alexametrics
آراء

من الحبيب بورقيبة إلى يوسف الشاهد .. كلهم غازلوا الغدر والخداع

من الحبيب بورقيبة إلى يوسف الشاهد .. كلهم غازلوا الغدر والخداع

 الحبيب بورقيبة

جويلية 1957 أصبح الحبيب بورقيبة، زعيم الحركة الوطنية، أول رئيس للجمهورية التونسية، بعد 252 عاما من حكم البايات الحسينيين، من بينها 76 عاما من "الحماية" الفرنسية .. وفي 1959 تم إجراء انتخابات ورغم أنها شهدت مترشحا وحيدا فاز بنتيجة عريضة جدا (91 بالمائة) فلا شيء يدل على أن تلك الإنتخابات لم تكن ديمقراطية .. أسس بورقيبة الدولة الحديثة وراهن على التعليم والثقافة كما أرسى مبدأ المساواة متطلعا إلى تحويل تونس إلى بلد مشابه لماا كانت عليه سويسرا في أوروبا .. وما زلنا إلى اليوم نجني ثمار هذه السياسة الرائدة.

 

بعد انتخابات 1959 و1964 و1969 و1974 (سواء كانت نزيهة وشفافة أو لا) قام الزعيم بأول خطأ جسيم له في 1975 بإعلان الرئاسة مدى الحياة .. صحيح هو أب كل التونسيين وكان يعتبر الجميع قُصّرا وبالتالي هو أدرى منا بمصلحتنا .. قد يكون ذلك سليما إلى حد ما لكنه يبقى سلوكا غير ديمقراطي. مع ذلك لولا هذا الخيار لتحوّلت تونس إلى "صومال الشمال" وربما لا .. لا أحد لديه الجواب ولكن الأكيد أن زعيم الأمة أضاع على نفسه فرصة الخروج من الباب المُشرّف الذي أتاحته له الديمقراطية .. وكانت نتيجة ذلك، عجز شبه تام في بداية الثمانينيات عن تسيير دواليب الدولة وهو ما استغله وزيره الأول ووزير الداخلية زين العابدين بن علي في نوفمبر 1987 ليصبح ثاني رئيس للجمهورية التونسية.

 

زين العابدين بن علي

في أفريل 1989 نظّم زين العابدين بن علي أولى الإنتخابات في عهده ورغم أنه كان المُترشّح الوحيد وفوزه بنتيجة 99 بالمائة، فلا شي يثبت أن تلك الإنتخابات لم تكن ديمقراطية .. في ذلك الوقت كان بن علي مدعوما من الجميع، سواء من قبل الإسلاميين بزعامة راشد الغنوشي أو الشيوعيين بقيادة حمّة الهمامي أو الحقوقيين يتقدمهم منصف المرزوقي .. فكيف لا يوثق في هذا الرجل الديمقراطي الذي أدخل تعديلات على الدستور في 1988 للحد من اعتلاء منصب الرئاسة لثلاث مرات، تفاديا لاحتمال رئاسة مدى الحياة ..

ولئن سعى جاهدا إلى مواصلة ما بدأه بورقيبه، خاصة في مجال التربية والتعليم العالي، بالتعويل على الشعب العلمية والإختصاصات الهندسية بالأساس، فإن بن علي كان سببا في تدهور المنظومة التربوية ككل .. لم تصبح تونس مثل سويسرا، لكنها كانت أفضل حالا في زمنه مما كانت عليه دول الجوار .. فالتونسي كان له الحق في سيارة شعبية كما أن 80 بالمائة من الأسر التونسيين كانت تمتلك مسكنها .. فزين العابدين بن علي، على غرار الحبيب بورقيبة، حافظ على استقلال البلاد، في علاقة بمحاولات التدخل الأجنبي ولم يخف من قول كلمة "لا" بكل صرامة في وجه كوندوليزا رايس حين تدخّلت في شؤوننا الداخلية .. لا شك في أن التاريخ سيقدّم لنا رواية أكثر موضوعية عن عهد بن علي لأننا ما زلنا تحت وطأة المبالغة في كل ما نقرأ ونطالع منذ 1987 وبالخصوص منذ 2011.

 

بعد انتخابات في 1989 و1994 و1999، اقترف بن علي خطأه الجسيم الأول في 2002 بتعديل الدستور حتى يحذف ما كان هو نفسه أضافه في 1988 وهو تحديد عدد الترشحات للمنصب الرئاسي مع التمديد في السن القصوى للترشح للرئاسية فضلا عن التمتع بحصانة قضائية .. وهو تعديل خوّل له الترشح في مناسبتين (2004 و2009). وفي سنة 2010 شرع أقرباؤه في إعداده لعُهدة جديدة (إجراء غير دستوري بسبب عامل السن) بالنسبة إلى 2014 .. غير أن التدخلات الأجنبية رأت عكس ذلك وأشعلت نار الإنتفاضات لتتحول إلى ثورات .. ومثل الحبيب بورقيبة خرج زين العابدين بن علي من الباب الصغير، تاركا وراءه خيبة أمل كل من آمنوا به واعتقدوا في وعوده.

 

فؤاد المبزّع

أصبح فؤاد المبزّع بمحض الصدفة، رئيسا للجمهورية في 2011، بفضل الدستور التونسي القديم .. فقد حكم البلاد إلى جانب الوزير الأول وقتها، الباجي قايد السبسي وكان هدفه الوحيد بلوغ الإنتخابات .. فترة حكمه كانت وجيزة جدا ولم تشهد أية مبادرة من قبله ولا من طرف وزيره الأول للتلاعب بالمسار الديمقراطي .. وفي حقيقة الأمر لم يكن بمقدورهما فعل عكس ذلك في تلك الفترة .. وخرج المبزّع من الباب الذي دخل منه ولم يكن لا كبيرا ولا صغيرا .. فهو لم يتعهد بأي شيء حتى لا يفي به.

 

منصف المرزوقي

دخل قصر قرطاج في أواخر 2011 بفضل مزايدات ومشاورات مع الحزب الإسلامي (حركة النهضة) ليجد نفسه رئيسا للجمهورية دون أية شرعية انتخابية، باعتبار أنه لم يتحصل سوى على 17000 صوت عن دائرة نابل (بنسبة 14 بالمائة) كما أن حزبه (المؤتمر من أجل الجمهورية) تحصل على نتائج ضعيفة في الإنتخابات التشريعية بنسبة 7ر8 بالمائة على الصعيد الوطني .. ومع ذلك نجح في مسعاه من خلال إقناع الإسلاميين بأن علمانيته المزعومة ستجعل التونسيين والمجتمع الدولي يقبلون بهم.

 

قبل 2011 كان الناس يرون فيه الرجل المؤهل والقادر على أن يخلف بن علي بفضل خطاباته المدافعة عن حقوق الإنسان وأطروحاته الديمقراطية .. فلا أحد كان يشك في تصريحاته كضحية من ضحايا نظام مستبد كان يعتبره البعض دكتاتوريا.

 

بمجرّد دخوله إلى قصر قرطاج، رمى المرزوقي جانبا كلماته وعباراته المنمّقة  .. ويبقى من دور المؤرخين تسليط الضوء عن إضافاته كرئيس الجمهورية، رغم أنني من وجهة نظري الشخصية، لا أرى له أي إضافة تذكر ..  فقد تم انتخابه لمدة عام واحد والتزم بأن يغادر منصبه في ظرف ستة أشهر إذا لم يف بعهوده، لكنه بقي ثلاث سنوات زرع فيها الحقد والفرقة بين التونسيين بسبب طباعه الحاقدة، مما كاد أن يتسبّب في حرب أهلية.

 

أحد عيوبه وأخطائه الكبرى هو تضحيته باستقلالية البلاد .. فهذا أمير قطر يريد أن يعلّمه كيف يتصرّف .. تركيا والمغرب نهبتا الأسواق التونسية، مثلما فعلت دولة قطر تماما .. فالمرزوقي هو من أمضى أول اتفاقات تونس مع صندوق النقد الدولي .. وهو (الحقوقي) لم يساند إلغاء عقوبة الإعدام من الدستور .. في انتخابات 2014 التي تحصل فيها على جائزة أفضل غشّاش، خسر في الدور الثاني بفارق 10 نقاط عن الباجي قايد السبسي .. لكنه كاد أن لا يغادر القصر ليقتفي أثر غباغبو، لولا تدخّل دبلوماسي من قوة أجنبية عظمى .. لذلك لا يمكننا القول إنه خرج من الباب الصغير لكنه أيضا لم يخرج من الباب الكبير .. أما عن خيبات الأمل التي خلفها وراءه فهي لا تحصى ولا تعدى.

 

حمادي الجبالي

هو رئيس الحكومة والرئيس الفعلي للجهاز التنفيذي بفضل الدستور الصغير لسنة 2011 .. خلّف حمادي الجبالي وراءه قبل أن يغادر منصبه هذا، ثلاثة شهداء سياسيين وهم لطفي نقض وشكري بلعيد ومحمد البراهمي وعشرات الشهداء من الأمنيين، رحمهم الله جميعا. الجبالي هذا الإسلامي المُصنّف "إرهابي" في عهد بورقيبة وبن علي، يمكن اعتباره كل شيء سوى رئيسا للحكومة فقد استنفد مدخرات البلاد، سيما بالتفريط في 3 مليارات دينار بعد بيع جزء من أسهم شركة "اتصالات تونس" كما أنه أغرق البلاد بالديون من أجل نفقات التصرف في حين أن كل من سبقوه لا يتداينوا إلا من أجل الإستثمار  ..

 

لا يمكن لمن صافح جون ماكين بتلك الحرارة أن يدرك معنى استقلالية القرار الوطني .. هو من كان يحلم بإرساء الخلافة على أرض تونس .. رغم كل شي فإن حمادي الجبالي عرف كيف ومتى يغادر الساحة السياسية حين أيقن أنه عاجز عن تقديم الإضافة لذلك لم يتمسّك بالكرسي، رغم الضغوط التي مارسها عليه حزبه والمقربون منه .. وكان من الطبيعي أن يخب أملهم بالنظر إلى الكيفية التي غادر بها منصبه وعدم إيفائه بتعهداته.

 

علي العريّض

مثل سلفه خلّف العريّض عشرات الشهداء وراءه .. كما تسبب في تداين تونس وأغرق الإدارة التونسية بعديمي الكفاءة ممن مازالوا يتقاضون أجورا رغم اعدام كفاءتهم .. لذلك من غير المرجّح أن يدوّن عنه المؤرخون سطرا واحدا إيجابيا مثله مثل الجبالي .. تم الإستغناء عن خدماته عبر اتفاق قرطاج وهو ما منح الأطراف الراعية للحوار جائزة نوبل للسلام .. على غرار سلفه خيّب علي العريّض أمال جماعته، لكنه لم يترك منصبه إلا بعد المصادقة على الدستور الجديد.

 

مهدي جمعة

تم اختياره رئيسا للحكومة من أجل مهمة محددة وهي إنجاح انتخابات 2014 واستعادة الأمن وقد نجح على جميع المستويات .. إذ كان مدعوا لمغادرة منصبه فور استكمال مهمته وهو ما قام به .. غادر القصبة على أمل أن يعود من بوابة الإنتخابات بفضل صناديق الإقتراع .. ولئن لم يخيّب ظن أنصاره كرئيس للحكومة فإنه خذلهم كرجل سياسة وهو ما أفقده الكثير من المتعاطفين معه .

 

الحبيب الصيد 

 كان يفترض أنه أحد رجال الباجي قايد السبسي وقد كان كذلك لفترة ما .. مهمته كانت تتلخص في إعادة الإنتعاشة لنمو البلاد واتخاذ الإصلاحات الضرورية واسترجاع هيبة الدولة وتسيير شؤون البلاد بقبضة من حديد وفرض ما تمنحه مهامه من سلطة .. لكنه فشل فشلا ذريعا في هذا الصدد بل إنه وقّع اتفاقات مع الإتحاد العام التونسي للشغل كبّلت خلفه كثيرا.

 

ويوم قرّر الصيد ممارسة صلاحياته كاملة بصفته رئيسا للحكومة وليس الرجل القوي الذي كان يفترض أن يكون، دخل في خلاف ومواجهة مع الباجي قايد السبسي وفقد ثقة صاحب الفضل عليه، ليجد نفسه مجبرا على الخروج من الباب الصغير وتبرير موقفه أمام مجلس نواب الشعب وهو أمر مؤسف بالنسبة إلى رجل وطني مثله.

 

يوسف الشاهد

هو أصغر رؤساء الحكومة سنا .. حسن المظهر ووطنيته ليس موضع شك ولا تشكيك .. دخل القصبة برصيد كبير من الثقة قلّما عرفها سابقوه .. حربه على الفساد .. مفاوضاته مع صندوق النقد الدولي والشركاء الدوليين .. خلافاته ومواجهته العنيفة لعائلة قايد السبسي وضربه تحت الحزام لسليم الرياحي .. كلها تحسب لفائدته .. كما أنه اتخذ إصلاحات عميقة لم تُعط ثمارها بعد بالإضافة إلى إصلاحات هامة ما زالت قابعة في أدراج البرلمان وكان يمكن أن تحسب لفائدته لو تمت المصادقة عليها.. فالشاهد لم يخيّب إلا ظن المُتعجّلين وغير الصبورين.

 

كان يفترض أن يغادر القصبة في ديسمبر 2018، لكنه لم يفعل .. عدم احترامه الكبير لحرية التعبير وعزمه على تمرير مقترح تعديل القانون الانتخابي، بأي طريقة كانت  وعودة "شقيقه العدو" حافظ قايد السبسي، كلها عوامل خيّبت ظن أنصاره وأصدقائه .. فإذا لم يتعجّل بأخذ القرارات اللازمة في الوقت المناسب فإن يوسف الشاهد قد يخسر كل شيء ويخيّب ظن الجميع فيه، على غرار الكثير من سابقيه سواء في القصبة أو قرطاج.

 

الباجي قايد السبسي

دخل من الباب الكبير إلى قصر قرطاج .. تعهّد بمواصلة مسيرة الزعيم بورقيبة كما التزم باحترام الديمقراطية والدستور وهو عند كلمته إلى الآن.

 

يُحسب له إسناد الحق للأمهات في السفر مع أبنائهن دون ترخيص أبوي والحق في محام بالنسبة إلى الموقوفين .. سعى وما زال إلى اليوم يحاول تمرير مشروع قانون المساواة في الميراث .. بإمكان الباجي قايد السبسي الخروج من الباب الكبير في سن 91 سنة إذا أوفى بعهوده المتمثلة في احترام الدستور والديمقراطية .. ولئن خيّب الظن في ما يتعلق بمواقفه إزاء تصرفات نجله حافظ، فقد يُغفر له هذا إذا ما واصل الطريق التي سلكها منذ ديسمبر 2014.

 

أمام الباجي اختباران : أولهما عدم المصادقة على تعديل القانون الإنتخابي الذي اعتبر مخالفا للدستور وخطرا على الديمقراطية من قبل عديد المختصين في القانون الدستوري وقادة الرأي وثانيهما رفض تأجيل الإنتخابات والذي سيقترحه عليه عديد الفاعلين السياسيين .. عهدته الرئاسية تمتد على خمس سنوات ومدة البرلمانيين خمس سنوات أيضا وهو ما عليه أن يحترمه وإلا فإنه سيضع كامل المسار على المحك مما قد يعطي صورة سيئة جدا عن تونس.

 

الباجي قايد السبسي أمامه فرصة تاريخية ليصبح أول رئيس للجمهورية يدخل قصر قرطاج ويخرج منه من الباب الكبير دون وصفه بالمخادع مثلما وُصف سلفه من رؤساء للجمهورية ورؤساء للحكومة.

 

  (ترجمة عن النص الأصلي بالفرنسية)

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

النشرة الإخبارية