alexametrics
آراء

وصيتي اليكم وأنا أقول وداعا ..

مدّة القراءة : 2 دقيقة
وصيتي اليكم وأنا أقول وداعا ..

 

(لا، أنا لست أحتضر وهذا ليس وداعا للأبد، كم تعشقون النكد.)

 

 

مرحبا مُجددا، أيّها الغرباء القليلون الذين لا أعرفُ وجوههم- كيف حالكم؟

 

 هل ظننتُم أنني سأمضِي دون أن أقول وداعًا!  قضيت الأسبوع أنتظر ساعةَ هوادةٍ أنزعُ فيها عقلي الأرعن لأكتب لكـُم بقلبي، لكنني لن أفعل ذلك.  أنتم تعرفون مُسبقًا الحالَ في هذا البلدِ الصّغير، وتعرفون أنّ الحجر الصحي في طريقهِ للرّفع وأن ذلك يعني نهاية يوميات الكورونا.  

 

لماذا تبكون وتُولوِلون؟ علمتم أنني سأرحلُ منذ البداية. أرجو أن لا تأتوا إلى مقّر بيزنس نيوز (نهج سراييفو، حي النصر1) رافعين لافتات وشعارات تُطالب بعودتي، أطلب منكم بلُطف أن لا تعتصموا أمام بابنا لأنّ نزار بهلول لن يجد أين يضع سيّارته. هل يُرضيكم أن يضطر للقدوم على قدميه إلى مكتبه، وكأنه ليس مديرًا تنفيديا ليبراليا مُحترما! هل تتخيلون الفضيحة! أنا لم أعدكم بالبقاء، لم أخدعكم، لكنني خنتكم مع قرّاء آخرين.. طيلة الوقت..  صدّقوني، فكّرتُ بكم وأنا معهم. الإغراءاتُ كثيرة في هذه الدُنيا، لم أقدر أن أكون وفية لكم. أنتم لستم السبب وتستحقون أفضل منّي. عليكم مُواصة حياتكم، حتّى إن بدا ذلك مُستحيلا ولم تقدروا على العيش دوني أنا وسندة طاجين، حاولوا، ربّما في مكان مـا.. ينتظركم صحفيون أفضل منّا.  

أيها الغرباء الذين لا أعرفُ وجوههم- يوجد في هذا العالم فيروس أخطر من الكورونا : العنصرية.  أنا لا أملكُ السلطة الاعتبارية الكافية لأقول "أوصيكم خيرا بالإنسان". أو، أتعرفون؟ تبّا للسلط الإعتبارية! أنا مجرد فتاةٍ مغمورة أوصيكم خيرا بالإنسان. في عوالمِ النص التي جمعتنا لم أعرف دينكم ولونكم وجنسكم. علمت فقط أنني أُخاطب إنسانــًا. ندينُ لبعضنا باللُطف، بالخير، بالإحترام، لكن قبل ذلك، يحقّ لنا أن نغضب. ولذلك أوصيكم بالغضب قبل المُصالحة، أوصيكم بالرفض قبل المُساومة، أوصيكم بأن تنحازوا للعدلِ والحقّ وأن تؤلمكم رُكبة شرطيّ أبيض على رقبة مُواطن أسود في الطرف الآخر من العالم. عليكم حينئذ ٍ أن تتعلموا كيف تلبسون جلدا أسودًا حين يكون المعتدي عنصريا كما تعلم السود أن يرتدوا أقنعة بيضاء حتّى يكونوا متساويين مع أسيادهم، وكأنه خطيئة، هذا اللون، وكأنه يعني أنك لا تستحق وجودك. فرانز فانون ناقش ذلك متحدثا عن علاقة العنصرية بالرأسمالية والاستعمارية كأنه خلال طرحه كان يعلم ماسيحدث في سنة 2020. عليكم أن تتعلموا كيف تضعون على ظهوركم كلّ التاريخ الأسود حتى ترتعد عظامكم، تُحسون على أصابعكم ملمس جذور القطن الخشنة، تتنفسون دُخان أجساد أسلافكم المحترقة، تُنسب ألقابكم لأسماء أسيادكم، تُفرد سيقانكم بسلاسل الحديد ويتداولون على إغتصابكم ثمّ يقتلون أبناءكم اللقطاء ببندقيات الصيد، تُجلدون، يُسخن الحديد ليُطبع على أكتافكم أنّكم عبيد في حالِ حاولتم الفرار، تنامون مع الخنازير، تأكلون كالخنازير، تُباعون عراة، تلبسون أكياس البطاطا وأنتم تخيطون لهم أثواب الحرير. عليكم ان تتعلموا أنّه يحق للبيض اعادة كتابة التاريخ، تاريخ أبائهم المؤسسين، الذين احتلوا تلك الأرض بالورود والشوكولاطة وجلسوا على مائدة واحدة ليعلموا السكان الاصليين كيف يكونون خدمهم المطيعين في العالم الحر الجديد، العالم الذي يصنف المواطنين وفق العرق في قوانينه  ويمنع السود من التصويت ودخول المطاعم والأسواق المخصصة للبيض، العالم الذي يمنعهم من الجلوس في الحافلات لأنّ المقاعد مخصصة للبيض، العالم الذي كان الى الأمس القريب يصفهم بالزنوج القذرين دون حياء- يصفهم بالحيوانات، بالعبيد، بالشوائب الذين يفسدون وجه أمريكا الأبيض المُورد. ذلك العالم.. المزرعة، حيث كلّ الحيوانات متساوون لكن بعضهم أكثر مساواة من الاخر(جورج اورويل).

"جورج"، أظن أنني سأدعو ابني جورج. هذا الاسم يحمل الكثير من العظمة والكثير من المُعاناة: جورج عبد الله الاسير الشيوعي الذي يقضى حياته في السجن، جورج حبش مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، جورج اورويل الكاتب الذي شهد على الدهر وتوقع كل هذا، القديس جورج الذي مات من أجل ايمانه.. و جورج فلويد المواطن الأمريكي الذي قُتل خنقا في العلن لأنّه أسود.

 

 

أنا أحمل في دمائي الافريقية الحامية ثأرا و "لا" مُستمرة. الوعي الجماعي هو محصلة تجارب انسانية وذاكرتها الممتدة، ونحن وعينا جعلنا دائما في موضع  نقص، وجعلهم في موضع تفوّق-و لذلك، أوصيكم بالغضب الى حين تحقيق المساواة والعدل، بدءا بالعالم "الحرّ" حيث بني البيت "الأبيض"  بأياد سوداء، بطبقاته الستّ وغرفه المائة والاثنان والثلاثين وأبوابه الأربعة مائة واثنا عشر.

 

حيث بنيت الولايات المتحدة، بأياد سوداء.

 

أوصيكم بالغضب حين تغيبُ العدالة. أوصيكم  أيضا بأن تقرؤوا بيزنس نيوز لأننا أحسن جريدة في العالم، لكنكم تعرفون ذلك مُسبقا.

 

وداعا.

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter