alexametrics
آراء

محمد الناصر .. وانعدام القيم

مدّة القراءة : 4 دقيقة
محمد الناصر .. وانعدام القيم

 

أسبوع آخر حافل بالفضائح والإشاعات والشتائم .. لم يعد الأمر غريبا ولا عجيبا فقد صار هذا خبزنا اليومي منذ عشر سنوات .. حتى أن البعض قد يتساءل عمّا نحن فاعلون لولا هذه الإشاعات والشتائم ؟ فالكل يهاجم الكل والشعب يصفّق للمشهد .. النيران في كل مكان وهناك من يصب الزيت على النار بكل سخاء .. الدولة في حالة انهيار ونحن منشغلون بالقيل والقال كما لو كنا في سوق الخضار .. إنهم يفعلون المستحيل لإلهاء الرأي العام وإشغاله عن الأهم، عن الفشل في منظومة الحكم وعن الفساد في منظومة القضاء وعن انحدار الإقتصاد نحو الإفلاس وعن انعدام القيم في مجتمعنا .. تلك القيم التي نفتقدها ونفتقد إليها اليوم بالفعل.

 

نحن أبطال العالم في مجال إلهاء الرأي العام .. فكل يوم هناك حادثة تشغلنا عن سابقتها.

 

فمن منا مثلا يتذكّر ما آلت إليه قضية الظرف المسموم التي زعم رئيس الجمهورية أنه وصل إليه عبر مراسلة تولت فتحها مديرة ديوانه ؟

 

ومن منكم يعلم هل من تتبعات قضائية على إثر التصريحات التي أدلى بها كريم عبد السلام بخصوص اعتداء باب سويقة الذي نفذه الإسلاميون أي حركة النهضة ؟

 

هل عاد إنتاج الفسفاط من جديد ؟ وماذا عن مصير الفضائح التي تعلقت برئيس محكمة التعقيب، الطيب راشد وبوكيل الجمهورية السابق، البشير العكرمي ؟ هل تعهّد القضاء بملف "غزوة المطار" التي شنها نواب ائتلاف الكرامة مثلما التزم بذلك رئيس الحكومة ؟  إلى غاية اليوم لا نعلم شيئا عن كل هذه القضايا !

 

دائما المزيد من إلهاء الرأي العام وإشغاله عما يشغل باله ! كل أسبوع جديد يأتينا محمّلا بنصيبه من الفضائح والإشاعات والشتائم حتى لا ننشغل بما هو مهم.

 

في الديمقراطيات الراسخة كل فضيحة تصبح آليا محل تتبع قضائي وغالبا ما يتم إصدار حكم في الغرض .. في تونس لا يتجاوز العمر الإفتراضي لأي فضيحة مدة يومين لتدخل بعد ذلك طي النسيان وتحل مكانها فضيحة أخرى.

 

بالنسبة إلى الإشاعات والفضائح التي شهدناها في الأسبوع الماضي سأكتفي بذكر ثلاث منها.

 

نشرت صحيفة "الأنوار" الأسبوعية، تحقيقا سلطت فيه الضوء على ما يفترض أنها ثروة راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان. يقول الصحفي فؤاد العجرودي إن هذه الثروة تصل إلى 2،7 مليار دينار أي ما يعادل الميزانيات السنوية لبعض الوزارات .. حركة النهضة كذّبت المعلومة لكن نفيها لم يكن مسموعا .. فمن لهم الرغبة في تصديق هذا الرقم لن يستمعوا لما ستقوله النهضة .. ومن لا رغبة لهم في تصديقه لن يستمعوا لما تقوله الأنوار ولا كل وسائل الإعلام في الكون مجتمعة. لكن لدي سؤال واحد أريد أن أطرحه: كيف يكسب راشد الغنوشي قوت يومه ؟ فهو لم يعمل طوال العقود الثلاثة الماضية، باستثناء عهدته النيابية حاليا كرئيس للبرلمان ؟ لو أن سياراته المصفّحة وقصره الصغير بمنطقة النحلي والمصوغ الذي تملكه زوجته، كلها هدايا، فهذا يعتبر تبييضا للأموال وعلى القطب القضائي المالي أن ينكب على هذه القضية مثلما فعل مع ثروة نبيل القروي. وإذا كانت ثروته الخاصة، كسبها بعرق جبينه، حينها عليه أن يقدّم وثيقة تصريحه على الأداءات كغيره من باقي البشر. لكننا نعلم جميعا أنه لم يقم تقريبا بخلاص أدائته وضرائبه خلال العشريات الثلاث الماضية .. باختصار أعلم أن ما أقوله الآن لن يجدي شيئا فالقطب القضائي المالي لن يهتم لأمره فهو لا ينكب على أناس من قبيل راشد الغنوشي أي كل أولئك الإسلاميين الذي يقومون بتبييض أموالهم مثل عشر سنوات على مرآى ومسمع من الجميع.

 

الإشاعة الثانية التي أشعلت مواقع التواصل الإجتماعي خلال الأسبوع المنقضي هي حكاية الوعكة الصحية التي ألمّت براشد الغنوشي وألزمته فراش المستشفى .. لا شيء من ذلك حصل.الإشاعة تقول إن "الشيخ" توفّي .. وهذا أيضا غير صحيح.

 

ما يجب الإشارة إليه في المقابل هي ردود الفعل حول هذا الموت المزعوم .. البعض كانوا سعداء بالخبر ويهنئون بعضهم البعض .. هناك حتى من تمنّى أن يكون على قيد الحياة لكن على أن يبقى في حالة غيبوبة طوال ما تبقّى له من عمر في هذه الدنيا، مثل المصير الذي عرفه شارون .. هذه إذن هي قيم بعضنا من الشق الجمهوري الوسطي واللائكي .. لكن أين هي القيم الحقيقية ؟ لقد ضاعت.

 

لكن بصرف النظر عن الطابع الإنساني للمسألة (لا فائدة من الخوض فيها)، فلننظر للأمر من الزاوية السياسية. هل من مصلحتنا أن يموت راشد الغنوشي اليوم ؟ هل تعتقدون أن من سيخلفه على رأس حركة النهضة سيكون أفضل منه ؟ رغم عيوب الغنوشي (وهي كثيرة) فإنه أفضل ممن سيخلفه، مهما كان إسمه.

 

رحيل راشد الغنوشي قد لا يعني اندثار حركة النهضة ولا حتى الإسلاميين فهم موجودون بيننا الآن مثلما كانوا في الماضي وسيكونون في المستقبل أيضا لأن الإسلاميين جزء من هذا المجتمع، شئنا أم أبينا. أن يتمنى البعض الموت لراشد الغنوشي فهذا شعور غير إنساني، وضيع وأحمق بما أن الإسلاميين لن يختفوا برحيله. بل على العكس سيكونون أكثر شرا ودمارات آلاف المرات ! فلتعلموا أن الإسلاميين (النهضاويين)، اليوم، ليسوا مجانين مثل سيف الدين مخلوف وسعيد الجزيري وراشد الخياري وهذا بفضل راشد الغنوشي.

 

الموضوع الثالث الذي أسار كثيرا من الحبر خلال الأسبوع المنقضي هو صدور الكتاب الرائع لمحمد الناصر، الرئيس السابق لمجلس النواب ورئيس الجمهورية المؤقت سابقا.

 

رجل دولة (87 عاما) يكتب مذكراته في بلد شعبه ليس من هواة المطالعة ولا الكتابة .. لذلك يعتبر هذا حدثا في حد ذاته. لو أن زين العابدين بن علي حذا حذوه لكانت تونس في حال أفضل ولالتزم كثيرون الصمت.

 

هذه المذكرات التي تطلبت كتابة أكثر من 600 صفحة كانت قراءتها بسيطة وشيقة .. فالأسلوب سلس بفرنسية متينة والأحداث مشوقة تخللتها شهادات صادمة.

 

بالطبع لكل الحق في التركيز على ما يهمه في هذا الإصدار .. من ناحيتي سأركز على تصدّع عائلة "النداء" على إثر نتائج انتخابات 2014. هذه العائلة نسيت عدوّها المشترك، أي النهضة، وانشغلت عن ذلك بالتقاتل في ما بينها. وكانت النتيجة أن تفرّغ البعض من قيادات الحزب إلى التسابق على السلطة وتعطيل بعضهم البعض. وكان الإنهيار الداخلي نتيجة طبيعية لما سبق .. الشهادة التي أدلى بها من الداخل أحد قيادات الحزب وهو محمد الناصر، تلقي الضوء بشكل مفيد جدا على التاريخ الحديث لبلادنا.

 

صدور كتاب محمد الناصر يعد حدثا .. كان يفترض أن يكون حدثا  .. لكن يبدو أن ما كتبه الرئيس السابق، لم يرق للبعض ممن تسارعوا لشتمه على مواقع التواصل الإجتماعي .. أناس عاجزون حتى عن كتابة فقرة واحدة خالية من الأخطاء .. أناس مسيرتهم السياسية حافلة بالسقطات والهزائم، يتهمونه بالكذب والبحث عن الإثارة !

 

هذا هو حالنا اليوم .. يتعامل البعض مع رجل دولة في السابع والثمانين من العمر لأنه أصدر كتابا في أكثر من ستمائة صفحة كما لو كانوا يتعاملون مع أحد المدونين الهواة على فايسبوك ممن يبحثون عن الشهر عبر كتابة أسطر معدود ! أين هي تلك القيم التي لها نفتقد اليوم !

 

لمحاربة الإسلاميين والسعي إلى الأخذ بزمام السلطة في البلاد وللنجاح والفوز في الإستحقاقات السياسية، لا بد من التحلي بقدر أدنة من الأخلاق واللباقة والثقافة وحسن التصرف .. لا بد من حد أدنى من القيم.

 

أصدر محمد الناصر مذكراته، لأن من واجبه فعل ذلك. قليل من السياسيين فعلوا مثله، قليلون جدا .. حتى الباجي قايد السبسي لم يكن منهم ! كان يفترض أن نشكر الناصر لأنه تقاسم معنا تلك الشهادات، عوضا عن تشويهه !

 

مؤلف محمد الناصر كانت له مخلفات جانبية لم يقرأ لها الكاتب حسابا بالتأكيد. فقد عرّى الرجل العائلة الوسطية اللائكية وبالخصوص حزب تحيا تونس، من خلال إثبات أنها بلا قيم .. فهذه العائلة بتصرفات أفرادها، أظهرت أنها تفتقد للقيم وأنها بالتالي ليست أهلا لحكم البلاد .. في كل الأحوال ! 

 

عذرا للسيد محمد الناصر على هذا الإستقبال لكتابك الممتاز .. هكذا هم التونسيون .. هكذا هم أفراد عائلتنا .. ولا نقدر لأمرهم شيئا !

 

لكن على الأقل كان لهذه العائلة الفضل في جلب اهتمامنا لمسألة ما وهي أنه يجب أن لا تكون أولويتنا في المستقل محاربة الإسلاميين والفقر، بل يجب أن تكون الأولوية لاستعادة القيم الحقيقية في هذا الوطن ! 

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

تقرؤون أيضا