alexametrics
آراء

"ما هذا المكر الذي يُمكّن؟ وما هذه الخطط التي تُدبّر؟"

مدّة القراءة : 4 دقيقة
 
 
جمل نطق بها طه حسين تعقيبا على ما يواجهه المصريون من عنف الإخوان، ويستأنف استنكاره ": وما هذا الكيد الذي يُكاد؟ لِمَ كل هذا الشر؟ لم كل هذا النكر؟".
في الحقيقة هو سؤال ملتاع، أحرقته نيران الغدر الإخوانية والكذب، فتغلغلوا في الجسم الاجتماعي المصري منذ الثلاثينات. و لا أعتقد أنّنا اليوم بتونس بأفضل حال ممّا عاشه المصريون زمن ازدهار حركة الإخوان وانتشارها. أقول هذا الكلام بعد أن تابعت موقف أهمّ رأس من رؤوس الإخوان بتونس، وأنبّه إلى أنّه ليس برأس عاديّ : فلطفي زيتون هو المستشار السياسي لرئيس حركة النهضة، ويهمّنا أن نرصد مواقفه سواء من خلال اجتماعاته أو حواراته .. بل وحتى من خلال ما يدوّنه في مواقعه الاجتماعية:
 
• فلطفي زيتون هو صاحب عبارة " النهضة هي بمثابة الأخ الأكبر في العائلة"، والحريص على أن تثبت النهضة على مبدإ "الوفاق والمصالحة والبحث عن أوسع ما يمكن من التفاهم" ورفض معاداة من يخالفهم " فالعداء هو قرار سياسي داخلي لا يمكن أن يكون في شكل رد فعل" 
 
• وهو الخيط المتوتّر في نسيج حركة الإخوان: يفكّر ويعبّر عن رأيه حتى وإن كلّفه مواجهة إخوانه، وأذكر على سبيل المثال توتّر العلاقة بينه وبين بن سالم والجلاصي في الصائفة الماضية، عندما قدّم قراءة مختلفة في مسألتي الاستقرار السياسي والاستقرار الحكومي، ولعلّ موقفه من المساواة في الميراث ودفاعه عن حريّة التعبير في مسألة الحريات زادت الأمور تعقيدا ، واحتدم الخلاف بينه وبين بقية إخوانه، الأمر الذي دفع ببن سالم إلى القول بأنّ" زيتون يغرّد خارج السرب" وللعبارة دلالات هامّة إذا سلطنا عليها معجم الإخوان، وتحمل إشارات إلى أنّ الرجل بدأ يخرج عن حركة الطغام التي تدين بالطاعة أكثر من طاعتها لله سبحانه.
 
• إنّ الذي قطع " شعرة معاوية" بين زيتون وقياديي حركة الإخوان أمران: الأوّل أنّ الرجل كان لا يسكت إذا وُوجِه ، بل كان ينقل الاختلاف إلى القواعد ولا يرى حرجا في نقله إلى الناس عامّة، هذا أمر، وأمر آخر يرجع إلى تلك الرسالة التي يقال إنّه أرسلها في الخريف الماضي إلى رئيس الحركة، ويحذّره من جملة من الانحرافات في سياسته مع رئيس الجمهورية. ولعلّ فائدة هذه الرسالة ترجع إلى مسائل نعتقد أنّ توضيحها هامّ جدّا في مرحلتنا هذه: من ذلك التنبيه إلى أنّ قطع التوافق لم يكن مبادرة من الباجي قايد السبسي وإنّما من راشد الغنّوشي، وعلى هذا الأساس نفهم أنّ ردّة فعل النهضة كان نتيجة إعلان الباجي للناس عن القطيعة وليس القطيعة في حدّ ذاتها. وندرك أيضا أنّ زيتون ضدّ تدعيم النهضة للشاهد الذي خرج عن بدلة الباجي وأخذ معه قسما هامّا من الجسم  البرلماني الندائي؛ وهو متخوّف " من مضي الحركة في هذا الطريق .. دون أي تفاهمات ولا عقود ولا تصور واضح للمستقبل ولا تشديد على ضمانات عدم الجور." وتبعا لذلك يحذّر الغنوشي من " الانخراط في النزاع، والانتصار لطرف على الآخر. والمبادرة بإصلاح العلاقة مع رئيس الجمهورية". ومرّة أخرى يغتاظ الإخوان من تسريب هذه الرسالة، واعتبروا الأمر بمثابة نشر غسيل حركتهم وبصفة خاصّة أمام " الأعداء المخالفين". كيف لا  والأمر يتعارض مع أهمّ مبدإ تقوم عليه حركة الإخوان وأعني مبدأ " التقية" والطاعة، وعدم رفع النظر إلى وليّ الأمر الذي إذا شاء أمرا .. انساقت له الأقدار...ومنذ ذلك التاريخ بدأ تهميش زيتون وإقصائه عن مركز القرار إلى أن بلغ درجة انقطاع التواصل معهم بل والريبة فيما يفعل ويقول. ويبدو أنّ فيروس الصراع الداخلي الذي كان يعاني منه النداء قد انتقل إلى داخل حركة النهضة التي صارت تعيش حالة استنفار وحرب إعلامية. وهذا لعمري لم يكن مدرجا في استراتيجيتها عندما أمضت عقدا قيمته مليارات من الدولارات مع شركة إعلامية بريطانية لتزيّن صورتها.
 
 
هذا وجه من حقيقة علاقة زيتون بتنظيمه ، وأعبّر عنه بموضوعية ، فلست بالمنتمية إلى حزب، وموقفي باعتباري باحثة يلزمني بالحياد.. لكن هناك مخاوف تحضُرني وتفرض عليّ أن أذكرها لتكون في نفس المستوى مع ما ذكرت حتى يمتلك الناظر جميع الآليات لفهم ما يحدث من تغيير في فكر زيتون وموقفه من النهضة في سياستها الجديدة، سيما ونحن على أبواب انتخابات مصيرية، وبعد أن صارت محلّ اتهام مباشر وصريح من لجنة الدفاع عن الشهيدين، وبعد أن تحوّل الحديث عمّا اقترفته من جرائم مشغل المثقّف والعامّي، بل " وحتى النساء في خدورهنّ" على قولة عمر.
 
 
ناس بكري قالوا " إللّي ما قْرا ما دْرَى " و" اللي تعضّو الحيّة يخاف من الحبل"، وقالوا أيضا " إللّي فيه طبة عمرها ما تتخبى "  " كان ذيل الكلب يعديك الواد ما يهمك نتونتو".
أذكر هذه السلسلة من الأمثلة وأنا أستحضر ما كتبه إخوان مصر عن تاريخهم الأسود. تاريخ يصبّ في العبارة التي ذكرت نقلا عن طه حسين، وتختزل في " المكر" و" الخطط التي تدبّر" كلّما اصطدموا مع الواقع. وهناك من نعتهم بأشدّ النعوت مثل الكذب والخداع. وبما أنّ السياسة خداع فإنّي أخشى على نفسي وعلى المجتمع التونسي الطيب إن صدّقنا مقاربة زيتون الجديدة: وألخّصها في شق عصا الطاعة، والإنباء بانشقاقات داخل هذا التنظيم، حتى تحاكي النهضة بوجهها البديل غيرها من الأحزاب. فيها الرافض والمخالف والعاصي وإن في احتشام. أخشى أن يكون زيتون " قربانا" في هذا الظرف بالذات حتى تتمّ تحويل وجهة أنظارنا بنجاح، من اشتغال بملفات الجهاز السرّي وإرهابه المسلّط إلى اليوم على المثقفين والمجتمع إلى حديث عن انشقاق بطولي لزيتون.
 أخشى أن يذكّرني زيتون بيوسف ندا في مكره وخداعه. فقد ذكّرتني رسالة زيتون إلى الغنوشي بتلك التي سمّيت وثيقة الإخوان، ونشرها الغزالي في كتابه " قذائف الحق" ، واعتُبرت سريّة، وصارت مقدّسة  قداسة " هولوكست اليهود".. أكتفي بنقل شهادة أبي العلا ماضي:" " هذه الوثيقة لها قصة، فقد كان معنا رجل فاضل هو المهندس مراد جميل الزيات وكان أمين عام نقابة المهندسين وقتها وكان من جماعة الإخوان، وقد حكى لنا الرجل القصة الآتية: أنه اعتقل منذ عام 1965 وحتى عام 1971 حوالي ست سنوات وجاءت لهم هذه الوثيقة داخل السجن وهي تقول بأن نظام جمال عبد الناصر ومعه صلاح نصر يحاولون أن يقضوا على الإخوان بتشريد أسرهم ودفعهم لممارسة الرذيلة وكتب في الوثيقة بالنص أن النساء (نساء الإخوان) سواء كن زوجات أو أخوات أو بنات سوف يتحررن ويتمردن لغياب عائلهن وحاجتهن المادية قد تؤدي لانزلاقهن للخطيئة"...
 
 
 أخشى أن أجد نفسي مثل الزيّات عندما قابل يوسف ندا بعد أعوام بالخارج " وحكى له كيف تتعرض جماعة الإخوان للظلم والاضطهاد على يد جمال عبد الناصر، وأظهر له الوثيقة فوجد "يوسف ندا" وقد أخذ يضحك حتى استلقى على ظهره من الضحك، فاستغرب مراد وسأله ولم الضحك؟
فقال له يوسف ندا: "أنا يا مراد اللي فبركت هذه الوثيقة! فدهش مراد الزيات وسأله: "كيف قمت بفبركة هذه الوثيقة الخطيرة؟ ولماذا؟".
فقال له يوسف ندا: "لأن الحرب خدعة!".
وهؤلاء ( أي نظام عبد الناصر) أعداء، وأريد محاربتهم، وكل الأسلحة مباحة، وبالتالي يجوز الكذب عليهم". 
ولأنّي لا أريد أن أخدع فإنّي أقول لك سيّدي:
إن كنت صادقا قم بمراجعة نفسك أوّلا . وقم بمحاسبة التنظيم الذي تنتسب إليه. عليك بتصفية الحساب الذي سيمنحك دون شكّ مناعة حتى تنطلق في طريق التغيير الحقّ وحتى يقبل المجتمع توبتك. فالمجتمع التونسي يعاني من الأذى الذي لحقه، وهو في حاجة إلى أضعف الإيمان في التعبير الصادق عن التغيير، إنّه الاعتراف. اعترف بكلّ شيء حتى يدخل صدقك قلوبنا فتهدأ النفوس.

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter