alexametrics
آراء

هل من الأخلاق أن نبكي مرسي استعراضيا أمام الكاميرا؟

مدّة القراءة : 4 دقيقة
هل من الأخلاق أن نبكي مرسي استعراضيا أمام الكاميرا؟
 
ستتناول هذه الأسطر ردود فعل النافذين التونسيين حول موت ‏الرئيس المصري السابق محمّد مرسي أثناء محاكمته يوم 17 ‏جوان 2019.‏
بعيدا عن التشنّج يجب فهم الموضوع من زوايا غير الانخراط ‏الدغمائي في ثنائية مع أو ضد.‏
من الصعب تناول المواضيع المتعلّقة بالموت من زوايا عقلانية ‏وبعيدة عن التشنّج، فالموت يستدعي دائما الأعماق الغيبية لدى ‏الانسان وتحضر فيها المشاعر أكثر، فهو حدث فاصل بين ‏مرحلتين، الكون ثم الانعدام.‏
لكن، من هو الميّت هذه المرّة؟
محمّد مرسي الرئيس السابق لجمهورية مصر وهو منتخب، وتمّ ‏اسقاطه على إثر مظاهرات حاشدة في جوان 2013، عندما طالب ‏الملايين من أبناء الشعب المصري برحيله.‏
هذه حقيقة لا يمكن نفيها، الاّ أنّ الجيش المصري، وهو قوّة ‏إقليمية كان لها تاريخيا دور سياسي، وحتّى أنّ مرسي لم يكفّ ‏يوما عن الثناء لقيادات الجيش واعتبرهم ''أفضل من الذهب''.‏
محمّد مرسي هو أحد زعماء تنظيم الاخوان المسلمين العالمي، ‏وهو تنظيم تمّ تصنيفه في مصر عدد من الدول الأخرى على أنه ‏تنظيم إرهابي، وهو أحد الزعماء السياسيين في مصر، وكان له ‏دور مهم في الصراع في الشرق الأوسط وفي القضيّة الفلسطينية.‏
وكان يعي عندما نشبت الأزمة في مصر، أنّه يقف على رمال ‏متحرّكة لذلك عاهد أنصاره وجماهير الاخوان المسلمين على أنه ‏سيضحّي بحياته من أجلهم وكان يعي ما يقول وله ما يبرّر ذلك ‏على جميع المستويات، وقد أكبر فيه أنصاره ذلك وأجابوه بالتحية.‏
اذن نحن أمام زعيم سياسي يخوض معركة قوية في بلد يعتبر ‏عنصرا أساسيا في التوازن الجيواسترتيجي في منطقة الشرق ‏الأوسط وبالتالي في العالم.‏
مصر من أكبر الدول العربية وأهمها على الاطلاق، لذلك فإنّ ‏حكمها ليس بالأمر الهيّن أو اليسير، هذا فضلا عن أنّ إدارة ‏السلطة في المطلق هي مغامرة محفوفة بالكثير من المخاطر ‏خاصة اذا لم يكن للحاكم دراية بالسلطة وموازين القوى الداخلية ‏والخارجية.‏
بهذا المعنى فإنّ خوض معركة مصر بالنسبة الى الاخوان ‏المسلمين كان لحظة مهمّة وكانوا يخطّطون لسوريا والجزائر ‏وليبيا والسودان وكانوا ينفذون مخططاتهم أيضا في تونس، في ‏مثل هذه الوضعيات، يكون من يريد السلطة ضمن تلك الشروط ‏أمام خيارين لا ثالث لها إمّا الانتصار أو الانهزام، اذ لا وجود ‏لحالة وسط في مثل هذه الوضعيات.‏
مرسى واخوانه انهزموا، لعدّة أسباب، من بينها‎ ‎سوء تقدير الوضع ‏في مصر وفي تلك المرحلة من التاريخ واعتمادهم أكثر على ‏الإدارة الأمريكية في فترة أوباما ومراهنتهم على فوز هيلاري ‏كلينتون في الانتخابات الرئاسية... وكان للعديد من الأحزاب ‏التابعة لتنظيم الاخوان مثل حركة النهضة في تونس تقييمات ‏سلبية لتجربة مرسي وفي طريقته لإدارة الازمة.‏
اذن، يمكننا القول إنّ ''الاخوان المسلمين'' في مصر انهزموا ‏وفقدوا السلطة ودخل عدد منهم السجون وتمّ اعدام عدد منهم، ‏وكان ذلك متوقّعا، فالصراعات الطاحنة نهاياتها تكون قاسية على ‏من ينهزم.‏
بهذا المعنى فإنّ زعيما سياسيا بحجم محمّد مرسي لدى الاخوان ‏المسلمين، كان يدرك أنه يخوض تجربة محفوفة كثيرا ‏بالمخاطر، ومع ذلك خاضها. موته كان منتظرا من هذه الزاوية.‏
من لم يكن يتوقع موت محمّد مرسي أو بقاءه في السجون عشرات ‏السنين فإنّه لم يفقه في السياسة، وهي أساسا علم موازين القوى ‏بين المجموعات.‏
من لم يكن يدرك أنّ المناضل عبد الله أوجلان كان مصيره إمّا ‏الموت أو السجون إن لم ينتصر، مع التذكير بأنه مسجون منذ سنة ‏‏1999 أي منذ عشرين عاما في سجون تركيا.‏
ومن الطبيعي أن يكون مصير صدّام حسين الاعتقال أو الموت ‏بعد الهزيمة، وربما كان سيكون نفس مصير بشار الأسد لو انهزم.‏
هل كان سيكون للإرهابي عبد الحكيم بلحاج وجود لو لم ينهزم ‏القذافي...‏
موت موسي كان منتظرا أو متوقّعا، فكيف اذن تعاملت القوى ‏السياسية التونسية مع مأساة الرجل.‏
ما شدّ انتباه كلّ المتابعين هو بكاء المنصف المرزوقي الرئيس ‏التونسي السابق في المباشر عبر قناة الجزيرة، لفقدان مرسي.‏
ردّة فعل المرزوقي كانت لا تخفي مبالغة في التعبير عن أحاسيسه ‏رغم أنه بصدد التعامل مع موضوع سياسي.‏
طبعا لابدّ من التذكير بأنّ الرجل لم يتأثر بنفس القدر عند اغتيال ‏الشهيد شكري بلعيد خلال ولايته لرئاسة تونس ولم تكن له نفس ‏ردّة الفعل عند اغتيال الشهيد البراهمي أو عند اغتيال شهداء ‏المؤسستين الأمنية والعسكرية أو عندما كان تنظيم داعش ‏الإرهابي يذبح أبناء الشعب السوري بمباركة من سيادته عندما فتح ‏هذه الأرض لما يسمّى بأصدقاء سوريا. ‏
لقد ظهر المنصف المرزوقي عبر قناة الجزيرة، مهتزّا ومضطربا ‏ولم يتمالك حتّى أجهش بالبكاء وكان شهيقه يهزّ المكان حتى بلغ ‏الأمر بمصوّر الجزيرة بأن ساعده على كفكفة دموعه بمنديل.‏
وهل كان لمنصف المرزوقي أن ينتظر، ضمن الوضع السياسي ‏والإقليمي المتغيّر بشكل دراماتيكي في كامل المنطقة، أن يتوقّع ‏مصيرا آخر لمحمّد مرسي.‏
إنّ هوّاة السياسة وعديميها وحدهم يعجزون عن التوقّع والتحليل ‏والفهم، ويعجزون عن توقع مصير مأساوي لمحمّد مرسي الذي ‏هو نفسه كان ينتظره باقتناع.‏
يبدو أن المنصف المرزوقي الرئيس السابق للجمهورية التونسية ‏والمترشّح المحتمل لنفس المنصب نهاية سنة 2019 لم يكن يتوقّع ‏مصير الرجل.‏
إنّ البكاء بتلك الطريقة، عبر قناة تلفزية يتابعها الملايين، وهي ‏منحازة كما هو معلوم للإخوان المسلمين، لا يمكن أن يتجاوز ‏الصورة المشهدية، اذ كان بإمكان المرزوقي أن يعبّر عن حزنه ‏بطرق أخرى، أمّا البكاء فكان بإمكانه أن يقوم به في مكان ما ‏بعيدا عن كاميراوات التسجيل.‏
البكاء لايف هذا هو عنوان طريقة تعبير المرزوقي عن موت ‏مرسي، وهي بذلك المعنى لا تخرج عن المجال الاتصالي، ‏فالرئيس السابق يمارس ''الكوم ‏COM‏ '' ولكن بطريقة كانت ‏بسيطة ومباشرة.‏
هل رأيتم طارق عزيز كيف علّق على مقتل صدّام حسين وهل ‏رأيتم كيف تفاعل محمّد سعيد الصحاف... أو كيف رثى صدام ‏ابنيه قصي وعدي وحفيده المصطفى عند اغتيالهم من قبل المحتل.‏
إنّ للعظام ردودا عظيمة، فهي تقف صلبة قوية ممانعة قادرة على ‏زرع الأمل وتمرير رسائل البقاء والاستمرار.‏
إنّ بكاء المرزوقي على وفاة مرسي، اوقعته في ردّة فعل الانسان ‏البسيط وليس سلوك الزعماء ورجال الدولة، فالدولة لا إحساس ‏لها إنها التجلّي الموضوعي للعقل في التاريخ، يا سيادة الرئيس.‏
ومع ذلك قد يكون الأمر أضعفه وهزّ كيانه، وهذا ممكن إنسانيا، ‏فالموت حالة استثنائية تمسّ المشاعر وترفض العقل، لم يكن على ‏الرجل أن يبكي على المباشر أمام الكاميرا بتلك الطريقة ‏للاستعراض واستدرار عطف أنصار مرسي لغايات انتخابية، ‏فالتكتيك الاتصالي لا يستقيم أخلاقيا في مثل تلك الوضعيات.‏
في مقابل المرزوقي، استطاعت حركة النهضة أن تتعامل مع ‏الموضوع بعقلانية وبراغماتية، اذ فكّرت في ما بقي، وطالبت ‏بالإفراج عن مساجين التنظيم الدولي للإخوان وقال في بيانها إنها ‏‏«تأمل ان تكون هذه الحادثة الأليمة مدعاة لوضع حد لمعاناة آلاف ‏المساجين السياسيين واطلاق سراحهم وفتح حوارات بين مختلف ‏الفرقاء السياسيين من أجل حياة سياسية ديمقراطية.»‏
الموقف كان معقولا من زاوية حركة النهضة، ولم نر راشد ‏الغنوشي يبكي عبر قناة الانسان أو عبر الجزيرة.‏
وطالب حزب التيار الديمقراطي بفتح تحقيق في حادثة الوفاة.‏
أمّا بقية الأحزاب السياسية والشخصيات الفاعلة فاكتفت بالصمت، ‏ربما بسبب النسيان، أو لأنّ الموت هو حدث استثنائي لا يستوجب ‏الكذب.‏

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter