alexametrics
آراء

حسب قيس سعيّد إذا كنت ثريا فأنت مشتبه بك !

مدّة القراءة : 6 دقيقة
حسب قيس سعيّد إذا كنت ثريا فأنت مشتبه بك  !

 

شرعت نجلاء بودن في العمل وقد دعت في أول لقاءاتها مع مروان العبّاسي محافظ البنك المركزي التونسي، للحديث عن الوضعية الكارثية للمالية العمومية، إذ أن ميزانية الدولة لا تسمح لها بمجابهة المواعيد والمحطات القادمة وهي في حاجة إلى مساعدته.

 

فهل يلجأ العباسي إلى طباعة الأوراق ؟ إذا اختار ذلك فإن النتيجة الحتمية هي نسبة تضخم برقمين في وقت وجيز وستكون الكارثة للسيدة بودن وللبلاد، بدءا بالفقراء والمحتاجين .. وإذا لم يختر طباعة الأوراق المالية فإن السيدة بودن لن تجد سبيلا لخلاص أجور ورواتب الموظفين وستكون الكارثة بالنسبة لها ولرئيس الجمهورية. 

 

هذه السيناريوهات تقترب منا بخطى حثيثة لكن يبدو أنها لا تشكل مبعث قلق وانشغال للرئيس قيس سعيّد. 

 

خلال مجلس الوزراء الأول الذي ترأسه يوم الخميس الماضي، تحدّث الرئيس عن الخونة والحشرات والفاسدين والسرّاق .. كلها شتائم يطلقها ضد معارضيه ومن يخالفونه الرأي .. فهل يعلم أن الرئيس لا يحق له أن يتفوّه بهكذا عبارات وأن عليه أن يترفّع عن مثل هذه الأمور ؟

 

هل يعلم أن البلاد على حافة الإفلاس وهي عاجزة عن الإيفاء بالتزاماتها ؟ وأن عليه أن يتجاهل "الخونة" وأن يكونوا آخر اهتماماته ؟

 

هل يعلم أن الأولوية المطلقة للجانب الإقتصادي وأن تقهقر الترقيم السيادي لتونس، الصادر يوم الخميس الماضي عن وكالة موديز، ستعقّد أكثر من مهمة وضع البلاد على الطريق الصحيح ؟

 

لإنقاذ البلاد لابد أولا من تشخيص محكم ووضع خطّة جيدة في ما بعد .. لكن بالإستماع إلى كلماته الأخيرة، يبدو أن قيس سعيّد لا يملك هذا ولا تلك .. بل أسوأ من ذلك هو لا يصغي لكل من يخالفه الرأي ويختلف معه في قناعاته الراسخة.

 

من حيث التشخيص هو يخلط بين المليارات والملايين وبين الدنانير والدولارات ولا يفرّق بين التضخم والنمو وبين الناتج الداخلي الخام وميزانية الدولة.  

 

ما هو أكثر هولا وفظاعة، حين يخلط بين رجال الأعمال والفاسدين من أصحاب الأعمال كما أنه لا يفرّق بين المستثمرين والفاسدين وبين الأثرياء والسرّاق .. هناك خلط حقيقي في رأسه كأستاذ للقانون الدستوري وأصبح رئيسا للجمهورية بشكل متأخّر.

 

قيس سعيّد يجهل تماما عالم الأعمال والإستثمار والمالية والبورصة .. وقد لاحظنا ذلك حين التقى مدير عام بورصة تونس ليتذمّر أمامه من وكالات الترقيم الدولية.

 

كما لو أنه ذهب إلى طبيب مختص في توليد النساء ليشتكي له من ألم في ضرسه .. بعد مرور عامين على تنصيبه رئيسا للجمهورية، ما زال قيس سعيّد يجهل كيف تسير دواليب الدولة ومن يقوم بماذا.

 

يوم السبت 9 أكتوبر بمناسبة استقباله رضا الغرسلاوي، وزير الداخلية، أكّد قيس سعيّد أن 21 بالمائة من الناتج الداخلي الخام تتحكّم فيه عائلة واحدة .. كما لو أنه يقول إن تونس غنية جدا لكنها منهوبة من قبل كل هؤلاء الفاسدين.

 

مثلما النسيج الإقتصادي التونسي معروف فإن العائلات الثرية والميسورة في تونس معروفة أيضا .. لكل ما من عائلة منها بلغت هذا المستوى من الثروة .. حتى وإن تمكنت بعض العائلات مجتمعة من بلوغ نسبة 21 بالمائة من النائج الداخلي الخام، فمن الضرورة بمكان التذكير بأن هذه العائلات تدفع الأداءات والضرائب وتشغّل الآلاف من الأشخاص الذين هم بدورهم يدفعون الضرائب .. أن تكون ثريا لا يعني أنك فاسد أو سارق .. لكن يبدو أن رئيس الجمهورية له رأي مغاير .. مرة أخرى يقع الرئيس ضحية معلومات مغلوطة وتقع بالتالي مغالطته وقد آن الأوان ليتدارك الأمر ويكف عن استقاء معلوماته من أشخاص يفتقون للحد الأدنى من المصداقية.

 

هذا من حيث التشخيص .. أما بالنسبة إلى الخطة فإن قيس سعيّد كان واضحا خلال مجلس الوزراء المنعقد يوم الخميس 14 أكتوبر .. بعد إطلاق صواريخه وشتائمه وتصفية حساباته الرخيصة .. أعلن قائلا:     "سيتم إصدار أمر بخصوص الحوار الذي سيتم في تونس، موضّحا أنه "لن يكون الحوار رقم ثلاثة وإنما سيكون الحوار مع الشباب والشعب".

 

من هم هؤلاء الشباب ؟ أولئك الذين بعثوا المؤسسات الناشئة والمؤسسات الصغرى والمتوسطة ونجحوا في أعمالهم أو أولئك الذين يجدون صعوبة كبرى في الحصول على عمل في الوظيفة العمومية ؟ من تألقوا في دراساتهم العليا وفي حياتهم أو أولئك الذين تحصلوا على شهادة التخرج بواسطة الغش وقت الامتحان وتعجّ بهم المقاهي ؟ من يعملون طوال 15 أو 16 ساعة يوميا أو أولئك الذين يقضون ساعات طوال كل يوم في لعب الورق والذين ما ظالوا في سن الثلاثين والأربعين يهرولون في الشوارع ورايات فريقهم المفضّل فوق ظهورهم ؟ من يخلقون مواطن الشغل والقيمة المضافة أو أولئك الذين يعيشون حملا على كاهل أهاليهم ؟ من يتّبعون أصحاب النماذج والقصص الناجحة أو أولئك الذين يحسدون المتألقين ويصفونهم بالفاسدين والسرّاق ؟ 

 

بالتمعّن في الشباب الذين يساندون اليوم قيس سعيّد والذين ساندوه طوال حملته الإنتخابية، تتكوّن لدينا فكرة عن ملامح الشباب الذين يتحدّث عنهم والذين سيستشيرهم في الحوار "الوطني" القادم والذي أراهنكم على أنه لن يكون له من "الوطني" سواء الإسم.

 

الخطة الأخرى التي يتبعها قيس سعيّد لإنقاذ البلاد هي مهاجمة الأثرياء الناجحين.

 

كدليل على ذلك سآخذ ما يتعرّض له حاليا الوزير الاسبق والنائب الحالي مهدي بن غربية من ملاحقة قضائية.

 

فهذا شاب بدأ حياته من الصفر ونجح في بعث مؤسسة مزدهرة وتجني مئات الملايين من الدنانير من الأرباح .. منذ أن دخل عالم السياسة، يتعرّض المهدي بن غربية إلى حملات ثلب وشتم .. يحسده على ما حققه، الفاشلون وكذلك منافسوه الذين يريدون تحطيمه بكل الوسائل. فالبعض يتهمونه دون تقديم أي دليل بأنه نهب أموال شركة الخطوط التونسية وبأنه رجل أعمال فاسد .. لكن أين هي الأدلّة على ذلك ؟ لا شيء سوى بعض التدوينات المبعثرة على صفحات الفايسبوك !

 

 

وقد قررت النيابة العمومية بسوسة فتح تحقيق قضائي لم يفض إلى شيء يُذكر إلى الآن كما أن المحققين بحثوا طويلا ولم يجدوا أي دليل يدين ين غربية، حسب ما أكدته هيئة الدفاع.

 

الأكيد أن قيس سعيد له ضلع في هذه القضية بما أن الصفحات القريبة منه على الفايسبوك لا تتوقّف عن نشر مضمون قرار التحقيق رغم أن البحث مازظال متواصلا ولا يمكن الخوض فيه حاليا.

 

وبما أن القضية الأولى لم تفض إلى أي شيء يُذكر، هاهو يلاحق مجددا بتهمة "تبييض الأموال" .. لماذا هذه التهمة ؟ لأنها الوحيدة التي تؤدي إلى مصادرة الأملاك، حسب القانون التونسي.

 

إذن يبدو الهدف واضحا فقيس سعيّد يريد أن يصادر أملاك بعض رجال الأعمال الذين نجحوا خلال حياتهم في جمع الثروة والمال، بداعي أن الرأي العام ينظر إليهم كسرّاق وفاسدين .. أي هي الأدلّة ؟ .. عوض إجراء البحث والتحقيق في القضية بكل تجرّد مثلما يقتضي ذلك القانون وأخلاقيات المهنة، فإنه يتم تعيين مذنب ثم يحاولون بكل الوسائل تجميع الأدلة التي تدينه.

 

ما يتعرّض له المهدي بن غربية حاليا يشبه كثيرا ما عرفته البلاد من مطاردات وملاحقات عشوائية في 2011 .. هناك حاجة إلى أكباش فداء وإلى الزج ببعض الأشخاص وراء القضبان ليرووا عطش العامة للدماء وللإنتقام من بعضهم البعض .. المهدي بن غربية هو كبش الفداء المثالي وهذا يخدم بشكل كبير قيس سعيّد الذي يرغب في تقديمه قربانا.

 

 

المهدي بن غربية بصدد دفع ثمن وقاحته السياسية وعدم السقوط في فخ الابتزاز الذي كان ضحية له منذ أسابيع وكان وراءه أشخاص مقرّبون من الرئيس.

 

المهدي بن غربية ليس إلا شخصية على رأس القائمة لكن منظمة الأعراف تتجاهل الأمر كما لو أن حملة الملاحقات والمطاردات لا تعنيها.

 

ما يُحسب للرئيس أنه كان واضحا .. بالنسبة إليه هناك 460 رجل أعمال نهبوا 13500 مليار (لا نعلم إن كان يتحدّث عن دنانير أو مليمات) وقد اقترح عليهم آلية العفو.

 

وهو مبلغ لن يدخل أبدا خزينة الدولة بما أن هذا المال المنهوب لا يوجد إلا في رأسه .. وبما أنه لم يتقدّم أي رجل أعمال للتمتّع بالعفو وأن سمير ماجول لم يُعارض رئيس الدولة، فإن هذا الأخير مرّ للمرحلة التالي وهي إطلاق الجهاز القضائي في ملاحقتهم حتى يثبت أنهم مذنبون.

 

قيس سعيّد له قناعة راسخة بأن خطته جيّدة وهو يركب جيّدا هذه الموجة الشعبية أو الشعبوية.

 

لماذا لدينا في تونس هذه الغيرة وهذا الحسد تجاه الأثرياء من طرف البعض ممن اختاروا طريقا ليس مدرّا للثروة (مثل رجل التعليم).

 

بالنسبة على طائفة واسعة من مواطنينا، أن تكون ثريا فهذا يبعث على الشبهة .. كما لو أنه علينا أن نخجل من كوننا أثرياء.

 

لسنا الأمة الوحيدة التي تحمل عقدة تجاه الأثرياء فهذه هواية شائعة لدى الجزائريين والفرنسيين كذلك.

 

هناك طرفة يحبّ أن يتناقلها الفرنسيون: "في الولايات المتحدة، حين يقود أحدهم سيارة فاخرة (من نوع ليموزين) فإن الناس يقومون بالمستحيل ليعرفوا كيف حصل عليها ويفعلون مثله .. وفي فرنسا حين يقود أحدهم سيارة (ليموزين) يقوم جميع الناس بالمستحيل حتى ينزلوه منها ويركبون محلّه". 

 

هذا بالضبط ما نعيشه اليوم في تونس .. نحن أعداء النجاح .. نحب توسيخ كل ما يلمع ولا نجد حرجا في أن نصف الأثرياء والناجحين بالسرّاق والفاسدين .. بسبب هذه العقلية ليس هناك في تونس (أو فرنسا أو الجزائر) أمثال جيف بيزوس وبيل غايتس ومارك زوكربيرغ أو قصص نجاح مثل نتفليكس أو تويتر.

 

بسبب كثرة الضرائب والأداءات المجحفة وبسبب الإجراءات الإدارية المعقّدة والمراقبة الجبائية الشاقة والملاحقات القضائية المرهقة واستشراء الفساد في كل المستويات، نقتل فينا روح المبادرة والكفاءات.

 

بدلا من تغيير قوانيننا ومحاربة هذه المشاكل الحقيقية التي تعرقل وتعيق اقتصادنا ومستثمرينا مثل عقود، اختار قيس سعيّد اللعب على حبل الشعبوية والإنتقام ومشاعر الحقد والغيرة.

 

من خلال تشخيص خاطئ وخطة فاشلة، فإن قيس سعيّد مصيره الفشل المحتوم وسيودي بنا إلى المصير ذاته .. الشباب الذين يتحدّث عنهم ليسوا هم الحل لإرساء الحوار الوطني .. رجال الأعمال الذين يستهدفهم ليسوا الأشخاص الفاسدين الذين يتصوّرهم .. إنه بهذه الطريقة بصدد إضاعة وقته ووقتنا معه.

 

تونس ليست البلد الأول ولا الأخير في العالم الذي يمرّ بأزمة اقتصادية حادة .. للخروج من هذه الأزمة فإن الوصفة واضحة .. علينا التخفيض من نفقات الدولة وتحسين نسبة النمو أي إنتاج الثروة.

 

هذا النمو لا يمكن تحقيقه إلا بفضل المستثمرين والشغالين .. لا يوجد حل آخر .. فقط هم القادرون على خلق مواطن الشغل والإنتاج .. بصفة أوضح يجب على قيس سعيّد أن يضع يده في يد الإتحاد العام التونسي للشغل ومنظمة الأعراف لإنقاذ البلاد .. لكن يبدو أن له وجهة نظر أخرى !

 

 (ترجمة للنص الأصلي بالفرنسية)

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter