alexametrics
أفكار

والآن.. ماذا بعد؟ (الأهم والمهم...)

والآن.. ماذا بعد؟
(الأهم والمهم...)

 

رغم الظروف الصعبة والمعقدة التي تولى فيها فقيد الوطن الباجي قائد السبسي مقاليد السلطة منذ عودته إلى المشهد السياسي عام 2011، سعى  الرئيس الراحل إلى صناعة التاريخ من خلال السير على نهج "معلمه" الحبيب بورقيبة، حيث لم يبخل بجهد من أجل الحفاظ على تماسك الدولة ومناعتها وترسيخ كل ما من شأنه تعزيز الوحدة الوطنية بين التونسيين وتفادي الفرقة والتشتت بينهم، سواء عندما دعاه الرئيس فؤاد المبزع لخلافة الوزير الأول محمد الغنوشي على رأس الحكومة أو عندما عاد إلى قصر قرطاج رئيسا للجمهورية بعد أول انتخابات حرة ونزيهة شهدتها البلاد منذ استقلالها.

 

وبالمقارنة مع من سبقوه إلى كرسي الرئاسة بما في ذلك الرئيس بورقيبة، فإن السلطة لم تُغير الباجي قايد السبسي كثيرا، لا بل هو الذي غيرها وطوّعَ نواميسها الجامدة وطقوسها البالية وواكب متغيراتها ليكون قريبا من الناس، منصتا إلى مشاغلهم، صادقا معهم في السراء والضراء، متفاعلا مع مطالبهم، متقبلا لانتقاداتهم ومتسامحا مع قسوة بعضهم برحابة صدر لم يضاهيه فيها أحد في المشهد الوطني...

 

كان متواضعا في علمه وتجربته، أنيقا في مظهره لطيفا في حركاته، ومرنا في اجتهاداته، كان مستمعا جيدا ومتحدثا لبقا في المجادلة وترويض الكلمات وبارعا في التعبير عن الأفكار المشاعر. هو المسؤول الوحيد في الدولة الذي كان، رغم سنه وموقعه، يستقبل ضيوفه عند باب مكتبه ويرافقهم إلى الباب عند نهاية اللقاء بابتسامة لا تفارق محياه.

 

كان ينبهر  ب"معدن الرجال" وثباتهم على النوائب وتواضعهم وترفُعهم عن صغائر الأمور ولا يكترث بتصرفات "الأولاد/ الذراري الصغار"...كان تونسيا حتى النخاع يعرف البلاد بمختلف مناطقها وعروشها وتقاليدها، يعرفها في وحدتها وفي تنوعها وفي هدوءها وغليانها. كان يحمل أعباءها وجراحها وطموحاتها في كل نفس من أنفاسه وفي كل نبضة من نبضات قلبه وفي كل مكان كان يتواجد فيه...

 

غير أن التونسيين لم يتركوا للمؤرخين والمحللين فرصة لتقييم المسيرة الطويلة للفقيد تقييما تاريخيا موضوعيا وتسجيل نجاحاته وإخفاقاته ومواقفه للحكم له وعليه سيما خلال فترة ما بعد الثورة.

 

فبعد أن أدخلوا الباجي قايد السبسي إلى قصر قرطاج عام 2014 رئيسا للجمهورية في انتقال سلمي غير مسبوق للسلطة في تاريخ تونس، ودّعوه إلى مثواه الأخير قبل أسابيع معدودة على اكتمال عهدته بطلا قوميا وزعيما تاريخيا فذا في مشهد قد يُصبح، إن أراد التونسيون ذلك، لحظة مفصلية فارقة في بناء مستقبل أفضل من حاضرهم القاتم.

 

لقد استوعب التونسيون جيدا وبسرعة مذهلة رسالة الأقدار التي شاءت أن وافت المنية رئيسهم صبيحة احتفالهم بعيد الجمهورية، وكأن الرجل أراد أن يترك لهم ولمن سيختارونه لخلافته وصية يقول فيها: الموت حق، كلنا إلى زوال. أما الجمهورية فباقية..والدولة دائمة..حافظوا عليها، إعملوا من أجلها وفي سبيلها للتغلب على الصعاب وإرساء العدل بين الناس وحماية حقوقهم والدفاع عن حريتهم وتحقيق الرخاء والإستقرار لوطنكم. كونوا يدا واحدة في تواءمكم وفي تنوعكم، لا تجعلوا من الجمهورية مدعاة لخلافاتكم وحساباتكم وطموحاتكم وخدمة مصالحكم الضيقة و "ما تضيعوش وقتكم في تقشقيش الحناك". ألا قد بلّغت، اللهم فاشهد...

 

رحل الرئيس وسنفتقده بلا شك. سنفتقد الأمان الذي كنا نشعر به لوجوده في قصر قرطاج وخصالا كثيرة أخرى. لكن، ماذا بعد؟ هل سنعود بعد نهاية فترة الحداد الوطني إلى دوامة التجاذبات والتناحر والإنقسام من أجل عيون السلطة، وتبقى دار لقمان على حالها سيما وأننا سنقضي ما تبقى من هذا العام في حالة انتخابية دائمة ومتشنجة بكل ما في ذلك من إرباك للدولة واقتصادها المنهك ولمؤسساتها وإدارتها على الصعيدين الوطني والمحلي؟

 

وهل فعلا سنلتزم بوصايا رئيسنا الراحل والعهد الذي أخذناه على أنفسنا خلال تشييعه ونقبل مواصلة السير على دربه بأدوات لم يكن يستسيغها وكان يعتبرها عائقا أمام وحدة التونسيين وتماسكهم لأنها لا تتلاءم مع الحقبة التي نعيشها ومع ما نطمح إليه جميعا من استقرار ونجاعة وانسيابية ومرونة داخل منظومة الحكم التي تسيّر شؤون بلادنا؟

 

فمن المعلوم للتونسيين أن الرئيس الراحل لم يكن متوافقا مع دستور 2014 معتبرا أنه وُضع على المقاس على أساس حسابات آنية ضيقة، وأنه بذريعة الخوف من "التغول"، جاء بنظام سياسي هجين يكرس التجاذبات والتناحر ولا ينسجم مع تقاليد الحكم في المجتمع التونسي ولا يضمن استقرار منظومة الحكم.

 

وكان يعتبر أنه من الأفضل لتونس أن تُحكم بنظام رئاسي تكون فيه السلطة التنفيذية برأس واحد وليس برأسيْن كما هو الحال وفق دستور الترويكا، وإلا فما جدوى أن يكون رئيس الجمهورية منتخبا مباشرة من الشعب لكن بصلاحيات تنفيذية محدودة.

 

كما كانت له اعتراضات جدية على القانون الإنتخابي النسبي إذا كان يرى أنه نظام  أعرج ولا يلبي طموحات عموم الناس في تمثيل برلماني عادل ومتوازن من حيث أنه يكرس من جهة هيمنة الأحزاب الكبرى على منظومة الحكم ومن جهة أخرى يسمح بالسياحة الحزبية والمتاجرة بأصوات الناخبين ولا يُفْرِزُ إلا تشتتا لأصواتهم وتشرذما لتوزيع المقاعد في مجلس النواب.

 

فضلا عن ذلك، وإن بدا للبعض أن الراحل قد خالف الدستور برفضه التوقيع على التعديلات التي أرادت أحزاب الحكم إدخالها على القانون الإنتخابي بعد المصادقة عليها في مجلس النواب وإقرار دستوريتها من قبل الهيئة المؤقتة للنظر في دستورية القوانين، فإن الفقيد بيّن للتونسيين برفضه المصادقة على تلك التعديلات ونشرها في الرائد الرسمي أنه في آخر المطاف المؤتمن الوحيد على روح الدستور الذي يساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات.

 

لقد قال الرئيس للتونسيين في صمته وأوجاعه إنه لا يقبل على نفسه وهو في حالة صحية حرجة يستعد للقاء ربه، التصديق على إقصاء فئة من التونسيين لفئة أخرى بسبب حسابات انتخابية ضيقة وغير محسوبة العواقب، حتى وإن بدا بعضها مشروعا.

 

لذا، فإن الأمانة التي تركها الرئيس الراحل للتونسيين ولنخبهم السياسية ولمن سيختاره الناخبون خليفة له في غضون الأشهر الثلاثة المقبلة ثقيلة وتحتاج من المرشحين لرئاسة الجمهورية التحلي بالجرأة والثبات ورباطة الجأش والصدق التام مع النفس ومع الناس لمصارحتهم بأن مواصلة العمل بالآليات الدستورية والإنتخابية الراهنة التي تبين وهنها وضحالتها ومحدودية أفقها وعدم ملاءمتها لطموحات التونسيين في إقامة حكم مستقر ومتماسك ومنسجم مع واقعهم، سيُعَرّضُ البلاد إلى مزيد من الجمود والتشرذم والإضطراب والركود الاقتصادي والعجز التنموي.

 

كما أن مواصلة العمل بتلك الآليات ستفرض علينا ولاية رئاسية وتشريعية أخرى عاقرة، وتُضيِّع علينا سنوات ثمينة بوسعنا أن نستغلها بعد الانتخابات  المقبلة لإصلاح ما أفسدته أنانيتُنا وحساباتنا الخاطئة واستهتارُنا بالقيم التي تجمعنا، والتي تجلت في أبهى مظاهرها يوم 27 جويلية خلال تشييع فقيدنا الكبير إلى دار الحق. إنه التحدي الأكبر لبلادنا ولشعبنا ولرئيسنا المنتَخَب ومحلس نوابنا المقبل، وتونس بينت لنفسها وللعالم أنها تطمح إلى الأفضل.. وهي بكل أمانة تستحق الأفضل.

 

 

 

 

 

   

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

النشرة الإخبارية