alexametrics
آراء

هل يكون إلياس الفخفاخ رئيس حكومة أو وزيرا أول ... ؟

مدّة القراءة : 5 دقيقة
هل يكون إلياس الفخفاخ رئيس حكومة أو وزيرا أول ... ؟

 

في ظرف وجيز جدا لم يتجاوز الأسبوع، أثار رئيس الحكومة المكلّف، إلياس الفخفاخ، الجدل والمواقف المتباينة بشأنه.. الحبيب الجملي الذي سبقه في هذه الخطة استغرق شهرا كاملا ليستوعب ما يجري من حوله ثم شهرا آخر ليختار العائلات السياسية والشخصيات التي سيتعامل معها. أما الفخفاخ فلم يضع الوقت وصارحنا بما يعتزم فعله. 

 

هناك إجماع على أنّ إلياس الفخفاخ ليست له الشرعية الشعبية التي تخوّل له رئاسة الحكومة الجديدة، فالرجل لم يحصد سوى 0.34 بالمائة من نسبة الأصوات في الإنتخابات الرئاسية في حين لم يفلح حزبه "التكتل" في الحصول على أي مقعد في البرلمان.. شرعيته الوحيدة يستمدها من رئيس الجمهورية، قيس سعيّد وبدرجة أقل من رئيس حكومة تصريف الأعمال، يوسف الشاهد الذي كان حزبه "تحيا تونس" الوحيد الذي اقترحه ليكون مكلفا بتكوين الحكومة.. صحيح أن تزكيته من رئيس الدولة ورئيس الحكومة بالإضافة إلى حصوله على موافقة التيار الديمقراطي (دون اعتراض) كلها عوامل تمنحه الشرعية المطلوبة ولكن عليه أن يقوم بالكثير ليحظى بالشرعية الحقيقية لدى عامة الناس. 

 

قبل حتى أن يشرع في عمله، يجد إلياس الفخفاخ نفسه مدينا لقيس سعيّد ويوسف الشاهد ومحمد عبّو.. فلولاهم لظل ذلك السياسي الصغير الذي لا تتجاوز شعبيته 0.34 بالمائة.. إلا أنه عاش هذا الوضع منذ ثماني سنوات حين كان مدينا لمصطفى بن جعفر صاحب الفضل عليه فلولاه لما أصبح الفخفاخ وزيرا أو رجل سياسة. 

 

عادة ما يحمل السياسي معه رصيدا من النضالات كما يكون صاحب تجربة وبرنامج وله وعود ورؤية وخبرة وشبكة علاقات لا يستهان بها… غير أن إلياس الفخاخ يأتي اليوم وفي رقبته دين تجاه هؤلاء. 

 

ففي 2012 ولأنّه تم تكليفه من قبل بن جعفر الذي هو نفسه اختارته حركة النهضة، رأى الفخفاخ أنه من الضروري بصفته وزيرا للمالية أن يهدي الإسلاميين ما رفض سلفه، حسين الديماسي)أن يسلّمهم إياه.. ومن هنا كان الفصل 32 من قانون المالية لسنة 2013 (منشور في الرائد الرسمي بتاريخ 1 جانفي 2013) والذي مُنح بموجبه إرهابيون سابقون وفارون من العدالة في عهد النظام السابق، نسبة من رواتب الأجراء ومساهمات الأعراف تصرف لهم نظير عقود قضوها في السجون والبطالة.. وقد كلّفنا هذا وما زال مليارات الدنانير فضلا عن إفراغ الصناديق الإجتماعية.. كان على الفخفاخ أن يفعل المستحيل لإرضاء الإسلاميين وردا لجميلهم عليه فلولاهم لما أصبح ما هو عليه اليوم. 

 

في 2020 يعاد السيناريو ذاته ويقدّم له قيس سعيّد منصب رئيس الحكومة على طبق من فضّة لذلك سيبقى إلياس الفخفاخ مدينا له.. ولمّا يطلب منه إقصاء حزب قلب تونس والحزب الدستوري الحر من الحكومة فإن الفخفاخ سيمتثل له وسيقصيهما من الحكومة حتى وإن استدعى الأمر فقدانه مصداقيه. 

 

ولنا أن نتساءل أحيانا إن كان سياسيّونا اطلعوا على ما خطّه الفلاسفة الكبار أمثال أرسطو حول السياسة؟ وهل قرأوا عن تاريخ الشعوب العظمى وما حققه الآباء المؤسسون مثل جورج واشنطن؟ هل يعرفون ماكيافيل؟ أو هل أنهم حتى شاهدوا بعض الأعمال السينمائية التي لابد لكل سياسي أن يشاهدها على غرار  « House of Cards » ou «Designated Survivor ».. كل تصرفات الفخفاخ منذ البدايات تدل على أنه لم يقرأ ولم يشاهد ما ذكرته وأرجو أن أكون مخطئا في تقديري هذا. 

 

غير أن سلوكه وتصرفاته تدل على أنه مبتدئ.. فبالنسبة إلى الزميل برهان بسيّس، ارتكب الفخفاخ خطأ تكتيكيا حين كشف عن ملامح خطته لتشكيل الحكومة بإقصاء حزب قلب تونس.. فمصير حكومته أضحى بيد النهضة. الإقصاء أمر مشروع وممكن في السياسة لكنها أمر يؤتى ويسكت عنه، فما بالك حين يخوض في المسألة ولم يشرع بعد في العمل. 

 

من المؤكد أنّ قيس سعيّد ربط تكليف إلياس الفخفاخ برئاسة الحكومة، بإقصاء حزب قلب تونس.. هذا أمر مشروع لكنه انتحاري.. فقبل حتى أن ينطلق في عمله يكون الفخفاخ بذلك قد استغنى عن أصوات 38 نائبا

 

في البرلمان هم نواب قلب تونس.. وكان الأرجح لرجل سياسة مبتدئ أن يلتقي قيادات الأحزاب ويطلعهم على برنامجه ورؤيته وينصت إليهم ثم يتخذ قراره.. المنطق يفرض على رجل السياسة المتبصّر أن يترك الباب مفتوحا أمام كل خصومه ومعارضيه.. رجل السياسة المحنّك كان عليه أن يقول لقيس سعيّد إنه يرفض ربط تكليفه بإقصاء زيد أو عمر لأنه ليس من مصلحة أحد إعطاء هذه الصورة وأن هذا الإقصاء قد يؤدي إلى طريق مسدود. 

 

الصورة التي أفلح في تقديمها إلياس الفخفاخ، أربعة أيام فقط بعد تكليفه، هي أنه قبِل بأن يكون وزيرا أوّل لدى قيس سعيّد وبأن يكون مدينا لمن اختاره لترؤس الحكومة المقبلة حتى وإن تطلّب منه الأمر التنكر لقيمه ومبادئه وبرنامجه وتصريحاته. 

 

في سبتمبر 2019 وفي خضمّ الحملة الإنتخابية كان إلياس الفخفاخ يتحدّث إقتصاديا عن  تحرير الأسعار والخوصصة والتكنولوجيات المتطورة (توجهات يمينية) .. أما قيس سعيّد فيتحدث عن الحكم المحلي الشعبي (توجه يساري) وهو ليس له حتى حساب فايسبوك وكان يتباهى بذلك.. إجتماعيا صرّح الفخفاخ أنه مع المساواة في الميراث وعدم تجريم استهلاك الزطلة وضد حكومة الإعدام أي أنّه نقيض سعيّد المحافظ فلا شيء يجمع بين الرجلين من هذه الناحية. 

 

يوم 20 جانفي 2020 حين تم تكليفه، تعهّد إلياس الفخفاخ بالعمل على الحصول على أكبر حزام سياسي وأنه لن يقصي أحدا.. بعد أربعة أيام قرر إقصاء  ما لا يقل عن 25 بالمائة من نواب البرلمان..! 

 

فباختياره شخصية لم تقترحها أغلبية الأحزاب ورفضتها صناديق الإقتراع، يكون قيس سعيّد نصب فخّا كبيرا لإلياس الفخفاخ.. وهو فخ تفطّن له الفاضل عبد الكافي وحكيم بن حمودة. 

 

فأمام مسيرته ومصالحه الشخصية لم ير الفخفاخ أو تغاضى عن رؤية ذلك الفخ الذي نصبه له رئيس الجمهورية ووافق على الفور بالشرط المرتبط بمسألة تكليفه مثلما وافق في الماضي بالشروط التي أملاها عليه مصطفى بن جعفر. 

 

في سن 47 سنة يعطي إلياس الفخفاخ الانطباع بكونه لا يريد أن يكون سيّد قراره ويفضّل الإصغاء لمن يكبرونه سنا حتى يقوم هو بما يعجزون عن فعله.. لذلك تصرّف اليوم مع قيس سعيّد بالطريقة ذاتها التي تعامل بها بالأمس مع مصطفى بن جعفر.. في حين كان بمقدوره أن يتصرّف كقائد مسؤول لكنه يفضّل أن يكون جنديا يلتزم بالأوامر.. في حين بمقدوره أن يكون رئيس حكومة يفضّل أن يكون وزيرا أول. 

 

لماذا يتصرّف بهذا الشكلّ؟ يبدو أن إلياس الفخفاخ مدرك جيدا ومقتنع بأن لا مشروعية له .. فهو لم يكن يمتلكها في 2011 بما أنه يفتقر لتاريخ نضالي وهو مدين لمصطفى بن جعفر بما وصل إليه اليوم.

 

في 2020 يعاد السيناريو ذاته .. بين 2013 و2019 لا أحد سمع عن إلياس الفخفاخ .. بعد أن أتمّ مهمته في حكومة الترويكا، غاب عن الأنظار ولم نسمع له موقفا من مختلف الأزمات والصعوبات طوال السنوات الماضية. فهو اعتقد، مثل حزبه تماما، أن التصرف الأمثل هو عدم فعل أي شيء توقيا من الوقوع في الخطأ. فدون تاريخ سياسي طيلة هذه السنوات ودون شرعية انتخابية (0.34 بالمائة) ودون دعم من أغلبية الأحزاب البرلمانية (نظريا 36 نائبا اقترحوه من بين 217)، يدرك الفخفاخ جيدا أنه لا ثقل ولا وزن له بعيدا عن قيس سعيّد.

 

حين نعلم ما يدين به رئيس الحكومة المقبل لرئيس الجمهورية واستعداده لتقديم فروض الولاء والطاعة وأن برنامجه السياسي نقيض برنامج سعيّد وحين نعلم أن هذا التكليف هو بكل بساطة غير ديمقراطي ومناقض لشعار (الشعب يريد) الذي يرفعه رئيس الدولة، من الصعب الإبقاء على منسوب الثقة الممنوح لإلياس الفخفاخ .. من الصعب القبول بشخص ضعيف عاجز عن مخالفة أصحاب الفضل عليه .. رجل يفضّل مصلحته الشخصية على الصالح العام .. أرجو أن أكون مخطأ.

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

النشرة الإخبارية