alexametrics
آراء

قيس سعيّد لم يعد هو الحل

مدّة القراءة : 6 دقيقة
قيس سعيّد لم يعد هو الحل

 

بعد عامين من العمل المتواصل دون أخذ أدنى قسط من الراحة، أعود إلى البلد الذي لا يحترم فيه المواطنون والناس عامة، المترجلين ولا إشارات المرور ولا التباعد الجسدي ولا ارتداء الكمامات التي يفرضها الوضع الصحي ولا طوابير الانتظار ولا القوانين .. بلد لم يجد فيه مفهوم التحضّر مكانا له بعدُ في عادات المجتمع .. أعود إلى بلد حيث، وبكل اختصار، لا يحترم فيه الناس بعضهم البعض. حيث الكل ينتقد الكل دون أن ينتقد أو يُحاسب أحد نفسه .. بلد يطالب فيها الشعب قياداته بأن يكونوا مثل أنجيلا ميركل دون أن يتحلّى المواطن التونسي ذاته حتى بنسبة 1 بالمائة من خصال المواطن الألماني .. والآن كفى جلدا للذات فهذا هو واقعنا وعلينا التعامل معه والتعوّد عليه.

 

الأسبوع الماضي كان حافلا بالأحداث .. بالأمس خرج حوالي 20 ألف شخص للتظاهر في الشوارع للتعبير عن مساندتهم وحبّهم للرئيس قيس سعيّد.

 

بعد انقضاء أكثر من شهرين من الإنتظار، أصبح لدينا رئيسة للحكومة، بما أنه وقع الإختيار على امرأة وهو خيار نثمّنه.

 

على صعيد آخر قامت أمس الأحد فرقة أمنية مختصة في مقاومة الإجرام بإيقاف عنصرين إسلاميين متشددين .. أحدهما هو عامر عيّاد الإعلامي في قناة الزيتونة غير المرخص لها والثاني هو النائب عن ائتلاف الكرامة عبد اللطيف العلوي .. أما التهم المنسوبة لهما فهي التآمر على الدولة، على إثر البرنامج التلفزي الذي بثته يوم الجمعة الماضي هذه القناة ذات التوجه الإسلامي.

 

الحدث الآخر الذي مرّ نسبيا مرور الكرام هو استنطاق المهدي بن غربية لمدة لا تقل عن 13 ساعة وقد تجنّد لذلك عشرات الأعوان.

 

فلنبدأ بالأخبار السارة .. عبارات الدعم والمساندة للرئيس والتي عبّر عنها ما لا يقل عن 20 ألف متظاهر (هذه الأرقام أفادتنا بها مصادر أمنية بالإعتماد على أجهزة "الدرون")، تبرز أن قيس سعيّد يمر حاليا بفترة إيجابية ويضع كل شروط النجاح لفائدته من أجل تحقيق أهدافه .. وهذه الأرقام تأتي منسجمة مع الأرقام الصادرة خلال الأسبوع المنقضي عن عملية سبر الآراء التي تنجزها شهريا مؤسسة "إيمرود" و"بيزنس نيوز" وقناة "التاسعة".

 

قيس سعيّد يحظى بما يشبه التفويض من قبل "الشعب" الذي يطالب منتقدي الرئيس ومعارضيه بأن يصمتوا ليتركوه يعمل .. ممنوع الإفصاح بأي عبارة ضد الرئيس .. ممنوع التشكيك في صدقه ونزاهته .. ممنوع التشكيك في قراراته .. ممنوع التوجه له بالسؤال أو حتى توجيه أي انتقاد ضده.

 

ومن حقنا هنا، بل من واجبنا أيضا، كصحيفة سياسية، أن نسأله وننتقده ونطرح عليه الأسئلة التي لا تروق له وأن نشكك في بعض قراراته وأن نرفض هذا التفويض وهذا الصك على بياض الذي منحه له أنصاره.

 

قام الرئيس بتعيين امرأة رئيسة للحكومة .. بادرة هي الأولى في العالم العربي تستحق الإشادة .. ولكن ماذا بعد ذلك ؟ ما الذي نحن بحاجة أكثر إليه ؟ امرأة رئيسة للحكومة أو شخصية (سواء رجلا أو امرأة) كفأة وقادرة على إخراج البلاد من حالة الركود التي تتخبط فيها ؟ صحيح أنها هذه المرة الأولى التي تتقلّد فيها امرأة منصبا في هذا المستوى الرفيع، لكن منذ عقود وتونس تشهد تعيين نساء في مناصب عليا .. فقد عرفت البلاد نساء وزيرات منذ عهد الحبيب بورقيبة .. ثم نساء عضوات في البرلمان وحتى نائبة لرئيس البرلمان في عهد بن علي .. تونس تزخر منذ عشرات السنين بالنساء صاحبات الأعمال، بل أن سيدة ترأست منظمة الأعراف في عهد الترويكا ..

 

الترحيب بتعيين نجلاء بودن حرم رمضان شيء إيجابي ومهم بالنسبة لكل ناشط تقدّمي مدافع عن حقوق المرأة، لكن أن يقال إن نجلة بودن شخصية كفأة وقادرة على إنقاذ البلاد فهذا يكون أفضل. لكن وحتى إن أغضب هذا أنصار قيس سعيّد، فإنه لا يمكننا القول إن السيدة بودن حرم رمضان هي الشخصية المناسبة في المكان المناسب .. فنحن لا نعرف شيئا عنها ولا عن برنامجها .. وبكل صراحة هناك بعض الشكوك حول امتلاكها لبرنامج ما .. لأن الأمر الرئاسي 117 يجعل منها مجرّد منفّذة للأوامر وليست قائدة أو قيادية .. من حقنا أن نطالبها بالبرنامج الذي تعتزم تنفيذه وأن تكشف لنا عن الوجهة التي ستتبعها وأن تخبرنا عن حلولها من أجل دفع رواتب الموظفين وخلاص القروض.

 

قيس سعيّد يحظى بشعبية كبيرة لكنها لن تدوم طويلا لأن هذا "الشعب" سينتهي به الأمر بأن يستيقظ يوما من سباته ليطالب بدوره قيس سعيّد بالأفعال والأعمال الملموسة.

 

منذ 25 جويلية 2021 لم نسمع سوى أقوالا وتصريحات ولا شيء ملموس.

 

ما يراه الخبراء والمحللون ولا يراه "الشعب" (إلى غاية الآن) هو أن الرئيس ليس له أية خطة أو حتى أدنى فكرة، لحل المشاكل الإقتصادية والسياسية للبلاد.

 

كيف سيتمكّن من توفير رواتب الموظفين لشهر جانفي 2022 (وحتى ديسمبر 2021) .. ماهي ملامح قانون المالية لسنة 2022 .. كيف سيواجه الإرتفاع المشط في أسعار المحروقات (ارتفاع غير متوقع في قانون المالية لسنة 2021) .. كيف السبيل إلى إيجاد حل لعجز الميزانية .. ماهو الحل لحث المستثمرين على خلق القيمة المضافة .. ماهي الحلول العملية والملموسة للحد من التضخم وهو الذي تعهّد بأن يدافع عن القدرة الشرائية للتونسي ؟ .. أسئلة عديدة لا جواب عنها لدى رئيس الجمهورية .. لماذا ؟ لأنه بكل بساطة يفتقد للجواب .. وليست نجلاء بودن هي التي تحمل معها الجواب .. للرد على كل هذه الأسئلة يجب اتباع طريق معيّنة ومواجهة الصعوبات الهيكلية للبلاد .. لكن قيس سعيّد ليس بصدد توخّي هذا النهج كما أنه لم يتطرق أبدا إلى المشاكل الهيكلية .. فهو لا يتحدث إلا في العموميات ولا ينطلق إلا بشعارات رنانة يهدف من خلالها إلى الحصول على تصفيق "الشعب" .. لكن حين تُدعى إلى الابتعاد عن الشعبوية وإلى أن يتحلى بالواقعية ويحدثنا عن جوهر الأشياء، تراه يختفي ويتبخّر .. ليس غريبا أن يتهرّب من الخوض في الصعوبات الإقتصادية وهو الذي لا يفرّق بين الملايين والمليارات.  

 

على الصعيد السياسي، لم نقم أيضا بأي خطوة إلى الأمام .. بل أسوأ من ذلك، لقد تقهقرنا .. أصدر الأمر الرئاسي عدد 117 الذي يمكّنه من الاستحواذ على غالبية النفوذ، لكنه لا يفصح أبدا عن المدة التي ستستغرقها هذه الفترة المؤقتة .. نحن نجهل متى سنتوجّه نحو صناديق الإقتراع لانتخابات سابقة لأوانها .. ونجهل متى سيكون لنا برلمان على غرار كل دول العالم، بما فيها الأنظمة الدكتاتورية .. كما أن لدينا شكوكا جدّية في ما بتعلّق باحترام الحريات.

 

في مجال الحريات، سجلت تونس تراجعا واضحا منذ 25 جويلية 2021. إيقاف عامر عيّاد وعبد اللطيف العلوي ليس سوى دليلا آخر على ذلك .. نختلف معهما في عديد الأمور كما لا نقاسمهما المبادئ ذاتها إذ من المؤسف وصف رئيس الجمهورية بكونه شقيق هتلر والتلميح إلى أنه "ابن غير شرعي" .. لكن كل هذا لا يستوجب الزج بهما في السجن حتى ليوم واحد. هناك خطوط حُمر لا يجب تجاوزها وقد تم تجاوزها بالأمس .. عيّاد والعلوي يستحقان العقاب من أجل أقوالهما لكن من غير المقبول أن يزج بهما في السجن من أجل ذلك.  

 

لماذا تم الزج بهما وراء القضبان ؟ لأن هناك من سيبتهج لهذا الأمر، نظرا لأن طائفة كبيرة من الشعب تكره هذين الرجلين الإسلاميين المتشددين .. هذا يذكّرنا ببداية 2011 (مباشرة بعد 14 جانفي)، حين انخرط النظام القائم آنذاك في القبض على "أزلام" النظام السابق .. والحال أنه ليس بهكذا تصرفات نشيّد دولة القانون.

 

في سياق متصل تم خلال الأسبوع الماضي استنطاق المهدي بن غربية طوال عدة ساعات من قبل عشرات الأعوان .. قاضي التحقيق لم يجد شيئا يستحق الذكر وقضى بإطلاق سراحه والإفراج عنه .. لكن إلى متى ؟ فهو تحت الرقابة الأمنية المشددة ويبدو أنه سيتعرض للمزيد من المضايقات. لماذا؟ .. لأن "الشعب" يتلذّذ بملاحقة الأثرياء وإلقاء القبض عليهم .. لأن ملاحقة رجل سياسي ثري تساهم في تحسين شعبية الحاكم في نتائج سبر الآراء .. في هذه الحرب على الفساد، لا يهم إن كنت فاسدا أو لا، المهم أن يتم تداول إسمك إعلاميا، للتظاهر بأن من في الحكم بصدد عمل شيء ما. وهو تماما ما شهدناه في 2011 .. نختار مذنبا ما ثم نبحث عن الأدلة لإدانته.

 

من خلال استهدافه لمهدي بن غربية، فإن قيس سعيّد يعتقد أنه سيقدّم "قربانا" لل"شعب" دون أن يتأكد إن كان الرجل نزيها أو لا، مذنبا أو لا .. ومع ذلك فإن الرئيس يستقي أخباره من صحف الإثارة وبعض الصحفيين غير الجديين ويسلّم بما يقولون في حربه ضد الفساد.

 

ما يقوم به سعيّد مع المهدي بن غربية، كان قام به مع شوقي الطبيب ومفدي المسدّي وغيرهما ممّن تم وضعهم قيد الإقامة الجبرية دون معرفة السبب، لأنهم واثقون في نزاهتهم ويعلمون أنهم لم يخرقوا القانون وكذلك الشأن بالنسبة إلى الممنوعين من السفر.

 

أقولها مجددا، في عهد قيس سعيّد يتم اتباع الشعار التالي: "أنت مُذنب إلى أن يثبت العكس".

 

لو كان قيس سعيّد رجل دولة بالفعل ورجل قانون (رغم أنه أستاذ في القانون)، لأدرك أن كل شخص بريء حتى تثبت إدانته (هذا من المبادئ الجوهرية في القانون) ولأدرك أنه لا يحق له تقييد حرية شخص ما دون قرار قضائي ..

 

مهدي بن غربي، مفدي المسدّي، شوقي الطبيب، عامر عيّاد، عبد اللطيف العلوي وغيرهم، ليسوا إلا مقدّمة لما ينتظرنا جميعا. وهنا إعيد نشر مقولة للراحلة فرنسواز جيرو: "هكذا تبدأ الفاشية .. لا تعلن عن نفسها .. نراها تزحف وتطير .. وحين تطلّ برأسها نقول هل هذه هي ؟ هل تعتقدون ذلك ؟ لا تبالغوا ! ثم في يوم ما تنقضّ علينا ويكون قد فات الأوان لطردها".

 

اليوم يقبع إسلاميان في السجن من أجل عبارات مسيئة تفوّها بها .. كان بإمكاننا التعجّل بالقول "ذلك جزاء ما اقترفاه" وهنا يكمن الخطر لأن الأمر يتعلق اليوم بأعدائكم الذين يقبعون وراء القضبان من أجل أسباب واهية وسيكون غدا دوركم أنتم.

 

غدا وهذا سيحدث إذا واصلنا على هذه الشاكلة، ستحدّثكم بيزنس نيوز عن السماء الزرقاء الصافية والعصافير التي تزقزق .. لن يكون مسموحا لنا بنشر مقالات من نوع "سعيّد/ماكرون: اتصال هاتفي واحد وروايتان !" أو "ما لم تكشف عنه رئاسة الجمهورية بخصوص المكالمة الهاتفية بين سعيّد وميركل" ولا مقالات الرأي مثل الذي تقرؤونه الآن .. غدا لن تقرؤوا تحت مقالات بيزنس نيوز وحتى في موقع التواصل الإجتماعي "فايسبوك" سوى التعاليق التي تمدح وتطبّل للنظام أو تلك التي تتحدث عن الطقس .. لن يكون هناك آراء ومواقف متناقضة .. سيتم صنصرة كل شي (وأعدكم بذلك) لن يبقى سوى رأي الرئيس، المقيم بقصر قرطاج (احذروا من استخدام عبارة (ساكن قرطاج) فقد تغضب سيادة الرئيس.

 

هذه التوجه الذي فرضه علينا قيس سعيّد اليوم .. لقد صفقتم لأن قراراته التي أعلنها يوم 25 جويلية أنقذت البلاد (وهي كذلك بالفعل وأنا أصفق لها معكم) لكن كل ما جاء بعد 25 جويلية (وخاصة يوم 22 سبتمبر) كان سيئا.

 

بعيدا عن البعد الفرجوي الذي اتخذته تصريحاته المعلن عنها، فإن تونس اليوم في عهد قيس سعيّد يوجد بها أشخاص ممنوعون من السفر، دون معرفة السبب وآخرون تحت الإقامة الجبرية، دون معرفة السبب وغيرهم في السجون، لأسباب واهية .. ليس لدينا برلمان .. لا علم لنا بموعد الإنتخابات المقبلة .. ليس لنا قانون للمالية .. نفتقد لوضوح الرؤية في المستقل، باستثناء بعض الإجراءات المقيّدة للحريات التي أعلنها مؤخرا .. قدّموا لي ما يعكس وضوح الرؤية لدى سعيّد بالنسبة إلى المستقبل وسأصفّق له معكم !

 

لكل هذه الأسباب وبسبب انعدام وضوح الرؤية والرسائل السلبية الموجّهة إلينا، فإن قيس سعيّد لا يمكن أن يمثّل الحل لبلادنا .. وأرجو أن أكون مخطئا في تقديري هذا.

 

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter