alexametrics
آراء

حكومة "ما شاء الله"

مدّة القراءة : 6 دقيقة
                           حكومة

 

أخيرا وبعد مرور شهرين من الإنتظار .. أصبحت لدينا حكومة !

 

"الآن وقد تشكلت هذه الحكومة، دعوها تعمل ولا تنتقدوها أو تهاجموها" هكذا تسارع إلى القول أنصار الرئيس قيس سعيّد.

 

هذا أمر بسيط .. فهل أسهل من عدم فعل أي شيء ؟ بل بإمكاننا أن نقوم بما هو أفضل كأن نقول "ما شاء الله" وهي العبارة التي استعملتها نجلاء بودن، رئيسة الحكومة في لقاء لها مع الرئيس قيس سعيّد حين أعلن لها عن خروج 1،8 مليون تونسي إلى الشوارع للتعبير عن مساندتهم له. عدم الاعتراض على كلام الرئيس يضمن لها رضاه عنها ويقيها غضبه.

 

لذا أعزائي أنصار قيس الأول لنحتفي بحكومتنا الجديدة .. لنحتفل بهذا اليوم التاريخي ..

 

عادة في ظروف مماثلة، تُمنح الحكومة مهلة بمائة يوم، حتى تتلمّس طريقها نحو العمل والإنجاز.

 

لماذا إذن نحرم حكومة سعيّد-بودن من هذه الهُدنة الإعلامية ؟ لنهتم بمواضيع أخرى ونترك ثنائي الجهاز التنفيذي يعمل منفردا لما فيه خير تونس، بعيدا عن إرباك وغوغاء الصحفيين والكرونيكورات.

 

شهد لبنان انقطاعا تاما وشاملا للتيار الكهربائي، في نهاية الأسبوع الماضي، على إثر توقت أهم مواقع الإنتاج في البلاد بعد نفاد مخزون المحروقات. حسب البنك العالمي فإن لبنان يواجه أزمة غير مسبوقة هي من بين الأسوأ في العالم منذ 1850. بعد انقطاعات دامت 22 ساعة في اليوم، على أشقائنا اللبنانيين حاليا مواجهة انقطاع تام للكهرباء، دون حتى التمكن من اللجوء إلى مولدات الطاقة بما أنهم يفتقدون للوقود. 

 

هذه الفقرة موجّهة لكل العقول المتسوّلة التي تقول لنا إن قيس سعيّد سيجد الدعم والمساندة من المملكة العربية السعودية والإمارات ومصر لمجابهة الصعوبات ذات الصلة بميزانية البلاد.

 

لكن يبدو أن هذه الدول لا تقدّم الدعم دون مقابل .. لو أنها فعلت ذلك من قبل دون نوايا مسبّقة، لكانت هذه الدول ساعدت لبنان الموجود في موقع جغرافي استراتيجي أفضل منا والذي تربطه علاقات مع تلك البلدان أفضل من علاقاتها مع تونس ذات التوجهات الغربية.

 

الأسباب ذاتها تفرز النتائج ذاتها .. ما يحدث في لبنان اليوم سيحصل في تونس غدا .. هذا أمر لا مفر منه.

 

هل لوزراء حكومة سعيّد-بودن فكرة عما يعيشه لينان اليوم ؟ هذا مؤكد .. إذا كان رئيس الجمهورية ورئيسة الحكومة اختارا هؤلاء الوزراء فلأنهم بلا شك أكفاء.

 

يوم السبت الماضي، انتظمت مظاهرة بالعاصمة الفرنسية باريس، للتعبير عن إدانتهم لانقلاب قيس سعيّد .. الرئيس الأسبق منصف المرزوقي استغلّ الفرصة لدعوة فرنسا إلى سحب دعمها للرئيس التونسي.

 

وبطبيعة الحال لمن يفوّت قيس سعيّد الفرصة أيضا لمهاجمة من سبقه إلى قصر قرطاج ..

 

يجب أن يكون الشخص مبهورا بالمستعمر وله هذه العقدة، ليتجرأ على قول ما نطق به منصف المرزوقي .. لذلك انتقده الرئيس يوم السبت الماضي وأعاد الكرّة صباح اليوم، عبر الإشارة إلى كل من يتآمرون حتى لا تحتضن تونس قمة الفرنكوفونية ويسعون بكل الوسائل إلى ضرب علاقاتنا مع فرنسا.

 

قيس سعيّد اكتشف في ديسمبر 2021 ما كانت أدانته بيزنس نيوز منذ 2011 .. صحّ النوم سيدي الرئيس !

 

فهل سيسحب قيس سعيّد من الرئيس الأسبق، جواز سفره الدبلوماسي ويقاضيه من أجل التآمر على الدولة أو الخيانة العظمى أو يحرمه من راتبه الشهري ؟ مؤكد أن الرئيس ما شاء الله لن يكتفي بمجرّد الكلام .. حتى وإن ليس له ما يكفي من الوقت لتحريك النيابة العمومية أو اتخاذ التدابير اللازمة ضد المرزوقي، فإن حكومة "ما شاء الله" ستتولّى الأمر.

 

في كلمته صباح اليوم، تحدّث الرئيس مجددا عن القضاء وعن فساد بعض القضاة ومحدودية السلطة القضائية، مشيرا إلى ضرورة تطهيره. هي المرّة الثانية في ظرف أسبوع وهي المرّة الألف منذ أن فاز في الإنتخابات الرئاسية التي يثير فيها هذه المسألة.

 

لكن عمليا ماذا فعل ضد القضاة منذ سنتين وبالتحديد منذ 25 جويلية بعد أن أصبح الحاكم بأمره ؟ حتى قرارات الوضع قيد الإقامة الجبرية في حق الطيب راشد والبشير العكرمي تم رفعها.

 

هو الذي انتقد صباح اليوم نور الدين البحيري ورضوان المصمودي (دون أن يذكر إسمهما)، لماذا لم يطبّق القانون في حقهما منذ 25 جويلية ؟

 

لا شك في أنه سيتحرّك في الأيام القادمة .. فالرئيس "ما شاء الله"، لا يكتفي بمجرد الكلام .. حتى وإن يفتقد الوقت لتطهير القضاء، ستتكفّل حكومة ما شاء الله بذلك.

 

في كلمته التي ألقاها صباح اليوم، تحدّث الرئيس مجدّدا عن الفقر والفقراء وعن الفساد والفاسدين.

 

ما الذي قام به عمليا، في ظرف عامين، للقضاء على الفقر وخاصة منذ 25 جويلية بعد أن أصبح الحاكم بأمره ؟ لقد تحدّث عن 13500 مليار من الأموال المنهوبة من قبل 460 من رجال الأعمال الفاسدين، حين استقبل رئيس منظمة الأعراف يوم 28 جويلية 2021 .. فأين هي هذه الأموال ؟

 

لا شك في أنه سيسترجع تلك الأموال في الايام القليلة القادمة كما أنه سيوفّر الحوافز للمستثمرين وأصحاب المؤسسات، حتى يخلقوا مواطن الشغل ويساهموا في النمو .. الرئيس ما شاء الله لا يكتفي بالقول .. حتى وإن لم يجد الوقت الكافي لخلق الثروة ومواطن الشغل، فإن حكومة ما شاء الله ستتكفّل بذلك.

 

تحدّث قيس سعيّد، السبت الماضي وهذا الصباح، عن وكالة التصنيف الدولية (فيتش رايتنغ وستندار آند بورز) وتعدّيها على السيادة الوطنية، واصافا إيها ب"أمك صنّافة" .. "يريدوننا أن نستمع لكلامهم .. ولكن اسمعوني أنتم أيضا.. سيصنفوننا ويضعونا في البطاقة الرمادية و(يتحدث) آخر عن تصنيف جيم فليصلوا بالتصنيف إلى حرف الياء   هذه الوكالات التي أحدثت منذ 1994 بعد انهيار الإتحاد السوفياتي عليها احترام رغبة الشعب وسيادته"، في خطاب هو أقرب إلى نسخة مشوّهة من الراحل معمّر القذافي.

 

لا سيدي الرئيس، تصنيف الدول انطلق بعد الحرب العالمية الأولى وبالتحديد في سنة 1920 من القرن الماضي .. سنة 1994 التي تتحدّثون عنها تخص فقط أول ترقيم صادر عن "ستندار آند بورز" في موجودة منذ 1913 ومنافستها الأخرى 'موديز" تعمل منذ 1909.

 

كل البلدان لها ترقيمها السيادي وهي بحاجة لهذه الوكالات التي تصدر تقاريرها حول جدّية تلك الدول، بل إن هذه الدول هي التي تلجأ لوكالات الترقيم وليس العكس.

 

كل المستثمرين الجدّيين بحاجة إلى وكالات الترقيم لمعرفة ما إذا كان بمقدورهم الإستثمار في بلد ما أو لا وما هي المخاطر المحدقة.

 

كل مستثمرينا ومؤسساتنا المصرفية بحاجة إلى وكالات الترقيم للإقتراض من الخارج.

 

كل الهياكل والدول المانحة والمقرضة، بحاجة لوكالات الترقيم للوقوف على المخاطر التي قد تتهددهم في صورة إقراض بلد ما.

 

لا شك في أن رئيسنا له خطة بديلة لإيجاد موارد بعيدا عن دائرة صندوق النقد الدولي والبلدان الشقيقة والصديقة .. حتى وإن لم يكون له خطة بديلة فإن حكومة ما شاء الله يجب أن تتوفر لديها هذه الخطة.

 

السؤال المطروح الآن هو متى وكيف سيجسّد "قيصر سعيّد" وحكومة ما شاء الله الوعود الرئاسية وتحويل الأقوال إلى أفعال.

 

ما هو برنامجهما ؟ لا أحد يعلم ذلك .

كيف سيقومون بتطهير القضاء ؟ .. من أين سيأتون بالأموال ؟ كيف سيتمكنون من خلق مواطن الشغل .. كيف سيحققون التنمية ؟ لا أحد يملك الجواب.

 

الحكومة التي طال انتظارها تشكّلت أخيرا وهذا أمر إيجابي .. لكن هل هي قادرة على تقديم الحلول ؟

هذا مؤكد بالنظر إلى الأسماء التي يتكوّن منها الفريق الحكومي .. لا وجود ل"وزير كارثة" وهذا جيّد .. لكننا لا نجد كذلك جهابذة أي شخصيات مرموقة ومعروفة بخبراتها وكفاءاتها. الأكيد أنهم نزهاء، على غرار الرئيس .. ولكن هذا غير كاف.

 

هؤلاء المبتدئون من غير المعروفين على الساحة الوطنية والدولية، ليست لهم العلاقات اللازمة لجلس المستثمرين وحل المشاكل التي تواجههم.

 

في مناصبهم عليهم أحيانا أن يتخذوا قرارات سياسية واستراتيجية .. في حين أن مثل هذه القرارات تعود بالضرورة لرئيس الجمهورية الذي عليهم استشارته في كل خطوة يخطونها.

 

رغم حرصنا على التحلي بحسن النوايا في علاقة برئيس الجمهورية ومنح نجلاء بودن مهلة مائة يوم، فإن لدينا بعض الشكوك .. بالنظر إلى حجم الملفات والتحديات والرهانات المطروحة، وفي غياب برنامج واضح وروزنامة والإفتقاد للأجوبة عن كل الأسئلة المطروحة، فإنه من الطبيعي أن تنتابنا الشكوك وأن نكتفي بالقول "ما شاء الله" حتى لا يغضب منا 1،8 مليون من أنصار "القيصر سعيّد".   

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter