alexametrics
آراء

فضيحة جديدة إسمها "سامي الفهري"

مدّة القراءة : 4 دقيقة
فضيحة جديدة إسمها

 

 

في كل الديمقراطيات الحقيقية والمحترمة، فإن أي وزير فشل في خطته أو اخترق القانون أو كان محل متابعة قضائية أو شبهة فضيحة، فإن عليه وجوبا الإستقالة من منصبه والإنشغال بأي شي آخر ما عدا الشأن العام.. في الديمقراطيات التي تحترم نفسها، فإن الوزير يكون مثالا يحتذى للإستقامة والنزاهة ولا ينطق عبثا ولا يرتاد الأماكن المشبوهة ولا يخالط أيا كان.. لكننا في تونس نُعتبر على الورق دولة ديمقراطية ولدينا وزير يُعنى بهذا الشأن بل إن هذا الوزير له رتبة وزير دولة، وهذا يعكس الإهتمام الذي نوليه في تونس، (على الورق دائما) لصورة هذه الديمقراطية المحترمة بل المثالية.

 

لكن على أرض الواقع، فإن ممارستنا للديمقراطية مناقضة تماما للجانب النظري. فوزير الدولة المكلف بالحوكمة وقف عاجزا (إلى غاية الآن) والسخرية من كل الانتقادات الموجهة إليهم بسبب تصرفاتهم واللامبالاة في علاقة بعدم احترامهم لتعهداتهم والتزاماتهم قبل تعيينهم في منصبهم الوزاري وبعده.. إلى غاية اليوم سجلنا ثلاث فضائح لأعضاء في الحكومة يعتقدون أنهم فوق القانون.. رغم التهجم الكبير الذي يتعرضون له على مواقع التواصل الإجتماعي وحتى من بعض وسائل الإعلام التي استنكرت وأدانت خروقاتهم المحتلفة، فإن أسلوب الإدانة المباشر والصريح لم ينفع معهم.. إذ أظهر هؤلاء الوزراء أنهم لا يخجلون من تصرفاتهم المشينة كما لو أن شيئا لم يكن.. لذلك كان على أنور معروف وصالح بن يوسف ومنجي مرزوق تقديم استقالاتهم.. بل على إلياس الفخفاخ أن يطالبهم بالإستقالة .. حتى ولو كانوا أكفاء وطيبين وناجعين فإن عليهم التخلي عن مناصبهم الوزارية ليكونوا مثالا يحتذى على أمل استعادة ثقة الشعب في مسؤوليه وحكّامه.. قد يخسر الفخفاخ شيئا من نجاعته، برحيل هؤلاء الوزراء الثلاثة، لكن التاريخ سيخلّد إسمه بفرضه إستقالتهم. فبمثل هذه الإستقالات سنتمكن من أخلقة الحياة العامة ومن تأسيس ديمقراطية حقيقية ومحترمة واسترجاع الثقة في الطبقة السياسية.

 

يُذكر أن أنور معروف كان سلّم سيارته الوظيفية (من نوع أودي) لابنته التي قامت بحادث مرور وهي تقودها. أما صالح بن يوسف فقد تفاوض بشأن صفقة مع أحد الصناعيين، في حين قام منجي مرزوق بخرق الحجر الصحي، إذ غادر أرض الوطن (في رحلة مخصصة حصريا لإجلاء مواطنين فرنسيين) للاحتفال بعيد الفطر مع أفراد عائلته.

 

الفضيحة الأخرى التي عرفتها نهاية الأسبوع المنقضي جاءت على إثر بيان صادر عن جمعية القضاة التونسيين التي أشارت فيه إلى إخلالات شابت المسار الإجرائي لقضية سامي الفهري. فقد أثارت الجمعية  خطورة ما أبان عليه التعاطي القضائي مع القضايا المرتبطة بالمتهمين من النافذين سياسيا وماليا وإعلاميا دون بقية القضايا الأخرى، من اختلافات والتباسات بلغت حد التناقض في تطبيق أحكام مجلة الإجراءات الجزائية والمس من مبدأ مساواة الجميع أمام القانون ووحدة النظام الإجرائي الجزائي.

 

هذا البيان لجمعية القضاة صدر بضعة أيام بعد إيقاف برنامج مريم بالقاضي على قناة الحوار التونسي التي يدير شؤونها سامي الفهري.. الساذجون فقط يؤمنون ويعتقدون في الصدف في السياسة.. فإيقاف برنامج سياسي وظهور فضيحة التعاطي القضائي مع المسؤول عن القناة التي تبث هذا البرنامج لا يمكن أن يكونا محض صدفة بريئة.. دون أن نغفل عن أن كل هذا يحدث بعد أسابيع قليلة من إجهاض محاولة قام بها ائتلاف الكرامة (نسخة  أخرى لنواب النهضة وبالتالي للإسلام السياسي في البرلمان) من أجل تغيير القانون المتعلق بالسمعي البصري.. فالمسألة واضحة وضوح الشمس وليست في حاجة إلى تفسير أو تحليل.

 

يبدو أن تشويه سامي الفهري وقناته وبرامجه ومسلسلاته، أصبح رياضة وطنية استقطبت اهتمام القاصي والداني .. من ميزات هذا الإعلامي العصامي أنه انطلق من الصفر في المشهد التلفزيوني .. كانت مسيرته مفروشة بالصعوبات والعراقيل .. وأمام الأبواب الموصدة في القناة العمومية، خطرت له فكرة لاقتحام تلك الأبواب وذلك عبر الدخول في شراكة مع أحد رموز النظام السابق أي بلحسن الطرابلسي، صهر الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي. فقد تحايل على القانون أو اخترقه (لا أحد يعرف الحقيقة كاملة) رغم مرور عشر سنوات على تلك الأحداث.. كل ما نعلمه هو أنه لم يصدر حكم قضائي ضده إلى الآن وبالتالي فيفترض أنه بريئ حتى تثبت إدانته. بعد الثورة، سعى البعض من خلال إقامة المحاكم الشعبية، إلى تحطيم سامي الفهري كلما حاول أن ينهض من جديد .. وأمام إرادته وعزيمته القوية، تم الزج به وراء القضبان لمدة فاقت العام، دون أي إدانة، وذلك خلال الفترة 2012-2013 .. في تلك الفترة لم يكن القضاة متفقين حول الإجراءات المتبعة وقد أشار بعضهم إلى إخلالات إجرائية عديدة. ومع ذلك لا يمكن التأكيد على أن إطلاق سراحه تم على إثر صفقة مع الإسلاميين الذين كانوا يدعونه إلى تعديل خطابه والتخفيف من حدة برامجه تجاههم. على إثر دخوله السجن دون إدانة، تعامل الفهري في برامجه مع بعض المعلقين من أمثال المحامي الإسلامي والسجين سابقا، شكيب الدرويش.

 

في 2019 وهي سنة انتخابية بامتياز، اختار سامي الفهري من خلال قناته التموقع ضد الإسلاميين وإدانة سياسة الحكومة المتخلية برئاسة يوسف الشاهد. فتمت دعوته في عديد المناسبات إلى التعقّل بل وصل الأمر إلى حد تهديده بالزج به في السجن مجددا، وذكر حتى التاريخ المحتمل لذلك، لكن سامي الفهري تمسّك بخطه التحريري.

 

مباشرة بعد الإنتخابات، وتطبيقا لتلك التهديدات، وجد القهري نفسه  موقوفا ثم في حالة سراح قبل أن يعاد الزج به ثانية في السجن. ومثلما كان الأمر في 2011 ثم في 2013 فقد رفض سامي الفهري في 2019 الهرب إلى خارج أرض الوطن خلافا لما كان سيفعله أي صاحب مؤسسة إعلامية في حالة تهديد.. غير أنه فضّل البقاء في تونس ومنح ثقته للقضاء .. قام البعض بتشوييه في مرات عديدة وألّبوا ضده الرأي العام .. حتى أن صحيفة فرنسية (معروفة) وجهت له التهم دون الإشارة إلى كونه سجينا بلا أي إدانة تذكر. كان الجميع ضده فقط لأن البعض لم يرق لهم شخصيته وخطه التحريري .. كان من الأريح الاعتقاد في أنه مذنب وبأنه فاسد طالما هو وراء القضبان.

 

الإيقاف الفجئي للبرنامج السياسي لمريم بالقاضي المعروفة باستقلالية مواقفها وصدور بيان جمعية القضاة التونسيين غيّرا الكثير من تلك القناعات.. فقد صارت الشكوك تحوم حول ظروف وأسباب الزج به في السجن .. فالأمر لم يعد يتعلق بالمال (حسب ما ذكرت لوموند) ملما يعتقد ذلك الكثيرون، ولكن هي قضية صحافة. يبدو أن سامي الفهري بصدد التفاوض حول إطلاق سراحه بعد إيقاف أبرز برامجه الذي سبب عديد المشاكل للإسلاميين وشركائهم.

 

العلاقة السببية واضحة وجلية، مهما قال القضاة المسؤولون عن إيقاف سامي الفهري وهذا في حد ذاته يعتبر فضيحة .. بل الفضيحة الكبرى، لأنه في غياب العدالة، لا يمكن الحديث عن الديمقراطية ولا الحريات ولا حتى الدولة.

 

هناك من يحاول اليوم إسكاتنا وتكميم أفواهنا .. الحكومة الحالية والتي تفكّر بصفة جدية في إيجاد حلول لإنقاذ قطاع الصحافة، هي بدورها تعاني أزمة داخلية ساهمت في تفككها.. لكن شئنا أم أبينا لا يمكن إرساء الديمقراطية في غياب الإعلام الحر والقضاء المستقل.   

 

اليوم وعلى ضوء بيان جمعية القضاة التونسيين، ليس سامي الفهري فقط هو السجين، بل هم بصدد خنق حرية الصحافة وانتهاك استقلالية القضاء. 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter