alexametrics
الأولى

النهضة تقع في فخّ الإشاعات

مدّة القراءة : 6 دقيقة
  النهضة تقع في فخّ الإشاعات

تجاوزت تونس مرحلة حسّاسة على المستوى السياسي والإقليمي، بعد وفاة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، ووفقا للدّستور التونسي مسك رئيس مجلس النوّاب محمّد الناصر منصب رئيس الجمهوريّة، وحافظ على إستقرار البلاد. وانتهت مهامه باستكمال إجراء الإنتخابات الرئاسيّة في دورتها الأولى والثانيّة والتي انتهت بتنصيب قيس سعيّد رئيسا لتونس، وإلى حين انتهاء الإنتخابات التشريعيّة التي أدّت إلى حصول حركة النهضة على أكثر مقاعد في البرلمان وهي الآن بصدد البحث عن رئيس للحكومة وتشكيلها بالتوافق مع الأحزاب الفائزة في البرلمان الجديد.

محّمد الناصر أثبت أنّه رجل دولة بامتياز وطمئن الشعب التونسي على حسن سيْر الإنتخابات، كما أنّه سلّم السلطة وقصر قرطاج للرئيس المُنتخب قيس سعيّد بكلّ سلاسة وبصورة رائعة غادر قصر قرطاج وحيّياه كلّ التونسيّين على حسن تحمّله للمسؤوليّة وأمانة الدّولة. 


مساء يوم الجمعة 8 نوفمبر 2019، ذُهل وصُدم الشعب التونسي بخبر وفاة هذا الرئيس السابق، محمّد الناصر. خبر انتشر عبر خدمة الإرساليات القصيرة لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، وسرعان ما تداولته العديد من صفحات الفايسبوك وبعض وسائل الإعلام وذلك بعد أن أكّد هذا الخبر مجموعة من السياسيّين بنشر برقيّة تعزية على صفحاتهم الرسميّة واتّخذها الرّأيّ العام كمصدر رسمي. 


حركة النهضة نشرت على صفحتها الرسميّة مساء يوم الجمعة، بلاغا أعلنت فيه وفاة الرئيس السابق محمّد النّاصر، ووجّهت لعائلته كلّ عبارات التعزيّة. بدورها، كتبت النائبة الثانية لرئيس مجلس النواب، فوزية بن فضّة تدوينة على صفحتها الرسمية بالفايسبوك في نفس اليوم، قائلة ''ببالغ الحزن والأسى تلقّيت نبأ وفاة زميلي العزيز السيّد محمّد الناصر''، وعبّرت عن حزنها على إثر هذا المصاب وتوجّهت لعائلته بكلّ عبارات التعزيّة. 


انتشر الخبر على أوسع نطاق وأُخِذت الإشاعة على مُحمل الجدّ. كيف لا وحركة النّهضة أكّدت ذلك في بلاغها، كما عاد بنا هذا الحدث إلى الإشاعة التي نشرتها انتصار (الخريجي) الغنوشي، إبنة زعيم الحركة راشد الغنوشي، في تدوينة لها على موقعها بالتويتر يوم الخميس 27 جوان 2019، وأعلنت خبر وفاة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، بعد  تعرّضه لوعكة صحيّة نُقل على إثرها للمستشفى العسكري بالعاصمة، وأشارت إلى أنّ محمّد الناصر سيتولى رئاسة الدولة وتساءلت عن إمكانية إمضائه على القانون الانتخابي.


هذا الخبر تمّ تكذيبه من قبل  المقرّبين للرئيس السابق محمّد الناصر، وسرعان ما تمّ حذف التدوينات من صفحة راشد الغنوشي ومن الصفحة الرسميّة للنّهضة ومن صفحة فوزيّة بن فضّة، ومن باقي الصفحات  التي نشرت ذلك الخبر الزائف.


صبيحة يوم السبت، نشر مستشار رئيس الجمهورية السابق، فراس قفراش، تدوينة على صفحته بالفايسبوك، بيّن فيها أنّ محمّد الناصر اتّصل به صباحا، وطلب منه القيام بأمر ما لم يُفصح عنه وأراد منه تفسيرا لما وقع تداوله بشأن وفاته. قائلا ''سامحني يا فراس اتّصلت بك باكرا، أريد منك أن تقوم بأمر ما، وأن توضّح لي حقيقة ما جرى ومن المسؤول عن نشر خبر الوفاة''. وأكّد قفراش أنّ محمد الناصر في كامل صحته ونشاطه الصباحي المعتاد.


الرئيس السابق محمّد الناصر، في اتصال هاتفي مع إذاعة موزاييك أف أم صبيحة يوم السبت، أكّد أنّه بصحّة جيّدة وأنّه مع عائلته، قائلا ''  أتمنى من الله أن يغفر ويُسامح المُتسبّب في نشر هذه الإشاعة وقد أزعج العائلة''. وأشار أنّه تلقّى العديد من الزيارات في منزله بعد نشر الخبر وأنّ الكثير من الأشخاص إتّصلوا به هاتفيا، وطمئن الشعب التونسي أنّه بخير. وقال أنّه لم يعد لمجلس النواب لأنّ النائب الأوّل تولّى تسيّير المجلس وقد أخذ هو فترة راحة، مبيّنا أنّ مجلس النوّاب الجديد سيلتئم الأربعاء المقبل 13 نوفمبر، وتمنّى كلّ الخير لتونس. 


وتنديدا منها بغياب المهنيّة والحرفيّة في العمل الصحفي وضرب مصداقيّة وقداسة الخبر، نشرت لجنة أخلاقيات المهنة الصحفية بالنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين بيانا يوم السبت، دعت فيه كلّ الوسائل الإعلاميّة التي تسرّعت بنشر إشاعة وفاة الرئيس السابق محمد الناصر دون التثبّت إلى حذف المنشور وتقديم الإعتذار. من هذه الوسائل نذكر، وكالة تونس أفريقيا للأنباء وإذاعة  موزاييك أف أم وجوهرة أف أم وقنوات تلفزية مثل التلفزة تي في وفرانس 24 وقناة التاسعة وغيرها من المواقع الإعلاميّة الأخرى. وأكّدت لجنة أخلاقيات المهنة أنّها ستوجّه لفت نظر لكل القائمين على وسائل الإعلام التي تورطت في نشر الإشاعة وكذلك الصحفيين المحترفين على صفحاتهم الخاصّة وأنها ستنشر قائمة بأسماء المتورطين في التقرير السنوي للحريات الذي يصدر بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، في حال لم يعتذروا للجمهور عن الأخطاء.


كما دعت القائمين على الصفحة الرسميّة لحركة النهضة وكل الصفحات الحزبية الأخرى التي تسبّبت في نشر الإشاعة إلى سحب منشوراتها والإعتذار عن المغالطة التي تسببت فيها لعدد من الزملاء الصحفيين وللجمهور. في هذا السياق، أصدرت وكالة تونس إفريقيا للأنباء يوم السبت، اعتذارا على ''خطأها الغير مقصود'' والمتمثّل في بث خبر وفاة رئيس الجمهورية السابق محمد الناصر، عبر خدمة الإرساليات القصيرة وكان ذلك عن طريق الخطأ، دون الإستناد إلى مضامين نشرة (وات) ولا حتى استشارة مسؤولي التحرير.


حركة النهضة لم يُعجبها بيان نقابة الصحفيين، الذي دعت فيه النهضة إلى الإعتذار من الرئيس السابق محمد الناصر وعائلته وحذف المنشور بالصفحة، واستنكرت ذكر إسم الحركة في نصّ البيان، ووصفت ذلك بـ  ''التحامُل المجّاني'' من قبل النقابة على صفحة رئيس الحركة، راشد الغنوشي. ولكنّها رضخت لذلك، ونشرت الصفحة الرسمية لحركة النهضة في ساعة متأخرة من يوم السبت، تدوينة عبّرت فيها عن اعتذارها لمحمد الناصر ولعائلته ولجميع متابعي الصفحة عن الخطأ "الغير مقصود" والمتمثل في نشرها لخبر وفاته والذي تم سحبه بعد دقائق معدودة. 


هذه الحركة الإسلاميّة، النهضة، ليس من المخوّل لها أن تخطئ كمثل هذا الخطأ، وتنشر خبر زائف وهي اليوم مسؤولة عن تشكيل حكومة مقبلة ومناقشة وطرح قرارات في البرلمان، بـ 52 مقعدا الذي كسبته في التشريعيّة. النهضة ما فتأت في التنظير على الصحفيّين ودعوتهم  دائما إلى النزاهة والمصداقيّة في نقل الخبر والتعامل بكلّ موضوعيّة وحياديّة مع السياسيّين، كما ترى نفسها ملاكا نظيفا صادق ومصدر موثوق به، وهاهي تتسبّب في مغالطة الإعلام عبر نشرها لخبر وفاة محمد الناصر. 


علاقة النهضة بقطاع الإعلام، كعلاقتها مع الأحزاب التي تنظر إليهم أعداء وإما أن يخضعوا لشروطها أو إنّها ستعتمد التهديد وكلّ السبل لفرض سلطتها. وهي الطريقة التي اعتمدتها مع قناة الحوار التونسي بعد أن نشرت يوم الثلاثاء 29 أكتوبر، مقطع فيديو تحت عنوان ''كشف أسرار حركة النهضة''، وهو إعلان لسلسلة حلقات ستُبثّها القناة حول علاقة حركة النّهضة بالمال، وتفكيك للغز تمويلها والدّورالمحوري لعائلة الغنوشي، وإن كانت كلّ العمليّات الماليّة للنهضة تتمّ في إطار القانون والشفافيّة، وهل كانت تخلو من الفضائح القانونيّة والأخلاقيّة، كما ستُبرز هذه الحلقات كيفيّة تحكّم عائلة الغنوشي في القرار داخل النهضة، وفي المسائل الديمقراطيّة داخل الحركة. 


هذا الفيديو دفع بالنهضة لترسل رسالة تحذير لمقدّم هذه الحلقات، سامي الفهري، يوم الجمعة 1 نوفمبر 2019، ودعته إلى حذف الفيديو وأعلمته أنها ستلجأ في صورة إصراره على بث أو إعادة ما وصفته بهذا النوع من البرامج أو اللقطات الاشهارية، إلى التقاضي الجزائي والمدني وتحميله وتحميل قناة الحوار التونسي كل المسؤولية الجزائية والمطالبة بالتعويضات المدنية الكاملة عن كل نشر لإشاعة في حقّها أو السعي لتشويه صورتها. 


ومن المفارقات والعجائب، بعد رسالة التحذير هذه من قبل النهضة للحوار التونسي بأربعة أيام، تمّ إيقاف سامي الفهري وأفاد الناطق الرسمي باسم القطب القضائي المالي والاقتصادي سفيان السليطي لبيزنس نيوز أنّه تمّ الاحتفاظ بسامي الفهري ووكيل الحوار التونسي والمتصرّفة القضائية في قضيّة  شكوى مقدمة من وزارة المالية بسوء إدارة الممتلكات المصادرة، بما في ذلك شركة Cactus Prod وشركات أخرى، بإشراف النيابة العموميّة بالقطب المالي.


تميّزت حركة النهضة دائما بحرفيَتها في التعامل مع قطاع الإعلام والإعلاميّين، فقط تنقلب عليه عندما يأتي ضدّها ويكشف مساوئها. فهي من جهة تندّد بالهجمات التي لحقت الإعلاميّين بقناة الحوار التّونسي، ومن جهة أخرى ما انفكّت تحذّر في بياناتها من ''خطاب الكراهية في بعض وسائل الإعلام''، حتى أنّ الكثير من قيادات النهضة منحوا لأنفسهم الحقّ في تقديم الدروس للإعلاميّين وشتمهم. وهاهي اليوم تقع في فخّ الإشاعات، وتستنكر ذكر إسمها في بيان نقابة الصحفيّين، وهي الحزب الفائز في التشريعيّة.


ونخصّ بالذكر في هذا السياق، مجلّة ميم لإبنة راشد الغنوشي، سميّة الغنوشي، ذات الخط التحريري الاسلاموي. هذه المجلّة  كانت أحد الأطراف الأساسية في صناعة خطاب الكراهية الذي استهدف إعلاميين بقناة الحوار التونسي، حيث قامت في 14 أكتوبر 2019، بنشر  مقطع فيديو مفاده "بينما وسائل الإعلام الخارجية تحتفل مع تونس وتهنّئها بانتصار قيس سعيد، وسائل الإعلام التونسية تنشر خطاب الكراهية والتحريض"، وتعمّدت المجلّة تمرير شعارات مهينة ضدّ كلّ من محمد بوغلاب ومية القصوري دون صنصرة أو حذف العبارات الخادشة، مع تغييب تامّ للجزء الذي يظهر  الاعتداء على صحفيي الحوار التونسي بشارع الحبيب بورقيبة من قبل بعض قياديي حركة شباب النهضة بالجامعة وبمباركة من أنصار قيس سعيد. 


حركة النهضة لم يحالفها الحظ في أن تصل إلى  إتّفاق مع الأحزاب الفائزة في التشريعيّة لتشكيل الحكومة على الرّغم من الوثيقة التي قدّمتها للتحاور معهم. فالكلّ يشكّك بها وفي مصداقيتها في التشارك والعمل السياسي، بعد أن حطّمت الكثير من الأحزاب سابقا. وهي اليوم متعطّشة للحكم، ولا يمكنها أن تتنازل بسهولة عن حقّها الدستوري في تعيّين رئيس حكومة من داخلها وتشكيل حكومة على الرّغم من شروط واعتراضات كلّ الأحزاب. وهذا واضح من قرار مجلس شورى حركة النهضة مساء يوم السبت، الذي  اختار ترشيح رئيس الحركة راشد الغنوشي لرئاسة البرلمان، حسب ما نشره الناطق الرسمي عماد الخميري على صفحته الخاصة. كما أنّ النهضة تمسّكت بتعيّين رئيس حكومة من داخلها. 


يسرى رياحي 








تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter