alexametrics
آراء

كيف فعل يوسف الشاهد للخروج من الباب الصغير ؟

مدّة القراءة : 7 دقيقة
كيف فعل يوسف الشاهد للخروج من الباب الصغير ؟

 

أخيرا تم التوصّل إلى الحل في شكل وصفة سحريّة بفضل قيس سعيّد رئيس الجمهورية.. لن نلجأ لحلّ البرلمان ولن يكون هناك جدل حول تأويل الدستور مع مشاركة حركة النهضة في حكومة إلياس الفخفاخ الفخفاخ. 

 

الإثنين الماضي كانت الأزمة في أوجها وكانت الكرة بين يدي قيس سعيّد المطالب وقتها بتقرير مصير البلاد.. كانت غالبية الناس ومنهم أنا نتوقّع أن يخدم مصالحه الشخصية ويعمد إلى حل البرلمان أو التراجع عن خياره الأول وتعيين شخصية ثانية خلفا للفخفاخ.. لكنه اختار في الأخير أفضل الحلول وأكثرها حكمة وتعقّلا رغم أننا لم نكن ننتظر ذلك منه وهو تشريك منظمة الأعراف (اتحاد الصناعة والتجارة) والمركزية النقابية (اتحاد الشغل) في المشاورات والمفاوضات.. وهذا يحيلنا إلى سنة 2013 والحوار الوطني الذي أفضى إلى حكومة وفاقية برئاسة المهدي جمعة لتحرز تونس على جائزة نوبل للسلام تتويجا لجهود منظماتها الوطنية. لكن بالعودة إلى الخطابات الشعبوية لقيس سعيّد قبل وخلال الحملة الإنتخابية وبعدها، كنا ننتظر كل شيء سوى تشريك اتحاد الشغل ومنظمة الأعراف خاصة وأنه كان يعتبرهما سبب المشاكل.. 

 

فالإتحاد العام التونسي للشغل الذي يتعرّض دائما للهجوم بسبب إضراباته المتكررة، كان هذه المرة مجددا وراء الحل لأزمة سياسية خطيرة كادت تعصف بالبلاد. 

 

حتي إتحاد الصناعة والتجارة الذي توجّه التهم لأعضاء مكتبه، بنهب ثروات البلاد وارساء اقتصاد قائم على الجشع وإحكام بعض العائلات قبضتها على رؤوس الأموال والأعمال، كان هو الآخر طرفا في إيجاد الحل للأزمة السياسية القائمة..

 

بالاستنجاد بنور الدين الطبوبي وسمير ماجول، أظهر قيس سعيّد أنّه يتحلّى بنظرة ثاقبة وقدرة فائقة على تحمّل المسؤولية.. فقد أقرّ، دون التصريح بذلك، بفشله في إقناع مختلف الأطراف بضرورة الجلوس حول طاولة واحدة وإيجاد الحل المناسب. وعوضا عن الهروب إلى الأمام وتحميل الأحزاب مسؤولياتها أمام الشعب واستغلال الفرصة لنفسه، التجأ قيس سعيّد لطرف ثالث ليلعب دور الحكيم.. وهذا ليس بالأمر الهيّن بالنسبة إلى رئيس للجمهورية لأنّ وساطات من هذا القبيل يفترض نظريا أن لا تتم إلا في قصر قرطاج. 

 

من الهام جدا إعطاء ما لقيصر لقيصر ورفع القبّعة لقيس سعيّد وسمير ماجول ونور الدين الطبوبي على ما قاموا به من جهود خلال الأسبوع الماضي من أجل إيجاد حل ولو بصفة وقتيّة لأزمة سياسية كبرى طالت أكثر من اللزوم.

 

الأربعاء 26 فيفري ينتظر أن يمسك إلياس الفخفاخ بمقاليد الحكم إلا في صورة حدوث مفاجأة في اللحظات الأخيرة. إنها صفحة جديدة ستفتح مع إلياس الفخفاخ الذي لم يبلغ بعد الشعبية المأمولة.. فهو لم يكن مرغوبا فيه من الأحزاب الممثلة في البرلمان (بإستثناء بسيط) كما راكم الأخطاء السياسية، فضلا عن نتائجه الهزيلة في الإنتخابات. ومع ذلك فإن التاريخ يعلّمنا أن البدايات الضعيفة ليست دليلا على الفشل إذ بإمكانه تدارك الأمر بسرعة لو أنه أحاط نفسه بأشخاص أكفاء. قد يكون من الأفضل أن تكون الإنطلاقة ضعيفة.. لأن من سبقه على رأس الحكومة أي يوسف الشاهد كان بدأ بقوّة مع سند قوي من معظم الطبقة السياسية فهو شاب، علماني وغير تآمري الطباع.

اختاره الراحل الباجي قايد السبسي ليرأس الحكومة يوم 3 أوت 2016 (وللتاريخ رمزيته باعتباره يوافق ذكرى ميلاد الزعيم بروقيبة). في ذلك اليوم حظي يوسف الشاهد بتزكية وموافقة رئيس الدولة وبمساندة حركة نداء تونس وبثقة طيف واسع من الطبقة السياسية والمنظمات الوطنية ومكونات المجتمع المدني.

 

لم يكن لحركة النهضة اعتراض عليه كما تعهّد حزب التيار الديمقراطي بدعمه لو كان صادقا في برنامجه ولا سيما في ما يتعلّق بالحرب على الفساد.

 

بالنسبة إلى وسائل الإعلام كان ينظر له على أنه ذلك الرجل النزيه "وولد عايلة"، (والعبارة لزياد كريشان) قبل أن يتحوّل في نظر الكثيرين إلى "الرجل المنقذ" بفضل مستشاره الإعلامي مفدي المسدّي. كان ينتظر أن ينقد البلاد ليجعل من تونس سويسرا منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

 

من حيث نتائجه في سبر الآراء، تصدّر الشاهد لمدة طويلة قائمة السياسيين ليبلغ نسبة 68.9 بالمائة وذلك في مارس 2017 أي بعد أيام فقط من إيقاف شفيق الجراية.. في مارس 2019 كانت نوايا التصويت لفائدته في حدود 19.3 بالمائة بالنسبة إلى الرئاسية مقابل 12.1 بالمائة لفائدة قيس يعيّد.

 

من ناحية القدرة على التحمّل فهو يمتلك الرقم القياسي منذ الثورة من حيث فترة بقائه في القصبة .. فكيف فعل رئيس الحكومة بعد كل هذا الدعم والإحترام والتقدير، لتتراجع شعبيّته إلى 7.38 بالمائة في الرئاسية و4.08 بالمائة في التشريعية في خريف 2019؟ .. ماذا فعل ليصبح منبوذا من الطبقة السياسية ومن التونسيين (باستثناء ربما 116 ألف صوّتوا لفائدة حزبه) ؟.

 

كيف يمكن لمن دخل من الباب الكبير للقصبة أن يخرج منه ضعيفا منهكا؟ فالسياسة لا تفعل هكذا بكل السياسيين.

 

أوّل من تعرّف عن قرب على طبيعته وطباعه وحدوده السياسية والفكرية، كان هو الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي .. كلّنا يتذكّر المقولة الشهيرة لجايمس كلارك والتي استحضرها الفقيد في خطابه يوم 31 جويلية 2018 بمناسبة الندوة السنوية لرؤساء البعثات الدبلوماسية والقنصلية حين قال "رجل السياسة يفكّر في الإنتخابات المقبلة ورجل الدولة يفكّر في الأجيال القادمة" .. بعد أقل من سنة أدرك الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي أنه أخطأ حين اختار يوسف الشاهد لرئاسة الحكومة.. وقد كانت تلك العبارات بمثابة الحُقنة ليعيده إلى رشده.

 

وبالنظر إلى نبوغه الإتصالي، فقد استغلّ يوسف الشاهد تلك الحقنة لمصلحته، ليُقنع الجميع (وقد نجح في ذلك) بأنّ الباجي قايد السبسي كان يسعى إلى القضاء عليه لإخلاء السبيل لنجله حافظ قايد السبسي. فالرئيس الراحل طالما أكّد مرارا أنه ضد التوريث في السلطة ومع الإحترام التام للديمقراطية وللدستور، لكن للأسف لم ينصت إليه أحد.

 

المقولة الشهيرة لأبراهام لينكولن تبقى سارية المفعولة إلى غاية يومنا هذا: "يمكننا مغالطة جزء من الشعب طوال الوقت وكل الشعب لفترة ما لكن لا يمكن مغالطة كل الشعب طوال الوقت" .. بعد الباجي قايد السبسي تفطنت الطبقة السياسية والمنظمات الوطنية ووسائل الإعلام إلى أكذوبة إسمها يوسف الشاهد الذي يدين بما بلغه لراشد الغنوشي خلال الحوار الوطني (وثيقة قرطاج 2) لكن حتى الغنوشي تخلّى عنه بعد ذلك.

 

فالعبارات الرنانة والوعود الجميلة هي التي جلبت ليوسف الشاهد في البدايات كل الترحاب والتشجيع.

 

/ كانت فترة الحرب ضد الفساد والتي سجلنا في ختامها أحكاما بعدم سماع الدعوى أكثر من أحكام نافذة وفعلية. بل لم يصدر أي حكم بالسجن في حق بارونات الفساد الذين تم إيقافهم في ذلك الوقت وقد تبيّن أن الإيقافات كانت على المقاس وموجّهة مثلما أكدت ذلك مرارا سامية عبّو.

 

/ حرب السباق نحو قصر قرطاج لم تكن في نهاية الأمر سوى نسخة مشوّهة من "الحرب الأهلية" التي دارت بين يوسف الشاهد وحافظ قايد السبسي.

 

/ ثأره لنفسه من خلال استعمال القضاء في فبركة قضايا تم التسويق لها عبر وسائل الإعلام لضرب شخصيات من نفس عائلته الإيديولوجية، على غرار ما حصل مع هاشم الحميدي، كاتب الدولة الأسبق المكلف بالمناجم والذي بقي قابعا في السجن لمدة عشرة أشهر وكذلك الإعفاء المهين لخالد قدور الذي تمت ملاحقته لشبهة فساد .. وهما قضيتان تبيّن لاحقا أنه لا أساس لهما.

 

/ إعفاء آخر مهين وظالم شهدته تلك الفترة وفق ما أكده الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي ويتعلّق بلطفي ابراهم، وزير الداخلية آنذاك .. وهو ما أربك الجهاز الأمني. كما أنّ إيقاف عماد عاشور وصابر العجيلي دام حوالي سنتين. وقد تطلّب الأمر عرائض برلمانية وشكوى موجهة لمجلس حقوق الإنسان بجينيف لوضع حد لعملية الإيقاف (التي تم اعتبارها تعسفية نظرا لكونها تجاوزت الفترة القانونية أي 14 شهرا) لهذه القيادات الأمنية.

 

/ برقية إيداع (لم تنفّذ بحكم هروب المعني) في حق وزير الداخلية الأسبق وسفير تونس بالرباط، ناجم الغرسلي.

 

/ إيقافات في ظرف قياسي (خلافا لما هو معتاد) لشخصيات إعلامية عرفت بمعارضته مثل برهان بسيّس بعد سويعات من توجيه التهمة له وكذلك نبيل القروي الذي تم إيقافه في سيارته في الطريق السريعة.

 

/ محاولة (أجهضها الباجي قايد السبسي في آخر لحظة) لتمرير مشروع قانون بمفعول رجعي لإقصاء خصوم سياسيين له.

 

/ رفض الإفراج عن شخصيات إعلامية وسياسية رغم صدور أحكام قضائية مما أربك الجهاز القضائي في علاقة بقضايا نبيل القروي وسامي الفهري.

 

/ توقّف عن الإصغاء لمستشاريه المقرّبين الذين تجرؤوا على مصارحته بالحقيقة.

 

في كل هذه الملفات والقضايا، ينفي يوسف الشاهد تدخّله في القضاء .. كنا نتمنّي تصديقه غير أن كثيرا من المصادفات حصلت ونحن لا نؤمن بالمصادفات في السياسة. كما أننا ندرك جميعا كيف يعمل الجهاز القضائي في تونس ونعلم أنه لم يتولّ أبدا إيقاف شخص في ظرف ساعتين من الزمن ولا إيقاف مشتبه به على الطريق السيارة من قبل وحدات للحرس والشرطة والتي عادة ما لا تلتقي في عملية من هذا القبيل.

 

انطلاقا من هذا الأربعاء سيلتحق يوسف الشاهد نظريا بصف الباحثين عن عمل .. فهل سيراجع حساباته ليقف عند أخطائه ويتّعظ من دروس الماضي قبل عودة محتملة في 2023/2024؟ أم هل يشغل منصبا مرموقا في الدولة ولم لا في قصر قرطاج ؟.. لا شيء مؤكد إلى غاية الآن بخصوص مصير يوسف الشاهد والذي لم يعد يعيره أحد أي اهتمام فقد صار بعدُ من الماضي .. وهو أمر مؤسف لأنه جسّد في وقت ما مستقبلا مشرقا لفترة طويلة.

 

ملاحظة: فارقنا الخميس الماضي، جون دانيال، المدير المؤسس لمجلة "l’Obs".. كان مثالا للعديد من الصحفيين الفرنكفونيين ..أسلوبه  وتحاليله العميقة ودعواته إلى السلام ونصائحه .. كان مؤثرا في الكثير من السياسيين الفرنسيين وكذلك الأجانب. كانت كلمته مسموعة من قبل شارل ديغول والحبيب بورقيبة وياسر عرفات وزين العابدين بن علي .. كان كثير الزيارات إلى تونس للنقاهة ولكن أيضا لملاقاة الكثير من أصدقائه .. رحم الله جون دانيال الذي كنت واظبا على  قراءة كتاباته.

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

النشرة الإخبارية