alexametrics
آراء

مجلس شورى النهضة سيدمّر الحزب والبلاد

مدّة القراءة : 5 دقيقة
مجلس شورى النهضة سيدمّر الحزب والبلاد

 

مرة أخرى تشهد بلادنا حادثا أليما على طرقاتها .. حافلة سياحية تنزلق قبل أن تنقلب عشرات الأمتار نحو الأسفل مخلّفة وراءها 26 قتيلا وآخرين إصاباتهم متفاوتة الخطورة.. البعض يرجع الحادثة إلى السرعة المفرطة والبعض الآخر يوجهون أصابع الإتهام لرداءة الطريق وآخرون تساورهم الشكوك حول مسؤولية السائق أو ربما يكون خنزير وحشي مرّ بغتة أمام الحافلة. صحيح أن كل البلدان وحتى المتقدمة معرّضة يوميا لحوادث الطرقات وهي أبشع أحيانا مما تخلّفه بعض الهجمات الإرهابية من ضحايا، لكن رغم ذلك لم يدرج أي مترشح للإنتخابات الرئاسية أو التشريعية هذه النقطة في برنامجه الإنتخابي.. أتعرفون لماذا؟ لأن سياسيينا مثال سيء للقيادة الجيدة  كما أن هذا الموضوع لا يستقطب الكثير من الناخبين. فهم مثل أنصارهم أي مثلنا جميعا نصبح كائنات مختلفة ومتهورة حين نسير على الطريق.. ومن هذا المنطلق يمكنني أن أعتبر أننا جميعا مسؤولون عن إزهاق 26 روحا بشرية.. فأنا شخصيا لا أبالي بعلامات تحديد السرعة ومع ذلك أدّعي أنني سائق مثالي لأنني أضع حزام الأمان (على عكس الآخرين) ولأنني لا أركن سيارتي في وضعية غير قانونية أو في مكان يحجّر فيه الوقوف (مثل الكثيرين) لشراء بعض الخبز كما أنني أضع مؤشر تغيير الإتجاه (على عكس الآخرين) ولا أسير في اتجاه ممنوع) مثل الآخرين) ولا أستعمل الهاتف حين أقود وأقف عند الضوء البرتقالي والأحمر وليس فقط عندما يكون الشرطي موجودا في المفرق.. لأنني أحترم قواعد مجلة الطرقات أزعم وأتوهّم أنني سائق مثالي بإمكاني أن أشتم الآخرين من المجرمين من مستعملي الطريق غير أنني أتناسى وأتجاهل أنني واحد منهم مرتين في السنة حين أقود سيارتي بسرعة تفوق ال200 كلم في الساعة على طريق سيارة لا تتجاوز السرعة المسموح بها 110 كلم في الساعة. 

 

صحيح أن طرقاتنا في حالة كارثية وأن الخطوط المتواصلة تكاد لا ترى بالعين المجرّدة أحيانا وأن أرصفتنا احتلتها بعض البناءات الفوضوية مما يؤدي إلى حدوث العديد من الحوادث، لكن في المقابل كلنا مسؤولون (بدرجات مختلفة) عن الإختناق المروري وكل تلك الحوادث لأننا لا نحترم بعض فصول من مجلة الطرقات. 

فالتونسيون لا يختلفون عن باقي البشرية في البلدان الديمقراطية والمتقدمة.. أي مواطن سويدي لو يجد نفسه في صفاقس (أسوأ مدينة من حيث حركة المرور ووجود متهورين على الطريق) فإنه سيقود مثل كل التونسيين في ظرف شهر من حلوله ببلادنا. لكن لو أن تونسيا وجد نفسه في ستوكهولم فإنه سيقود مثل السويديين في ظرف يوم واحد. اسحبوا الشرطي من مفترق الطرقات وستلاحظون أن السويدي والتونسي يحرقون الضوء الأحمر بعد شهر. فالمشكلة كامنة فينا لأننا متوحشون بالفطرة ونحن بحاجة إلى العصا لنخاف وإلى مناخ يشجع على التحضّر والسلوك المدني. فإن كان هذا المناخ يشجع على الفوضى فإننا سنعود عاجلا أم آجلا لطبيعتنا البشرية المتوحشة سواء كنا تونسيين أو سويديين. 

 

في ظل غياب مطلق لسياسيين واعين ومدركين لخطورة الوضع وفي ظل افتقار شرطة المرور  للتجهيزات والرصيد البشري الواعي والنزيه وفي غياب سياسة دولة قادرة على وضع ملف حركة المرور في طليعة أولوياتها باعتبارها أخطر من حيث حصيلة الأرواح من آفة الإرهاب.. طالما لم تتوفر هذه الإرادة السياسية فإننا مازلنا سنشهد مثل هذه الحوادث الأليمة.. أسوأ وأخطر من على الطرقات هم سائقو التاكسي (الجماعي بالخصوص) وسائقو الحافلات.. فهم ليسوا فقط متهورين (مثلنا جميعا) بل يحملون رخصة لضمان نقل المسافرين في أمان. 

اذهبوا إلى أي مفترق طرقات في حدود الساعة السابعة والنصف أو الثامنة مساء وحاولوا احتساب عدد حافلات شركة النقل العمومي التي تحرق الضوء الأحمر وهي تسير بسرعة فائقة هذا إذا لم يكن السائق يجري مكالمة هاتفية أو يدخّن. نفس الظاهرة موجودة لدى سائقي التاكسي الذين يتجاوزون من الجانب الأيمن ويتوقّفون حيثما يشاؤون.. لن نطوي صفحة حوادث الطرقات طالما نفتقد لسياسة دولة تكون حازمة وصارمة حتى تقضي على هذه الآفة وهي أسوأ من الإرهاب. رحم الله ضحايا حادثة عمدون. 

--------------

وأخيرا قرر زياد العذاري الإنسحاب ومغادرة السفينة ليصرخ عاليا "كفى" لأنه لم يعد يحتمل الوضع الراهن.. بل أسوأ من ذلك لقد خرق قاعدة مقدّسة صلب حركة النهضة وهي التحفّظ والتزام الصمت من خلال انتقاده اللاذع والعلني لخيارات الحزب. 

زياد العذاري كان الأمين العام لحركة النهضة أي أنه الرجل الثاني في الحزب الإسلامي وقد شغل في عديد المرات منصب وزير دون أن يكون وراء هفوات فادحلة ولا وراء فضائح مدوّية على عكس الكثيرين.. قد لا يكون ممتازا لكنه أيضا ليس سيئا. 

عبّر زياد العذاري عن امتعاضه الكبير ورغبته في الإنسحاب بعد أن حاول كل شيء مع رفاقه في مجلس الشورى الذي يحل مقام المكتب التنفيذي للحزب. في هذا المجلس تتخذ القرارات بشكل جماعي وديمقراطي. الرجل الأول في الحزب وهو راشد الغنوشي وكذلك زياد العذاري رفضا تكليف الحبيب الجملي برئاسة الحكومة الجديدة. أكيد أن المرشحين لهذا المنصب ليسوا كثر لكن الجملي ليس أفضلهم بالتأكيد. وقد اجتهد كل من الغنوشي والعذاري في تقديم مؤيداتهما وحججهما لكن دون جدوى فقد كان للأغلبية المطلقة داخل مجلس الشورى رأي مغاير ومختلف. 

ولفهم أسباب هذا الخيار الكارثي علينا أن نلجأ إلى علم النفس. 

 

فقد قمت بسبر آراء لدى العديد من رجال السياسة طرحت عليهم من خلاله سؤالين بسيطين: "حسب رأيكم من يستحق منصب وزير صلب قيادات النهضة؟" ولم تتجاوز الأسماء المقترحة عدد أصابع اليدين. "من في نظركم أهل لأن يكون رئيسا للحكومة من بين قيادات النهضة؟" وكان الجواب "لا أحد".. وبعد الإلحاح عليهم لذكر  أسماء الأقل سوءا تم استخلاص أربعة أسماء فقط وهم زياد العذاري ورضا السعيدي ثم بدرجة أقل سمير ديلو وحسين الجزيري. 

هذه هي حقيقة النهضة والنهضويون يدركون ذلك جيدا إلا أنّ أعضاء مجلس الشورى لا يرغبون في أمثال هؤلاء بتهمة أنهم" مسالمون ووفاقيون ولطفاء مع رموز النظام أكثر من اللزوم". فهم يعتبرون أن زياد العذاري هو أسوؤهم جميعا. فالرجل حسن المظهر ولا يتهجم عليه "إعلام العار" وهو مقبول من الخصوم الإيديولوجيين للنهضة (وأولهم يوسف الشاهد) فهو ليس إسلاميا مثلهم.. أي أنه ليس ملتح ولا يحمل علامة السجود في جبينه كما أنّه فرنكوفوني وليس متديّنا، بالإضافة إلى أسباب أخرى قد  لا تصدح بها الأغلبية الساحقة في مجلس الشورى وهي تقف وراء رفضهم بقوة ترشيح زياد العذاري لرئاسة الحكومة. 

فالرجل أصيل منطقة الساحل ويبدو أن السواحلية غير مرغوب فيهم داخل النهضة باعتبار أن هذه الجهة أنجبت ألد أعداء الحركة على غرار الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي رحمهما الله. كما أن زياد العذاري فرنكوفوني والنهضة تمقت اللغة الفرنسية وما تمثلّه. وهو أيضا تقدمي والنهضويون يكرهون هذه العبارة باعتبارهم رجعيين. العذاري ترعرع في حي راقي (المنزه 9) وهم ينفرون من كل ماهو غير شعبي. بالإضافة إلى أن الرجل تم فرض إسمه من قبل الشيخ لخطة أمين عام الحركة كما أنه لم يعش سنوات الجمر مثلهم ولم يزج به في السجن مثلهم ولم يعرف اللجوء مثلهم. فزياد العذاري في نظرهم هو ابن أنظمة بورقيبة وبن علي وليس من صلب الإخوان المسلمين. 

 

خلاصة القول زياد العذاري ليس "إرهابيا" مثلهم وهو يحلم بدولة قوية فيها مكان للجميع في حين أن رفاقه يحلمون بدولة الخلافة فيها "نحن والآخرون". العذاري يرغب في إرساء السلم وتحقيق التنمية وهم يريدون الحرب والتفرقة. هو يتطلّع إلى رغد عيش التونسيين وهم يريدون استثراء الإسلاميين. زياد العذاري يود إرضاء الغرب وهم يرغبون في إرضاء تركيا وقطر. هو يريد كسب ود البشر وهم يودون مرضاة خالق البشر. زياد العذاري يقدّم مصلحة الوطن على مصلحة الحزب والآخرون يريدون الحزب قبل الوطن والأمة قبل أي شيء سواها. 

 

هذه الأسباب التي أخرجت زياد العذاري من سباق الترشيحات لرئاسة الحكومة.. ففي نظر صقور النهضة هو ليس منهم. وبما أن مجلس الشورى يعتمد الديمقراطية منهجا في سير عمله فإن دكتاتورية الأغلبية لها الكلمة الفصل مثلما هم الشأن على الصعيد الوطني. 

هم يتبجّحون بذلك ويقولون لك بكل فخر واعتزاز إنها الديمقراطية.. غير أنّ الديمقراطية وهي أقل الأنظمة سوءا لا مكان لها داخل الهياكل الحزبية حين يكون مستقبل الحزب والبلاد على المحك. كما أنه لا مكان لها على مستوى شركة أو مؤسسة ما. 

 

في الختام لا أعرف إن كان علينا الإبتهاج أو الحزن في علاقة بقرار مجلس الشورى هذا.. خيار قد يربك النهضة ويجرها نحو الهاوية.. ربّ ضرّة نافعة فقد نتخلّص بذلك نهائيا من الإسلاميين السياسيين. إلا أن مستقبل البلاد هو أيضا على المحك وقد يودي بنا قرار الإسلاميين إلى ما لا تحمد عقباه ويضيّع علينا وقتا قد يستحيل تداركه. فإذا كانت تلك هي ضريبة إضمحلال الإسلام السياسي في تونس فلا بأس في ذلك.. ما خمس سنوات أو عشرة في تاريخ الشعوب.. فقد ندفع باهضا ثمن الديمقراطية لذلك لا بأس في أن يكلفنا الكثير التخلّص من الإرهابيين الذين تم تبييضهم ومن تجّار الدين. 

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

تقرؤون أيضا

03 جانفي 2022 16:04
0
30 ديسمبر 2021 16:29
0
27 ديسمبر 2021 17:00
0