alexametrics
أفكار

لماذا أتعاطف مع سامي الفهري

مدّة القراءة : 6 دقيقة
لماذا أتعاطف مع سامي الفهري


محمد غراد *


تابعت مؤخرا ردود الأفعال حول إيقاف الإعلامي سامي الفهري والتفاعلات التي رافقت هذا الحدث. قليل فقط من هذه التفاعلات كان له أساس عقلاني و منطقي مما أعطاني إنطباعا أن البعض حول القضية من مسألة قضائية إلى رأي في شخص الإعلامي سامي الفهري أو قضية ذوق في المحتوى الإعلامي لقناة الحوار التونسي. كنت قد عبرت منذ مدة عن تعاطفي مع سامي الفهري و كان رد الفعل من العديدين القفز على الإستنتاجات الجاهزة و ربط الأمر بمروري معه في برنامج حكايات تونسية في شهر جانفي 2018.

رأي أتفهمه و أحترمه و له أساس منطقي لكن الحقيقة مختلفة و قد قررت كتابة هذه الأسطر لتوضيح موقفي و أيضا التمسك بتعاطفي مع رجل الأعمال سامي الفهري. 

في بداية هذا المقال أود التنويه أن الفئة العمرية الأحرص على مقاومة الفساد هي الفئة التي أنتمي إليها و هي فئة الشباب و لا أعتبر نفسي إستثناء في هذا الأمر، لكن ما يميز جيل الشباب ليس فقط رفضهم القطعي و الصارم للفساد و لكن أيضا رفضهم الإستخفاف بعقولهم و التلاعب و إستغلال صدق نواياهم إتجاه وطنهم لأغراض لا علاقة لها بمصلحة الوطن.


بالعودة إلى بدايات سامي الفهري و رحلته كشاب نحو ما هو عليه اليوم، كان هذا الأخير شاب عادي و قد سافر إلى مدينة مونتريال بكندا للدراسة ثم عاد إلى تونس أين عمل مع والدته لمدة قصيرة قبل أن تمكنه صديقته من فرصة عمل إعلامي في Radio RTCI لإتقانه اللغة الفرنسية، و من هناك كانت أولى خطواته في المجال الإعلامي. ما وصل إليه اليوم سامي الفهري يجعل من النزاهة الإعتراف له بصفتين على الأقل -مهما كان الموقف الشخصي منه أو الذوق في علاقة بالمادة الإعلامية التي قدمها- و هما الطموح و الموهبة. صفتان لا يجعل من صاحبهما مذنبا، بالعكس هما مكونات يجب على المجتمع أن يرعاهما في أفراده و يشجع أصحابها.

صعود سامي الفهري الإعلامي كان في عهد بن علي و عهد الدكتاتورية و من البساطة التسليم أن طموح هذا الأخير في فترة من الفترات المرور من صفة الإعلامي إلى رجل الأعمال الناشط في المجال الإعلامي - و هو قطاع ذو علاقة مباشرة بنظام ديكتاتوري فاسد و مناخ أعمال تم تركيعه بأن يكون في خدمة النظام و أيضا أن لا يكون فيه تهديد للنظام- سيكون ممكن دون المرور عبر رادار السيستام في ضل مناخ مؤسساتي مرهون لخدمة فئة من الشعب و ليس عامة الشعب.

سامي الفهري عندما أراد خوض رحلة الإنتاج كان قد إتجه في البداية كأي صاحب فكرة مشروع للحصول على قرض بنكي تم رفضه، و لكن ذلك الرفض لم يوقف شرارة طموح الفهري الذي إلتقى بالحسن الطرابلسي صهر الرئيس السابق زين العابدين بن علي على متن طائرة في إتجاه إيطاليا. تصرف هذا الأخير يفهم من زاوية أن الشاب الإعلامي كان يدرك أن طموحه لا يتطلب فقط الموهبة و العمل و روح المبادرة و هي صفات قادرة أن تحقق الكثير للفرد في المجتمعات الغربية، و لكن في نظام ديكتاتوري الأولية هي الولاء و النفوذ و مصالح رعاة السيستام. معادلة نجح الفهري في تركيزها مع الطرابلسي و الجميع يتذكر تصريح بالحسن الطرابلسي عندما قال أنه لم يكن يوم يتوقع أن إستثماره في الإعلام سيكون بتلك المردودية.

ما يوصف به سامي الفهري هو أنه " شريك الطرابلسية " و لكن ما أراه هو أن الفهري وضف الطرابلسية من أجل طموح و حلم و هي صفات ليست جريمة بل مهمة في الفرد خاصة إذا كان موهوب، و لكن هل الوسائل التي إتبعها مشروعة أم لا ؟ أظن هذا السؤال لا يكفي و هو ليس السؤال الوحيد والسؤال الأهم هو ماذا لو نجح الفهري في الحصول على القرض البنكي و كان مناخ الأعمال حاضن للمبادرات الخاصة و للأفراد حضوض متساوية في النجاح ؟ السؤال الأهم الآخر هل تبرر الموهبة و الطموح الإنخراط في منظومة فساد من أجل تحقيقها؟ الإجابة قطعا لا و حتى لو فرضا برأت المحكمة سامي الفهري من قضاياه و أخذ فرصة أخرى، ستبقى تلك الشراكة نقطة سوداء في مسيرته مهما كانت إنجازاته.


جزء كبير من قطاع الأعمال و ربما الأكبر الذي يؤثث الإقتصاد التونسي اليوم تم تركيزه خلال نظام فاسد و مناخ أعمال فاسد و سرطان ذلك السيستام لو بحثنا جيدا سنجده في عديد المؤسسات و يلاحق الكثير من أصحاب الأعمال، و تقديري أن حالة سامي الفهري ليست الوحيدة و لن تكون الأخيرة. لا أدعي أني على علم بتفاصيل قضية سامي الفهري و لكن كعديد المواطنين أطرح أكثر من سؤال حول كل هذه السنوات في قضيته و كل هذه الإيقافات و إخلائات السبيل، مثله مثل حالات أخرى لرجال أعمال أو حتى إعلاميين آخرين، مسار أحداث يطرح أكثر من نقطة إستفهام و يجعل من قضية الفهري اليوم ليست قضية الفهري في 2011 لأن الثابت أن الملفات القضائية للفهري لم تكن في أي وقت من الأوقات أساس تعامل دولة الجمهورية الثانية معه بل أخضع لمعايير شبيهة بمعايير دولة جمهورية الإستبداد على غرار الولاء مقابل الخدمة بالإضافة لفقدانه التعاطف الكبير من قبل عديد الوجوه الفنية و الإعلامية الذي رافق إعتقاله في أوت 2012 بعد أن فقد صفة صانع النجوم الأول في البلاد و إزداد إلى المشهد الإعلامي وسائل إعلام ترى في ملفه فرصة لإبعاد الحوار التونسي من سوق المنافسة الإعلامية منسجمة بذلك مع رغبات سياسية فشلت في تركيع الفهري إعلاميا و تراهن على حلفاء من داخل القطاع ، ستشملهم هذه الممارسات في يوم من الأيام و هم يساهمون في وضع قواعد لعبة متهورة و غير ديمقراطية.

في العموم، فإن الثورة تعني القطع مع الماضي و لكن ليس المعنى من ذلك الإنتقام من كل ما له علاقة به، بل القطع مع الماضي كأسلوب حكم و القطع مع الأسباب التي أنتجت الفساد و الدكتاتورية و الإعتداء على كل أشكال الحريات و خاصة الحريات الإقتصادية التي لا تقل أهمية عن باقي الحريات إن لم تكن أم الحريات و إستمرارية الدولة لا تعني فقط عدالة إنتقالية لضحايا الإستبداد بل أيضا عدالة تشمل الإعتراف بما تسبب به إنحدار مؤسسات الدولة على مناخ الأعمال و إقتصاد البلاد و إنتاج الفساد.

  

تواصل وجود حالات كسامي الفهري دون عدالة إنتقالية إقتصادية حقيقية و موضوعية أساسها و عنوانها الأكبر الحريات الإقتصادية، تعني الإبقاء على فئة كبيرة من أصحاب الثروة و أدوات النفوذ خاصة التي لها علاقة مباشرة بالمجال السياسي في البلاد عرضة للإبتزاز و قانون موازين القوى و ليس قانون المؤسسات و القوانين العادلة، و هشاشة وضع الكثيرين تفتح الباب لإفساد الطبقة السياسية الباحثة عن أدوات النفوذ و التأثير التي يمتلكها أصحاب الملفات الشبيهة بوضع سامي الفهري و غيره و من الناحية الأخرى تساهم في مزيد تعميق الفساد في البلاد حيث أن عدم حسم هذه الملفات أيضا يلقي بأصحابها في دوامة تجاوز خطوط حمراء إضافية لحماية ما إمتلكوه ضمن مناخ أعمال فاسد لم تراعي المرحلة الإنتقالية سياقاته بالموضوعية الكافية، إضافة إلى غياب الثقة والرؤية في مؤسسات الجمهورية الثانية و الطبقة السياسية تتحمل المسؤولية الأكبر في هذا و الظاهر أن جزء منها حسم أمره في الفهري و يسعى لإبعاده نهائيا من المشهد و دفن كواليس عديدة معه و بالطبع لن تكون الحلقة الأخيرة سوى ملاطفة مزيفة تمهيدا لحسم ناعم لا يبقي لسرديات العداء و وجوده في معادلة الأحداث أثرا.


مناخ الأعمال يتطلب إجراءات إقتصادية و تشريعات و إصلاحات إلخ.. لكن أهم شيء لإزدهار قطاع الأعمال هو مناخ الثقة و الإبقاء على فئة من أصحاب الأعمال في وضع هش، يكرس الفساد و يعقد الملفات أكثر و يلقي بهم في صراع البقاء مع طبقة سياسية في أغلبها غير مسؤولة و متجوعة للسلطة و النفوذ دون ضوابط و هنا يجب التذكير ببعض الأساسيات و أولها ، أنه حتى المذنب يمكن أن يتحول إلى ضحية إذا لم تتوفر له شروط المحاكمة العادلة و أن الممارسات الفاسدة مع من لهم ملفات فساد، تجعل من ممارسها فاسد كذلك.

 

إن كل الأحداث السياسية في البلاد منذ الثورة إلى اليوم و كل طريقة تعامل مع كل حدث و طريقة حل الإشكالات في البلاد، تسمى سرديات التأسيس ( Origin Narratives ) بما معناه أن الديمقراطية في البلاد ستكون دائما متأثرة بما نقوم به اليوم.

 

و بسلوكنا في التعامل مع الشأن العام ما نقوم به اليوم سيمثل تقاليد إدارتنا للبلاد مستقبلا. لست السياسي الأبرز في البلاد و لا الأكثر خبرة و لكن كسياسي شاب في مرحلة تشكيله لهويته السياسة، تعهدت لنفسي بأن أهذب سلوكي السياسي ليكون ذو هدف و بناء حقيقي للبلاد و الأجيال القادمة بأبسط الوسائل المتوفرة. كتبت هذه الأسطر بحس من المسؤولية أن الطبقة السياسة التي أتت بها الثورة هي جزء من المشكل في عديد الإشكاليات التي تواجهها البلاد. و إن كنت على هامش هذه الطبقة السياسية فإني قررت كتابة هذه الأسطر من باب المسؤولية لأن المسؤولية لا تأتي مع المناصب بل المسؤولية هي مكون إما موجود أو مفقود لدى السياسي مهما كان موقعه. قضية سامي الفهري تتجاوز شخصه. بناء دولة قوية و مزدهرة يتطلب أن لا تكون فيها الموهبة و الطموح جريمة و بناء ديمقراطية صلبة يتطلب كذلك إعلام حر محكوم بضوابط يحددها القانون و ليس موازين القوى و أيضا مناخ أعمال قائم على الثقة والنزاهة و خاضع للمحاسبة الصارمة و لكن كذلك تتوفر فيه الأسس العادلة لكي لا يحرم أحد من حقوقه أو يظلم. قضية سامي الفهري يجب أن تكون منطلقا لحوار حقيقي حول وضع الحريات الإقتصادية في البلاد و هي الحرية المفقودة في خطابات السياسيين و النشطاء و حان الوقت لتأخذ الإهتمام الكافي.



* ناشط سياسي و قيادي سابق في حركة النهضة 




تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

النشرة الإخبارية