alexametrics
آراء

لماذا يصعقون كلّما سئلوا عن ملفّات النهضة؟

مدّة القراءة : 4 دقيقة
لماذا يصعقون كلّما سئلوا عن ملفّات النهضة؟

 

 

لماذا تصاب الأحزاب بالصعقة الكبرى كلّما وقفت أمام النهضة وجها لوجه؟ أو قل لماذا يغرس هؤلاء الذين انتشروا في أرضنا رؤوسهم في الرمال كلّما سئلوا عن الغنوشي والنهضة؟

 

سكوت مريب والله.. ويبقى السائل والقارئ والسامع في دهشة الانتظار.. انتظار محاولة في الجواب، فإذا بك أمام " جلمود صخر حطّه السيل من عل"

 

كثيرا ما ألقيت على نفسي مثل هذه الأسئلة، وأعتقد أنّني لست الوحيدة. وكثيرا ما ثرت على سياسة أحزاب افتكتّ الانتخابات السابقة بورقة عمل تعد الناس بمواجهة النهضة:

 

فكم نشر الباجي أيام 2014 فكرة وجوب محاسبة النهضة، وكم كرّر في اجتماعاته التحسيسية قضيّة محاسبة الإخوان بتونس.. وما زلت أذكر خطابه الشعبي بحمام الأنف، وقولته التهديدية الشهيرة " من لم يصوت لحركة نداء تونس معناه أنه قد صوت لحركة النهضة". فصفّق الرجال وزغردت النساء طمعا في غد يتحرّرون فيه من قيود سيكسّرها " شمشون تونس".. فكانت الانتخابات.. وبدأت الخيبات تتوالى الواحدة تجرّ أختها.. وبدأ الجسم الاجتماعي يتلقّى وخزات إبر لتنويمه.. ومازلت أذكر سؤالنا عن الوعود أين ضاعت ؟ ونحن نشاهد صورا باهتة لتقارب شيخين .. ولن أنسى جواب سيادة رئيسنا المنتخب بأنّه مجبر على العيش مع الغنوشي، وأنّ قدر هذه البلاد أن تُحكمَ بالتوافق.. أدركنا آنئذ أنّنا انتخبنا جهم بن صفوان .. وصرنا وصارت معنا تونس ريشة يسيّرها القدر كما شاء.. وانطوى كلّ على حاله، ننظر إلى الخيبات تتوالى، ونتابع تشارك الشيخين في الحكم، بل أكثر من ذلك تحوّل صدر الرئاسة حاميا لشيخ الإخوان، يتقبّل السهام عوضا عنه،" يتألّم ولا يتكلّم": طالبه المجتمع المدني بالإيفاء بوعوده في فتح ملفّات تتهم النهضة، مثل ملفّ الشهيدين ولطفي نقض أحد المنتمين إلى حزبه، فلا حياة لمن تنادي.. نادى الناس بوجوب مراجعة التعيينات العشوائية التي أنهكت إدراتنا وخزينتنا.. لكن كلامك يا هذا... سألناه عن ملفّ التعويضات عن مصدرها؟ وكيف صرفت ؟ وما هو تأثيرها في اقتصادنا؟؟ بهت الذي كفر.. صمت مطبق... كنّا نحدّث بلغة عجماء صمّاء.. وظللنا ندور وندور، حاملين في أعناقنا ملفّات تنتظر من يفتحها حتى نصل فيها إلى جواب شاف يدفعنا إلى التحرّك والالتفات إلى بلادنا..

 

استبشر الناس خيرا عندما اختلف الشيخان، واستبشروا أكثر عندما نطق بطلنا بكلمة صريحة تعبّر عن نيته في الرجوع إلى طريق الحقّ، واعترافه أنّه خان جسمه الانتخابي، وليس له ما يخسر إن فتح الملفّات العالقة.. لكنّه تفاؤل شبيه بالشمروخ الذي أصابه ندى فلم تشتعل جذوته، وعاد شيخنا إلى موقعه صامتا يائسا لا يقدر حتى على الكلام...

 

هذا شأن الباجي قايد السبسي، أمّا شأن البقية من السياسيين، فلا اختلاف ولا تميّز، جميعهم يبدأ حديثه بعد البسملة بجملة مهترئة" نحن لسنا مع النهضة"، ثمّ يسترسل خطيبا محلّقا في سماء أخرى غير سماء تونس، إمّا ناقدا لغيره من الأحزاب أو لبعض رفاقه من نفس حزبه.. وما خفي كان أعظم.. فمثل هؤلاء للشيخ متهافتون، وكلّما واجه الشعب أحد النهضويين بتهمة انطلقت الألسن من كلّ جانب تندّد وتذكّر بأساليب التعايش الحضارية وبقوانين حقوق الإنسان... فإذا بنا ندرك أنّنا نعيش مع أحزاب وشخصيات سكيزوفرينية... وإذا بها معارضة كرتونية، معارضة تأتمر بأوامر الإخوان؟ وتفتح لها أبواب الحكم من وراء الستار، "أي داخلة في الربح وخارجة في الخسارة" .. وقد أكّد ذلك الغنوشي في حواره الأخير صراحة ودونما حرج عندما قال " نحن نحكم الآن".

 

أجل هو الحاكم اليوم، وهو يحكم في راحة من البال ، حقّق ما كان يحلم به إخوانه شرقا وغربا.. ولا أعتقد انّ هناك شخصية أخرى تعادله في نجاحه: هو رئيس الجمهورية التونسية وليس بصوريّ لأنّ مفاتيح الحكم بالبرلمان بيده.. يتنقّل خارج البلاد تحت اسم "الدبلوماسية الشعبية" .. اعترفُ أنّه مصطلح زنيم نشأ في أرضية تحكمها دول ضعيفة، لكنّه يروق للإخوان توظيفه لأنّه يحميهم من مواجهتنا ويسمح لهم بالحكم في راحة واطمئنان، وإن أخطأوا فالحكومة الرسمية تتحمل لوحدها عبء الخطإ. وصار هذا المصطلح بديلا للديبلوماسية الرسمية يأمر وينهى، ويتنقّل للتشاور مع جهات خارجية ورسمية ، وبيده القرار في شأن الدولة.. لذلك، وكما قلت، صار الغنوشي رئيس جمهورية ورئيس حكومة في نفس الوقت.. وأمكن للنهضة أن تمسك بجميع دواليب الدولة وحتى بأسرار ملفاتنا.. أمام مرآى ومسمع من الرئاسة والحكومة..

 

جميع هؤلاء تصيبهم علّة "الحياء العذري" كلّما تحدّثنا عن ملفّ عالق من ملفات النهضة.. واليوم، بدأوا ينفضون عن أجسادهم غبار الكسل والخمول ليعلنوا الواحد تلو الآخر عن نيّته في الترشح للرئاسية، ولا أحد منهم تحدّث عن التشريعية.. فهل أهديتموها للنهضة؟؟ وسلمتموهم مفاتيح البرلمان؟ ثمّ عن أية رئاسية تتحدّثون ؟ عن رئاسة قابعة مطمئنّة بقصر تتلهّى بتعيين المقرّبين، وتراقب من عليائها قرارات  يصدرها الإخوان باعتبارها الحاكم القهار في البلاد والعباد؟

 

هؤلاء الأحزاب والسياسيون يا سادتي إذا تحدّثوا صرخوا حتى يتوهّم الشعب أنّهم أقوياء ، وهم في الحقيقة صدى لما رسمته لهم النهضة من سبيل.. يعلنون ، وأكاد أقول يضعون وسادة على أفواههم حتى تخرج كلماتهم متقاطعة ، أنّهم لن يتحالفوا مع النهضة وسبابة أيديهم تستغفر.. لكن هل تجد لهم حديثا عن تهمة الجهاز السرّي؟ أستغفر الله.. هل تجرّأ سياسيّ منهم ، ينوي الترشّح للانتخابات، على التذكير بالانتدابات العشوائية التي أثقلت اقتصادنا؟ معاذ الله ، بل يذهبون هذه الأيام إلى اعتبار مثل هذا الحديث " شعبويّا"..

 

أمّا ملفّ سوريا فتلك قصّة أخرى... فبعد أن تفاءلنا في فتحه بقبة المجلس، وذهب الناس إلى نعت من قادت الحملة " بلبوة تونس" بهت الذي كفر، وفي يوم وليلة سكتت شهرزاد عن الكلام المباح.. اندثرت وضاعت بين السطور لتعود من جديد وتنبثق " نقية صافية" عادت بعد أن تطهّرت من نجاسة اتهام النهضة لتسهم في قيادة حزب ولد غضّا طريّا ، لكنّه يتكلّم ويصرخ مثل عيسى في المهد وبَنَت على موقفها الأوّل حائطا من الاسمنت الفولاذي.. كأنّها لم تعش لحظة سنة 2014 وهي تحفر في الملفات المدفونة .. ملفّات كانت سببا في اتلاف عدد لا يستهان به من أبنائنا.. وإذا بالملفّ قد وئد، أمام مرآى من الجميع ، حتى كأنّ على رؤوسهم الطير..

 

لهذا تجدني أيّها القارئ أتساءل، ومادام الصمت يكمد أنفاسنا فإنّني عاجزة عن طرد هذا السؤال: لماذا تسكت الأحزاب ويتعفّف السياسيون عن الحديث المعمّق في شأن الاتهامات الموجّهة إلى النهضة؟ هي تهم خطيرة، وحتى رئيس الحكومة ، رئيس من المفروض أن يكون موضوعيا تجده أمام هذه الاتهامات كالمغشيّ عليه، خاصّة أنّها اتهامات تمسّ من أمن الدولة واستقرارها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، نجده صامتا جامدا، بل قد أذهب إلى أنّ السؤال عن أحد هذه الاتهامات هو خطّ أحمر يرمي به في وجه الاعلام ليتجنّب إثارته.. وإلاّ فلماذا لم يواجه صحافي واحد إلى يومنا هذا بإلقائه على الشاهد؟

 

لم يدرك هؤلاء جميعهم أنّ هذه الملفّات وإن رمي بها على حافّة الطريق فهي محفوظة في وجداننا نحن هذا الشعب.. وبما أنّهم لا يقدرون على مواجهة النهضة فنحن العزّل، نملك من القدرة ما يكفي حتى نظلّ ثابتين في التذكير بها وفتحها ، لأنّ المجتمع قرّر منذ 2012 أن يتكفّل بجميع القضايا واكتسب مهارة في البحث والتقصّي وحفظ الوثائق تسجيلات كانت أو ورقية.. أتدرون لماذا لأنّه شعب حرّ لا تقدر النهضة على أن تأسره.. شعب ليست له سوابق، ويحمل ثروته في وجدانه.. شعب بدأ يقتنع أنّ بين النهضة وهؤلاء قصّة طويلة ومعقّدة ، نجهل أسرارها، وما يعلم الغيوب إلاّ الله.. هي حكاية طويلة جعلت منهم أسرى بين أيدي الغنوشي يستلهم منهم بقاءه على صدورنا.. وتلك هي قوّة النهضة ، قوّتها في هؤلاء..

 

لكن، ليعلم هؤلاء أنّنا رمينا بالجميع ونحن نواجه التحديات وأن البرنامج الوحيد الذي صار همّنا هو " كيف ننزل النهضة من سدّة الحكم ؟" أمّا بقية القضايا فلتؤجّل ، ولا نقول لتُقْبر، إلى أن نجتاز هذه العقبة وتحرّر رقابنا من استعمار الغير لنا، وعندئذ نحن نتعهّد بتحقيقها.. وليعلم هؤلاء أنّنا شعب وضع رجليه في هذه الانتخابات على الأرض..

 

لأنّها فرصتنا الوحيدة لإنقاذ تونس.. وعيدكم مبروك

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter