alexametrics
آراء

هل استوعبت وسائل الإعلام الرسالة التي وجهها إليها الشعب ؟

مدّة القراءة : 4 دقيقة
هل استوعبت وسائل الإعلام الرسالة التي وجهها إليها الشعب ؟

 

لا شك في أن نتائج الإنتخابات الرئاسية السابقة لأوانها 2019 في تونس ستظل عالقة في الأذهان عبر التاريخ على إثر إجماع شبه كلّي (72 ٪ حسب تقديرات أولية غير رسمية) لفائدة رئيس الجمهورية الجديد قيس سعيّد الذي حاز على أكثر من 3 ملايين صوت من بين 4 ملايين أقبلوا أمس الأحد على صناديق الإقتراع وهي نسبة جديرة بأن تدوّن في سجلات أعرق الديمقراطيات في العالم.. حين يتحصّل مترشّح على 3 ملايين صوت فهذا إنجاز  يفرض احترام الجميع وصمت "النبّارة" والمُغرضين.. على الكل أن يتأمّل في ما حدث ويتّعظ فالصفعة التي وجّهها قيس سعيّد وناخبوه لم تكن موجّهة فقط لنبيل القروي فهي موجّهة في المقام الأول للملايين الأربعة من التونسيين المسجّلين والذين لم يصوّتوا له ومن بينهم يوجد مليون تونسي صوّتوا لفائدة منافسه في الدور الثاني.. 

 

الصفعة موجّهة أيضا للمترشحين الآخرين في الدور الأول وعددهم 24 ومن ضمنهم عبد الفتاح مورو (حلّ ثالثا) وحمّة الهمامي وسيف الدين مخلوف ولطفي المرايحي ومهدي جمعة وسعيد العايدي ويوسف الشاهد، رئيس الحكومة المتخلّي.. دون أن ننسى منصف المرزوقي، رئيس الجمهورية الأسبق الذي نصّب نفسه رئيسا للشعب في حين أنه حاز بصعوبة على 100 ألف صوت في الدور الأول من هذه الإنتخابات.. الصفعة ذاتها كانت موجّهة لكل وسائل الإعلام التي ساندت واحدا من المترشحين  الآخرين ال25 في الدور الأول وعارضوه في الدور الثاني (ومن بينها بيزنس نيوز).. لكن الصفعة وُجّهت بالأساس لكل رجال الأعمال والأثرياء الذين يعتقدون أنه يمكن الفوز بالنصب الرئاسي بمجرّد إنفاق أموال طائلة.. قيس سعيّد سيصبح ظاهرة ومثالا للتحليل من قبل علماء السياسة في الكون.. كيف يمكن الفوز بالإنتخابات وليس معك مليم واحد؟!.. فالرجل رفض حتى أن يتسلّم التمويل العمومي الذي كان يفترض أن يساعده في تنظيم حملته الإنتخابية وهو حق مشروع.. هؤلاء جميعا تلقّوا صفعة قويّة يوم 13 أكتوبر وليسوا بالعدد الهيّن فهم لا يقلّون عن 4 ملايين ناخب يمثّلون ما يعرف بالأغلبية الصامتة أي أكثر حتى من الثلاثة ملايين ناخب الذين صوّتوا لفائدة قيس سعيّد.. ومن بين هذه الفئة من الشعب هناك من يصنّف نفسه على أنه من ضمن النخبة الفكرية والسياسية وهناك أيضا من يكسب كثيرا من المال وكذلك يوجد من يسمح له عمره بالتصويت لكنه غير مسجّل في قائمات السجل الإنتخابي. 

رغما عن أنوف كل هؤلاء الذين لم ينتخبوه، قيس سعيّد هو اليوم رئيس الجمهورية بل رئيس كل التونسيين بعد أن اختاره ثلاثة أرباع الذين مارسوا حقهم الإنتخابي. 

 

هؤلاء جميعا مدعوون الآن إلى أن يلتزموا الصمت حتى لبرهنة قصيرة تكون فرصة لهم للتفكير وإعادة التفكير ومحاسبة الذات وانتقادها على إثر هذه الصفعة الإنتخابية.. فالمسألة تتعلّق بالكرامة وتقبّل الخسارة والصفعات ممّن هو أقوى منكم.. فلا تتخبّطوا في أماكنكم ولا تشتموا.. فقط أصمتوا واذهبوا بعيدا للتفكير في مستقبلكم ومصيركم السياسي وفي ما أنتم قادرون على فعله بعد هذه الصفعة.. 

 

نحن أولى من غيرنا بالنصيحة  فهل اتّعظت وسائل الإعلام ومنها نحن (بيزنس نيوز) من هذه الرسالة التي وجّهها لنا  قيس سعيّد و3 ملايين ناخب؟ الجدير بالملاحظة هو أنّ هذه الرسالة الموجّهة ليست الأولى من نوعها فقد تلقّينا مثلها في جانفي 2011 وأخرى في أكتوبر 2011.

لتبرير هذا الزلزال السياسي والإنتخابي قلنا "إنهم الإسلاميّون" هم الذين جنّدوا قواعدهم وطاقاتهم.. "إنهم الشعبويّون" الذين كذبوا بخصوص سيَرهم الذاتية ومسيراتهم ونسبوا لأنفسهم نضالية مصطنعة ومفبركة ضلّلوا بها التونسيين.. إنّه المال الفاسد القادم من قطر وتركيا .. كان ذلك في 2011 وهذا قول سليم إلى حد ما.. لكن ماذا يمكننا القول بخصوص انتخابات 2019 بثلاثة ملايين ناخب ليسوا جميعا إسلاميين (600 ألف بين حركة النهضة وائتلاف الكرامة) وليسوا شعبويين (لا يفوق عددهم 500 ألف). 

 

فقط علينا أن نذكّر قرّاءنا الأعزّاء والشعب الكريم بأنّ المؤسسة الإعلامية ليست مؤسسة كغيرها ولا شركة لإسداء الخدمات.. فالصحفي يحمل فكرة ومشروعا مجتمعيا.. لكل منا مرجعياته ومُثله .. فالبعض يريدون مجتمعا تونسيا شبيها بالإتحاد السوفياتي وآخرون يريدونه شبيها بقطر وغيرهم يريدون أن يشبه سوريا أو تركيا (ما قبل الحروب) وهناك من يتطلّع إلى أن يصبح المجتمع التونسي مثل أفغانستان وغيرهم يريدونها مجتمعا على الطريقة الفرنسية أو جنوب أوروبا ومن هم من يطمح لأن نصبح مثل السويد أو أوروبا الشمالية ومن الناس من يحلم بأن يصبح المجتمع التونسي مثل الولايات المتحدة الأمريكية.

 

هناك من يرغب في تثبيت المجتمع التونسي في هويته العربية مع هدف أسمى هو تحرير فلسطين وهناك من يريده منحصرا في هويته الإسلامية مع غاية قصوى هي إرساء الشريعة ومن الناس من يتطلعون إلى أن يروا مجتمعهم عصريا حداثيا وتقدميا مع التمسك بهويته المتوسطية. أي أن تونس عربية وغربية (فهي تنتمي للمغرب العربي نسبة للغرب) وهي كذلك إسلامية وعلمانية وفي في الوقت ذاته هي محافظة وتقدمية .. "بيزنس نيوز" تنخرط في هذا التوجّه الأخير ولا يمكنها أن تكون غير ذلك.

 

حتى لو تم انتخاب قيس سعيّد في الرئاسية والصافي سعيد أو راشد الغنوشي في التشريعية بنسبة 99 بالمائة، فإن "بيزنس نيوز" لن تغيّر المبادئ والقيم التي تدافع عنها لمجرّد أن الشعب اختار شخصية تحمل مشروعا مغايرا. فنحن في "بيزنس نيوز" ندافع عن قيم كونية في طليعتها العدل والديمقراطية والحريات، كل الحريات بما فيها المنبوذين والملعونين من قبل الإسلاميين والمحافظين. 

 

هذا المبدأ ينطبق أيضا على قنوات "نسمة" و"التاسعة" و"الحوار التونسي" و"الزيتونة" وإذاعات "موزاييك" والزيتونة آف آم" وصحف "المغرب" و"الشارع المغاربي" و"الرأي العام" وموقع "بابنات" وكل وسائل الإعلام الأخرى الخاصة والمستقلة التي لها حرية اختيار خطها التحريري .. وإنه لم المخزي والمخجل أن نرى زميلينا مايا القصوري ولطفي العماري يتعرضان ليلة أمس لكل أنواع الشتم على مواقع التواصل الإجتماعي لا لشيء سوى أنهما يحملان أفكارا مغايرة لفئة تمثل 72 بالمائة من الناخبين والذين صوتوا لفائدة قيس سعيّد .. مخجل أيضا أن يتعرض صحفيون ومراسلون شبان فقط لأنهم ينتمون إلى قناة تلفزية تتبع خطا تحريريا مغايرا عن قناعات البعض.. هذا مخجل لأن فئة قليلة من ال72 بالمائة لم تستوعب معنى حرية التعبير وما هو دور الصحفي.. فالصحفي ليس محايدا بالضرورة ولا يجب أن يكون كذلك. فإن اختار أن يتّبع فكر الأغلبية فهو حر في ذلك وليس مفروضا عليه ولكن إذا رغب في أن يكون على الهامش وصاحب فكر مغاير كان له ذلك ومن الواجب احترام خياره فهو لم يجبر أحدا على أن يقرأ مقالاته أو يتبع تدخلاته الإذاعية أو التلفزية.

 

فالصحفي ليس بالضرورة أكثر ذكاء ممّن سواه لكنه ليس كذلك أقل ذكاء من غيره ولا هو أكثر وطنية من الآخرين ليعطيهم دروسا في الوطنية ولا أقل منهم ليتلقى تلك الدروس ..

 

لذلك نقول نعم لقد استوعبنا الدرس وبلغتنا الرسالة التي وجهها إلينا ثلاثة ملايين ناخب لكننا في "بيزنس نيوز" لن نتّبع التوجّه الشعبي أو الشعبوي .. لن نتّبع هذا التيار لأننا لا نريد مجتمعا تونسيا أولويته القصوى هي تحرير فلسطين وبرنامج رئيس جمهوريته ينحصر في سبر آراء حول خيارات الشعب.. أي إذا كان الشعب يريد مجتمعا على الطريقة الأفغانية أو السوفياتية فإن ذلك الرئيس سيتّبع ميولاته؟. وإذا كان الشعب يريد مواصلة المبالغة في الإنتفاع بدعم الدولة، هل سيتّبعهم أيضا في ذلك؟ .. في هذه الحالة لا يُعوّل علينا حتى نكون شركاء معه في هذا التمشي.

 

هذا ليس من قبيل النخبوية ولا التكبّر ولا التعالي .. بل هي رؤيتنا لتونس التي ندافع عنها .. فليتبعنا كل من يقاسمنا هذه الرؤية وهذه المبادئ أما البقية فسيجدون ضالتهم في غيرنا من وسائل الإعلام .. حرية الإعلام ستظل مكسبا بارزا للثورة التونسية وهي توفّر جملة متنوعة من المحامل.    

لكننا في المقابل سنبقى منفتحين على مختلف المواقف التي يتيحها هذا الركن "تعاليق" (وهي إمكانية نادرة في إعلامنا) على أعمدة صحيفتنا وفي صفحاتنا على الفايسبوك أو ركننا "منابر" حيث يتم التعبير عن أراء ومواقف مختلفة طالما تحترم القانون.. هذا دليل آخر على دفاعنا عن حرية التعبير وأننا سنناضل من أجل أن يعبّر قراؤنا عن وجهات نظر قد لا نتفق معها.

 

(ترجمة عن النص الأصلي بالفرنسية)

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

النشرة الإخبارية