alexametrics
آراء

هناك مافيات غير التي زُجّ بها في السجن

مدّة القراءة : 5 دقيقة
هناك مافيات غير التي زُجّ بها في السجن

 

في ساعة متأخرة من مساء الجمعة 15 نوفمبر، غادر سامي الفهري، مركز الإيقاف الذي قضّى فيه عشرة أيام من الإيقاف التحفظي وهي المدة القصوى التي ينص عليها القانون التونسي .. فهل استوعب سامي الفهي الدرس؟ وهل سيخضع لضغوط الإسلاميين ؟ أتراه سيبث الوثائقي المتعلق بالثراء غير المشروع لحركة النهضة ؟ وهل سيجرؤ على مهاجمة يوسف الشاهد في الإنتخابات المقبلة مثلما فعل في الإنتخابات التي سبقتها؟

 

بأمر من النائب العام، أصدر قاضي التحقيق مساء الجمعة قراره  بأنه لا وجود لما يستوجب الإحتفاظ بسامي الفهري. وهنا نجد أنفسنا أمام احتمالين إما أن يكون سامي الفهري مافيوزيا وملفه يحتوي على كل ما يستدعي الإحتفاظ به لمدة تفوق عشرة أيام وفي هذه الحال لما نفهم لماذا قرر قاضي التحقيق الإفراج عنه هو وإلهام ترجمان المتصرفة القضائية لشركة كاكتوس للإنتاج والمتصرف في هذه الذشركة التي أسسها الفهري وإما أن يكون الملف فارغا (أو على الأقل ليسا ملآنا بما فيه الكفاية) لتبرير هذه المدة الطويلة من الإيقاف التحفظي ومن هنا يأتي قرار القاضي بالإفراج عن سامي الفهري وفي هذه الحالة لا نفهم لماذا قضت النيابة العمومية بإيقافه أصلا؟ .. في الحالتين هناك خلل إجرائي قضائي. هذه الحلقة الجديدة من مسلسل الإيقافات التي شملت إحدى الشخصيات الإعلامية، تأتي لتلقي الشكوك من جديد حول منظومتنا القضائية وبعض القضاة وحسن سير مرفق العدالة .. وإذا استحضرنا قرارات الماضي غير البعيد في علاقة بتجميد الأموال وتحجير السفر، فلا غرابة في عزوف أي مستثمر أو رجل أعمال عن الإنتصاب في تونس التي قد يكون فقد ثقته فيها.

 

ما حصل مع سامي الفهري ومع نبيل القروي من قبله أسال الكثير من الحبر .. وبإمكانكم أن تسألوا أي مواطن عادي وسيقول لكم إن كليهما مافيوزي وسارق ومتهرب ضريبي .. فهذا هو رأي بعض اليساريين والمواطن العادي في معظم الأحيان "إذا كنت ثريا فأنت محل شبهات" وهذا ليس حكرا على تونس بل نلاحظه غالبا في البحر الأبيض المتوسط وعند العرب. فنحن حين نرى شخصا يركب سيارة فخمة نتهمه بأنه سارق ونقوم بالمستحيل لتشويهه وتعطيله لأخذ مكانه.. لكن اذهبوا إلى أمريكا الشمالية وستكتشفون عقلية مغايرة تماما .. فهم حين يصادفون شخصا في سيارة فخمة أو أصبح ثريا، يحاولون كل ما في وسعهم لمعرفة كيف نجح وبالتالي توخي منهجه في الحياة .. ولهذا السبب يوجد في الولايات المتحدة أمثال مارك زوكربارغ وبيل غايتس ودجيف بيزوس وستيف دجوبس ولاري بايج وهي أسماء نكاد لا نسمع بها أبدا في أوروبا أو إفريقيا بسبب هذه العقلية التي تقوم على الحقد والغيرة والحسد.

 

يسا ملآنا بما فيه الكفاية) ج والمتصرف في هذه الذشركة التي أسسها الفهريري. في تونس تفاقم هذا "المرض" منذ الثورة واستفحل .. فقد بدأت تجلياته تظهر منذ 2011 من خلال قانون تجميد ومصادرة الأموال والممتلكات .. قائمة تتضمن حوالي 300 شخصية لا ندري من كان وراء إصدارها، لمجرد أن أولئك الأشخاص كانت لهم علاقات قرابة أو أعمال مع عائلة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي .. دون أي شكل من أشكال العدل أو أي تحقيق قضائي لإثبات ما إذا كانت تلك الأموال والممتلكات سليمة أو فاسدة. فهل أنتم على يقين من أن مروان المبروك وكمال لطيّف وسامي الفهري ونبيل القروي سارقون؟ هل لديكم دليل على ذلك ؟ أعلم أن مجرد طرح مثل هذه الأسئلة يجعل من صاحبها مشتبها به:  "كيف تدافع عن مافيوزي وعن أزلام النظام البائذ؟ ألم تطّلع على تقرير منظمة أنا يقظ؟ الأكيد أنك تسلمت رشوة " هذا ما قد يسمعه كل من يطرح مثل تلك الأسئلة.

فالشعب يحب التخبّط في أحكامه المطلقة والمسبقة .. فهو مقتنع بها أيما اقتناع مثل إيمانه بالله ورسوله محمد.. فتجده يرفض كل من يشكك في قناعاته .. فحين تقول له إن رجل الأعمال ذاك قد يكون "نظيفا" فكأنما شتمت أو كفرت .. يجب علينا ألا ندافع عن حكم الأقلية (الأوليغارشية) وطالما نحن متمسكون بهذه العقلية وبهذه الثقافة فلن نتقدّم ولو قيد أنملة أبدا. فهذه ثقافة مترسّخة ومتجذّرة فينا إلى درجة أننا نجدها في العديد من نصوصنا القانونية .. لذلك فإن إيقاف سامي الفهري أو نبيل القروي وكذلك اتهام مروان المبروك أو سليم شيبوب يجعل منك إنسانا نزيها ونظيفا وجنديا من مجنود مكافحة الفساد وستتحسّن صورتكم لدى عامة الناس والشعب بصفة عامة.. حركة النهضة ويوسف الشاهد والنيابة العمومية يدركون هذا جيدا .. ولا يهم إن كان البعض من تلك الإيقافات ذات طابع سياسي أو من قبيل تصفية الحسابات أو لتعطيل صعود منافس في الإنتخابات .. فالشعب لا يهتم لهذه التفاصيل .. المهم أنه تم إيقاف "مافيوزي" ولا تتجرأ على القول إنه ليس كذلك ففي تلك الحال سيتهمونك أنت بكونك "مافيوزي".

 

فلنواصل في هذا التوجّه الشعبوي ولنفترض أن سامي الفهري سارق وأن نبيل القروي مافيوزي حتى وإن كنا لسنا على اطلاع كبير بملف هذا وذاك. ماهي التهمة الموجّة ضد سامي الفهري؟ حسب المعطيات المتوفرة لدينا حاليا فإنه متهم بإغراق شركة كاكتوس لفائدة مؤسسته الثانية Eight Productions .. مازلنا في انتظار وعود النيابة العمومية بالكشف عن المحجوزات الموجودة في منزل سامي الفهري والتي تم حجزها في ساعة متأخرة من تلك الليلة التي تم إيقافه فيها إذ يبدو أنه تم وجود قرائن وأدلّة كثيرة تدينه وهو ما صدّقه "الشعب" في بادئ الأمر دون أن يبدي أي شكوك حول المسألة.

 

أليس سامي الفهري هو مؤسس كاكتوس والذي تم اتهامه في يوم ما بأنه كان شريكا لبلحسن الطرابلسي حتى يستطيع العمل بعد أن أغلقت في وجهه كل أبواب التلفزة العمومية ورفض إسناده الترخيص الذي يخوّل له بعث قناة تلفزية؟

 

أليس الفهري هو ذلك الرجل الذي تم تجميد أمواله منذ 2011 ومصادرة ممتلكات شريكه والتي أصبح يتصرّف فيها متصرّفون قضائيون هم من تسببوا في إفلاس العديد من المؤسسات والشركات؟..

 

فلنفترض أنّ سامي الفهري سارق، ستتم محاكمته وإصدار حكم بشأنه ثم الزج به في السجن، مثله مثل أي منحرف .. لكنه صار حريفا وفيا للدولة وكل من وضع تلك القوانين المحتالة التي خلقت مافيوزي. سيتم الزج بسامي الفهري في السجن وسيتم غلق قناته وإحالة الفريق العامل معه على البطالة .. لكن سيوجد "سامي الفهري" آخرون طالما هنالك قوانين محتالة وعدالة ظالمة.

 

ماهي التهمة الموجّهة في حق نبيل القروي؟ هي التهرب الجبائي. مهما كانت المبالغ المطالب بدفعها فإن نبيل القروي توصّل إلى حل مع إدارة الجباية وقد تمت جدولة الديون المتخلدة بذمته. فوزارة المالية لم تتقدّم أبدا بشكوى ضد القروي كما أننا لم نسمع عن شخص ألقي به في السجن بتهمة التهرب الضريبي. ولكن لنفترض أن نبيل القروي هو متهرّب ضريبي وبالتالي قام بنهب أموال الشعب، فإنه كأي صاحب مؤسسة يواجه مشاكل مالية خلال الأزمة الراهنة .. فهو مع آخر كل شهر يجد نفسه أمام خيارين إما أن يوفّر رواتب العاملين معه في الوقت المحدد لذلك أو أن يدفع ما يتخلد بذمته لمصلحة الضرائب.. لكنه اختار أن يسلّم موظفيه رواتبهم والتوصل إلى حل مع الإدارة الجبائية. منذ إيقافه يتساءل العديد من أصحاب المؤسسات عما إذا كان ذلك الخيار الصائب. عندما تعترضنا مشاكل مالية ومادية مستقبلا سنقوم بطرد العملة والموظفين وسنقوم بسداد ديوننا لفائدة مصلحة الضرائب في الوقت المستوجب.. هذا هو الدرس الذي يجب استيعابه من خلال توجيه التهم لنبيل القروي باعتباره قام بنهب أموال الشعب.

 

لكن هل يمكن اعتبار كل متهرب ضريبي سارقا؟ يبدو السؤال بديهيا في ظاهره لكنه جدير بأن يطرح لأن ما يجهله الكثيرون (من الشعب) هو أنّ مبالغ الأداء على القيمة المضافة أو الأداءات على المرابيح ليست من الأموال التي ربحتها المؤسسة. فالدولة تسترجع من المؤسسات الأداء على القيمة المضافة وهي مبالغ تسترجعها الدولة من الحرفاء. فحين تمتنع مؤسسة ما عن سداد هذا المبلغ لدى مصالح الجباية فهذا يعتبر تهربا ضريبيا وبالتالي سرقة  وهو المبدأ المعمول به في كل دول العامل في ما يتعلق بالأداء على القيمة المضافة .. لكن في تونس "وبفضل" قانون محتال صادر منذ زمن بن علي فإن على الشركات خلال الأداء على القيمة المضافة قبل إتمام معاملاتها مع الحريف النهائي. لمزيد توضيح المسألة نقول إن الدولة تفرض على الشركات خلاص هذه المعاليم في الوقت الذي تُصدر فيه الفواتير. فالدولة تطالب بالمعاليم الجبائية فورا، دون الأخذ في الإعتبار إذا كان المال سيدفع بعد ثلاثة أشهر أو ستة، في حين أنها هي لا تسدد فواتيرها إلا بعد 90 يوما على الأقل. وإذا كان الحريف النهائي لم يسدد فاتورته ففي هذه الصورة أيضا على الشركة أن تدفع الأداء على القيمة المضافة بعنوان منتوج قامت ببيعه لكنها لم تتسلّم ما يقابله مالا.. هذه سرقة موصوفة من قبل الدولة ولكن لا أحد يتحدث عنها.  

 

لذا سيتم الزج بنبيل القروي في السجن وغلق قناته وإحالة العاملين معه على البطالة ولكن هناك "نبيل القروي" آخرون طالما توجد هذه القوانين المحتالة والعدالة الظالمة.

 

فلتفترض أن التهم بالفساد الموجهة لنبيل القروي وسامي الفهري مؤكدة، فإنهما يستحقان العقوبات المسلطة عليهما باعتبارهما مخالفين للقانون مهما كان محتالا.. فلا يمكن التسامح مع خرق القوانين حتى وإن كانت نواياهما سليمة أو مبررة .. لكن إدانتهما لن تمنع ظهور محتالين جدد طالما أن قوانيننا جائرة وبعض قضاتنا ليسوا أهلا لهذه الصفة.

 

ثورة 2011 التي يصفها البعض بثورة المتسولين والصعاليك، مطبوعة بروح الإنتقام والتشفي ومعاداة الثروة والقيمة المضافة وهو ما شهدناه بإسهاب مع جماعة التكتل من أجل الجمهورية .. هذه الثورة لن تثمر نموا كما أنها لن تشجّع المستثمرين وستساهم في مزيد تفقير التونسيين.

 

الثورة الحقيقية والإيجابية هي تلك التي تقضي على البطالة وتعيد للشعب كرامته وتضمن الحقوق والعدل للجميع سواء كانوا أشخاصا أو مؤسسات فالعدالة يجب أن تكون محايدة وبمنأى عن السياسة كما أن القوانين يفترض أن تخدم مصلحة المواطن ونمو البلاد وليس مصلحة الدولة فحسب.

 

بإيقاف سامي الفهري وباقتراحها مجرّد دمية في القصبة، فإن حركة النهضة، الفائزة من جديد في الإنتخابات، تساهم في ديمومة ثورة الصعاليك والمتسولين التي نعيشها منذ 2011 وليست هذه الثورة التي نريد.

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

النشرة الإخبارية