا أعمال عنف أو محاولات غش واضحة ولا اعتراض على النتائج المعلنة.. هذا جدير بأن يخلّده التاريخ.. فحتى بعض المساعي الرامية إلى تعطيل المسار الإنتخابي الديمقراطي من خلال الزج بأحد المترشحين في السجن، باءت بالفشل بفضل تضافر جهود مكونات المجتمع المدني في تعبئة حاشدة مسنودة من وسائل الإعلام ولكن أيضا بفضل بعض القضاة النزهاء والمحايدين الذين أبطلوا ما دبّره البعض الآخر من زملائهم الذين كانوا شركاء في هذه العملية لطبقة سياسية فاشلة خذلت أنصارها. 
 
لذلك فإننا حين نتمعّن جيدا في ما حدث منذ رحيل الباجي قايد السبسي وحتى تاريخ هذا اليوم المشهود أي 23 أكتوبر، من حقنا أن نكون فخورين بتونس الديمقراطية لأننا في الواقع سنترك لأبنائنا منجزا صلبا ومتينا. 
إننا في "بيزنس نيوز" لا نذيع سرّا إذا قلنا إن قيس سعيّد لم يحظ أبدا بدعمنا منذ انطلاق المسار الإنتخابي وحتى حين علمنا بفضل نتائج سبر الآراء التي أعلنتها مؤسسة إيمرود أنّه كان في طريقه إلى الفوز لم يكن بمقدورنا مساندة مترشح بلا برنامج ولا وجهة واضحة سيتبعها. 
 
اليوم وقد اختاره التونسيون علينا أن نحترم إرادتهم ونترقّب دون أن يعني ذلك أننا سنتربّص بأول هفوة يقترفها.. فهو على غرار كل مسؤول منتخب من حقه أن يعمل لمدة مائة يوم الأولى بعيدا عن النقد والتشويه أو "التنبير". كما أنّ من حقه الحكم عليه دون أحكام مسبقة وهذا لن يمنعنا نحن معشر الإعلاميين والصحفيين من إثارة بعض الثغرات والنقائص والإخلالات التي قد تشوب أداءه لمهامه وواجباته كرئيس للجمهورية. 
 
من ذلك على سبيل المثال جلب انتباهه للأخطاء السياسية المحتملة، سواء كانت استراتيجية أو اتصالية.. كما أن ما سبق ذكره لن يمنعنا من إيقاف كل من ستسوّل له نفسه بتعطيله وتشويهه ظلما لمجرّد تسجيل بعض النقاط السياسية على حسابه.. فالرجل انتُخب بنسبة 72 بالمئة من جملة الأصوات وبالتالي يحق له أن يعمل في كنف الهدوء لمدة 100 يوم ثم يكون الحكم له أو عليه انطلاقا من أعماله وليس من الحكم على النوايا. 
 
صحيح أن رئيس الجمهورية الجديد مختلف قليلا في أسلوبه عمّن سبقوه إلى قصر قرطاج فهو يميل إلى الإتصال المباشر بالشعب كما أنه يؤكد عدم امتلاكه لحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي مثل الفايسبوك وغيره رغم أن غالبية ناخبيه موجودون على تلك المواقع.. إلى ذلك هو يؤكد احترامه لوسائل الإعلام في الوقت الذي تم استبعاد المسؤولين عنها وممثلي الهياكل المعنية بالمهنة من موكب أداء اليمين، رغم أن أحد المقربين منه وهو يشرف على إحدى الصحف كان حاضرا خلال الجلسة.. بالتوازي يقول الرئيس الجديد إنه يريد أن يكون رئيس كل التونسيين دون أيّة تفرقة بينهم، لكننا نجد في المقابل أن رئيسة أحد الأحزاب السياسية (أحرزت 4 ٪ في الدور الأول من الإنتخابات الرئاسية و17 مقعدا في التشريعية) تم إقصاؤها من جلسة أداء اليمين أمام البرلمان. 
 
رغم أن الموكب تم بحضور رجال دين يمثلون الديانات السماوية الثلاث فإن الرئيس الجديد يحرص على أن يكون خلال محادثاته الرسمية الأولى مرفوقا بشخصية مثيرة للجدل سبق وأن أعلنت معاداتها للسامية وللمسيحية من خلال الإعلان عن رفضه تعيين أي وزير تونسي يكون مسيحيا أو يهوديا.. فماذا عساه يقول عبد الرؤوف بالطيّب إذا كان أحدنا ملحدا؟ وفي هذا الصدد أدعوكم إلى إعادة الإستماع لما قالته مايا القصوري عن أسباب وجوب استبعاد بالطيب من قصر قرطاج حتى لا يكون إلى جانب قيس سعيّد.. من منّا لا يتذكّر الفريق الذي عمل إلى جانب منصف المرزوقي ومناخ العنف الذي طبع تلك الفترة؟! عبد الرؤوف بالطيّب من هذه الفئة بل هو أسوأ. 
 
فرئيس الجمهورية في أي ديمقراطية محترمة عليه واجب مصارحة الشعب أولا بأول وهذا لا يمكن تحقيقه دون آلة اتصالية ناجعة. فنحن هنا من تونس بمقدورنا أن نعلم من سيلتقي دونالد ترامب أو إيمانويل ماكرون هذا الأسبوع وحول أي موضوع كما أننا نعرف تقريبا وبدقة مالذي قيل في تلك المحادثات واللقاءات.. لكن من غير الطبيعي أن نرى شخصا مثل بالطيّب إلى جوار رئيس الجمهورية دون أن نعلم ماهي صفته وبالتالي من غير المقبول أن يكون بجانبه أصلا. 
 
فقيس سعيّد لم يعد قيس سعيّد الذي كنا نعرفه ونسمع عنه فقد أصبح رئيسا للجمهورية وعليه أن يتصرّف بصفته تلك. 
 
في تونس يسكن رئيس الجمهورية قصر قرطاج وليس منزله الخاص.. وليس له الخيار في ذلك فعليه أن يلتزم بما يقتضيه المنصب الرئاسي من إجراءات وترتيبات. 
 
في تونس يتنقّل رئيس الدولة مرفوقا بالحماية الأمنية اللازمة وعليه أن يتقيّد بما تفرضه عليه أسلاك الأمن وشرطة المرور فليس من حقه أن يعطّل مصالح آلاف التونسيين من سكان العاصمة الذين يتنقلون يوميا عبر سياراتهم.
كما أن رئيس الجمهورية في تونس لا يحتسي قهوته في مقهى شعبي ولا يحلق شعره عند حلاق الحي.. عليه أن يتّبع ما يمليه عليه القائمون على التشريفات والمسائل الأمنية.. فليس من حقه أن يعرّض حياته للتهديد والخاطر. 
 
في الديمقراطيات لا ينطق رئيس الدولة مثلما اتفق ومتى شاء بل عليه أن يستأنس بنصائح المختصين في الإتصال العاملين معه فليس من حقّه أن يكون سببا في تشويه صورته بنفسه. 
 
يبدو أن قيس سعيّد يسعى إلى الإفلات من هذه الضوابط مثل ذلك الرئيس الأسبق الذي اختار أن لا يحمل ربطة العنق وهذا هو الشعبوية بعينها في أبخس تجلياتها.. فلن يكسب صاحبها سوى أنه يشوّه منصبه وهذا ليس مرغوبا فيه ولا مستحبا لشخصية تم انتخابها من قبل 2،7 مليون تونسي. 
 
في الديمقراطيات المحترمة حين تتم دعوتك من قبل رئيس الدولة عليك أن تستجيب للدعوة إلا إذا كان رفضك ينطوي على رسالة سياسية قوية وبالغة الأهمية.. فما تعللت به عبير موسي التي اختارت عدم مقابلة قيس سعيّد، بتعلة أنها لم تكن موجودة في تونس وعليها أن تستشير الديوان السياسي للحزب، أمر  غير لائق ولا يستقيم أخلاقيا وسياسيا.  فالشخصية السياسية التي تحترم نفسها وتحترم ناخبيها كان بإمكانها أن تستشير قيادات حزبها عبر الهاتف ومختلف وسائل الإتصال المتاحة اليوم.. 
 
ليس من حق عبير موسي ولا أي شخص آخر أن يقلّل من احترامه لمنصب رئيس الجمهورية. 
 
وأوّل من عليه واجب احترام منصب رئيس الدولة هو الرئيس نفسه.. وعلينا أن نأخذ العبرة من تاريخنا القريب وكيف أن الحبيب بورڨيبة لم يغادر القصر حين تدهورت حالته الصحية وكذلك زين العابدين بن علي الذي لم يعرف كيف يتخلّص من سياستة البوليسية وأصهاره إلى جانب منصف المرزوقي الذي لا احترم منصبه ولا حاشيته المقربة ولا مستشاريه ولا مواطنه. 
 
ولأنّه من مصلحتنا أن ينجح رئيس الجمهورية الحالي في مهامه، علينا جميعا وفي مقدمتنا قيس سعيّد أن نحترم منصب رئيس الجمهورية والانصياع لإكراهاته المهنية والوظيفية والبروتوكولية والأمنية.. فلا أحد طلب من قيس سعيّد أن يصبح رئيسا فهذا كان خياره هو. الآن وقد فاز بالإنتخابات عليه أن يتحمّل مسؤوليته ويستفيد من كل الإمتيازات التي يخولها له منصبه وينصاع للإكراهات المرتبطة به.. عليه أن يهجر ذاك المقهى الشعبي وحلاق الحي وأن ينام في غرفة نوم القصر الرئاسي.. كما عليه أن يجمّع التونسيين وهذا واجب على الفريق الذي سيعمل معه أيضا حتى لا يكونوا منحازين وحتى لا يتعاملون مع أطراف دون أخرى.

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

تقرؤون أيضا

النشرة الإخبارية