alexametrics
آراء

ماذا لو انتهى العالم.. وأنت لا تعرف نفسك حقا؟

مدّة القراءة : 2 دقيقة
ماذا لو انتهى العالم.. وأنت لا تعرف نفسك حقا؟

 

هل ترى  نفسك حين تغمض جفونك و تُفـكر؟  لا تستقيمُ رؤياك إلا حين تحب نفسك، تجالسها، تشرب معها القهوة، تخصص لها وقتا وجهدا لتفهمهـا ويظهر لك معدنـها جلّيا.

ماذا لو انتهى العالم.. وأنت لا تعرف نفسك؟

 

22:30 

أخصصّ هذا الوقت قبل أن أُغلق الحاسوب لاصلاح الهفوات الصغيرة في مقالاتنا.

 

بدأ الأمر مع دائرة حمراء صغيرة حول حرف الضّاد الذي طعنتُ ظهره بخطّ عمودي في فرضِ صحافة الرأي. ثمّ وجدتُ نفسي أنسى قواعد رسم الهمزةِ، و أستعمل المعجم ذاته، وأكتب بلُغةٍ بليدة مسطحة.  ثمّ صرتُ أتلعثم في قراءة الأخبار في حصة الإعلام التلفزي. أصبحتُ أستعين بمفردات من اللهجةِ "الدارجة" لأُكمل جملة عربية.. جاء الكلام الحديث المنحدر من جذور اللاتينية المتشابكة، فعُــرِّبْ وصنعوا لـهُ ملجأ قشٍّ في معاجمنا ودفعوا بنا أسفل القواميسِ ورموا المفرداتِ الخادشة من عربيّــةِ القِدم بالرصاص في ساحات عامة، كالشاعر  الإسباني فدريكو غارسيا لوركا.

 

كانوا يوجهون له بنادق العكسر ليعدموه وكان يُلقي قصيدة.

 

 حولوا مناهج الدرس إلى مناهج خفيفةِ ظلّ، سريعة وفعالة، وانتدبوا معلميّ عربية من المريخ أو زُحل ويضعون عصا خشب جنب الكتاب كأنما المعرفة والعنف يتساويان. أرهبونا، من إستخدام لغتنا حتى صرنا غرباء عنها لا نعرفُ منها سوى سطحها السهلِ، نزعوها كقرطٍ ذهبيّ بعُنـفِ سارقٍ في القطار السريعْ، قطارُ الزمنِ السريعْ، وتركوا أذاننــا دامية تستغربُ الفُصحى في حياتها اليوميّـة وإعلامها وتعليمها، وألبسونا أقراط بلاستكية ملونة لامعة، رخيصةُ.

 

أتصدقون النظرية التي تقول أن اللغة تشكل تفكيرنا، وأنك تتحول لشخص مختلف حين تتحدث لغة مختلفة؟ أهذا لم يدفعون بلُغاتهم أسفل حلوقناـ هل يريدون وئد هوية وتنصيب أخرى؟

 

تصالحت مع اللغة الفرنسيّة غصبا عني عملا بإملاءات حرصٍ مجتمعيّ غريبْ يرى فيها رِفعة شأن و بُرهان تفوّق ثقافيّ. مع أنّ ترتيب هذه اللغة العالميّ في تراجعٍ مستمرّ أمام هيمنة سلاسةِ الإنڨليزيـةّ، في بلدي لا تكون ناجحـا إلّا حين تكون كلماتك إمتدادًا لِلـَدغة لسانٍ جعلت لويس العاشر ينطقُ الرّاء غينـًا، إلّا حين تتوارثُ عقد مجتمع غريب عنك أصابهُ مرضُ تقليدِ الأرستقراطيين حتّى في عيـوبِ النُطق... ايه لا علينا.

 

2 صباحا

 

عُدت للتّدخينِ بشراهـةٌ بعد صَبوة و إنقطاعٍ.

 

آخر حلقة من  handmaid's tale، ناقصة إكتئاب أنا يا June وخيتي؟ الفرصةُ التي كنت تبحثين عنها منذ سنوات. اهربي! هيّا! لا تلتفتي ورائك!

لكن لا.. تعودُ جون إلى الجحيم بكل ثقة في النفس لأنها لا تريد أن تكون أنانية، تترك طريق المناص السهل وتعود. تعود بنت الكلب ويفورُ دمي. أصيحُ بالشاشة بسخط:

 

 -لازم فازات الإنسانية والتضامن النسوي متع دين والديك، لازم تعملي ثورة، لازم تخممي في الناس الأخرى، تي الله لا منعو، تي هربتي يعطك كسرة ليك و للمخرج!

 

أتمنى أن تُجيبني جون لأجد من أخاطب في هذا الليل. حبيبي الأبلهُ نائم، أريد أن أخبره أنها كانت ستهربُ من ديستوبيا دولة 'غلياد' التي تستعبدُ النساء بأبشع الطرق، ديكتاتورية دينية تُشابه داعش، أو العالم العادي. وأريده أن يوافقني أن غلياد لا تختلف عن العالم العادي. أريده أن يوافقني علي العديد من الأشياء، كأن الزواج لا يعني لي شيئا، رغم أنه يعني لهُ الكثير.

 لا أدري لم يُصدم الناس من هذهِ القصة (العظيمة جدا، جدا، جدا)، 'غلياد' ليست دولة بعيدة مُتخيّلة في التلفاز إنها يوميُّ  ملايين النساء هُنـا في الواقع، غلياد فكرة وليست مدينة.

 

11 صباحا

 

لنا علبة قهوة تركية أتى بها أبي من السعودية، لكن أمي تخبئها خلف الصحون لضيف لن يأت، أو على الأقل لن يأت خلال الأسابيع القادمة. اليوم وجدت العلبة مفتوحة وأمي تشربُ قهوتها في فنجان من الطّقم الفخم المُخصص كذلك، لضيف لن يأت.

 

ماذا لو انتهى العالم.. وأنت لا تعرف نفسك ولم تستعمل الطقوم الفخمة التي تتركها للمناسبات؟

من تنتظر؟

 

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter