alexametrics
آراء

عمليّة "نيس" ولهيب الفوانيس

مدّة القراءة : 2 دقيقة
عمليّة

 

لا شكّ أنّ خطاب الكراهيّة والإنعزاليّة هو البوّابة الشرعيّة لكلّ العمليات الإرهابيّة، ولم تكن عمليّة كنيسة نيس الفرنسيّة التي راح ضحيّتها ثلاثة أفرادا طعنا بالسكّين سوى محطّة عبور نحو حالة من الفزع والرعب والتوحّش التي يرغب المشروع الإرهابي إلى تحقيقها، وحين وقعت هذه العمليّة كان التونسيون مذعورون حتى لا يكون الإرهابي المُنفّذ تونسي الجنسيّة، فكان تونسيّا بمواصفات جديدة، فلا هو من أبناء المهاجرين من الجيل الثالث أو الرّابع، ولا هو من المقيمين، بل هو إبراهيم العيساوي ذو العشرين ربيعا "الحارق" على قوارب الموت إلى لمبدوزا الإيطالية يوم 9 أكتوبر للشهر الحالي، ومنها إلى نيس الفرنسيّة في نفس الفترة، وهو ما يعني أنّ هذا الإرهابي لم تتجاوز إقامته في مسرح العمليّة الإرهابيّة سوى أسبوعين على أقصى تقدير.

من المُستبعد أن تكون عمليّة الإستقطاب قد حصلت لهذا الشاب بعد إجتيازه للحدود، بل هو ثمرة سياق عام عاشه في تونس في مرحلة المراهقة والشباب لعشريّة الثورة في تونس ليستقطبه خطاب التحريض والتكفير والتطرّف العنيف، وهو خطاب عاشته تونس خلال هذه العشريّة مرفوقا بعمليات دمويّة، فقد وفد على فرنسا حاملا لمخزون جهادي إنتقامي، وبدل البحث عن سبل النجاح في الهجرة كما فعل غيره من شباب الحرقة، راح يثأر من مواطني بلد نشر صورا ساخرة من النّبي محمّد، فشحنت العالم الإسلامي بقيادة المهوس بزعامة العالم السنّي طيب رجب أردوغان وتوظيف سياسي مزدوج: بين أردوغان والإسلام السياسي لكسب قلوب الملايين من المسلمين، وبين ماكرون وأجندته السياسيّة في إستمالة اليمين الفرنسي والتصدّي للتغوّل التركي في ليبيا وشرق المتوسّط.

جاءت عمليّة نيس لتحرق فوانيس شباب الثورة، فهذا الإرهابي هو نموذج لجيل كامل من شباب الثورة التي أفشلتها منظومة حكم هاوية: مائة ألف منقطع عن الدّراسة سنويّا يدخلون قوائم المعطّلين، ويعيشون أجواء من الشحن السياسي والدّيني يدفعهم للتطرّف العنيف، فيهاجر عشرات الألاف منهم عبر قوارب الموت نحو الضفّة الشماليّة لإيطاليا وفرنسا، وبعضهم وهو يحمل معه تطرّفه العقائدي سيكون عاجزا على التعايش مع الأديان الأخرى والثقافات الأخرى، لتنفجر منه قوّة تدميريّة بفعل أوامر توجيهيّة مباشرة أو غير مباشرة، أو بفعل مظاهر يراها إستفزازيّة لمشاعره الدّينيّة والعقائديّة.

لم تكن عملية ذبح المدرّس الفرنسي على يد إرهابي شيشاني سببا مباشرا للحرب التي تخوضها الحكومة الفرنسيّة ضدّ "الإنعزاليّة الإسلاميّة"، بل هو مشروع شامل اشتغلت عليه الحكومة الفرنسيّة منذ سنة 2017، شارك فيه مختصّون في الأمن وعلماء الإجتماع والنفس، وخلص المشروع إلى تقرير مطوّل لخّصه ماكرون في خطابه يوم 2 أكتوبر بالقول "أن المشكلة هي الإنفصاليّة الإسلاميّة في هذا المشروع السياسي الدّيني، والذي يتجسّد في إنحرافات متكرّرة عن قيم الجمهورية.. إنه تلقين عقائدي يتمّ من خلاله نفي مبادئ الجمهورية.. المشكلة هي هذه الإيديولوجيا التي تؤكّد أنّ قوانينها أعلى من قوانين الجمهورية.. تم إغلاق 212 مؤسسة و15 مكان للعبادة و4 مدارس و13 جمعية خارجة عن القانون"، ولذلك كانت المقترحات التي ستعرض على مجلس الوزراء في 9 ديسمبر هي تفكيك هذه الكنتونات المجتمعية المنعزلة وحل جمعياتها وفرض التعليم المدني على المنقطعين ومنع التعليم الديني الذي يرفض المساواة وينتهك حقوق المرأة... وهي مقترحات قيل أنّها جاءت في سياق المواجهة مع تركيا الأردوغانية ودعمها للإسلام السياسي في المنطقة المغاربيّة وإختراق الساحة الفرنسيّة.

ويبدو أنّ عمليّة نيس الإرهابيّة سيكون لها تأثير مباشر على تونس، ففي فرنسا وحدها لدينا قراية 800 ألف مهاجر، دون احتساب المقيمين بصفة غير شرعيّة، يضاف إليهم قوافل الحارقين في محتجزات لمبدوزا الإيطاليّة ومليلة المغربية، وهو ما سيجعلهم يعيشون جحيم الرقابة الأمنية والمطاردات والتسفير نحو تونس بسبب الشبهة فقط، فليس من مصلحتنا إستعداء فرنسا، ولكن من واجبنا متابعة ظروف مهاجرينا حتى لا يتعرضوا للإنتهاكات، والإحاطة بهم وتوعيتهم بضرورة إحترام نواميس الدولة التي يعيشون بها ليحتفظوا بصفة المواطنة وما لها من حقوق وواجبات..

بيد أنّ السياق السياسي في تونس لا يشجّع على تشخيص الأزمة في ظل أطراف سياسيّة تحرّض على الإرهاب وتبثّ خطابا تبريريّا لمختلف العمليات الإرهابيّة بدعوى الإنتصار للنّبيّ محمّد والإنتقام من خطاب ماكرون، ومن نافلة القول أنّ خطاب التطرّف الدّيني في تونس صار رائجا بشكل لافت في وسائل التواصل الإجتماعي أمام صمت السلطة القضائيّة في تحريك الدعوى تجاه خطابات التحريض والتبرير التي تصدر عن نوّاب في البرلمان وشخصيات مؤثرة في أتباهم، وهذا الخطاب هو الذي صنع الإرهابي إبراهيم العيساوي وغيره من الذئاب المنفردة القادرة على التحرّك العملياتي بسهولة في كل لحظة وفي كل مكان.

كلّ له حساباته في توظيف المقدّس الدّيني لتحقيق الأمن والأمان.. هم خائفون ونحن تائهون، وعالم الخوف والتيه يُولّد خطاب الكراهيّة فيُثمر العنف.. وليس القتل والموت قدرا لأنوار الثورة والثوّار لا في تونس ولا في فرنسا، حتى يُدرك الجميع أنّ ثقافة الإختلاف والمصالح مُمكنة بنزع أسباب الخوف وفهم الآخر والتعايش معه..

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter