alexametrics
الأولى

62 عاما من البحث عن الجمهورية التي نريد!

62 عاما من البحث عن الجمهورية التي نريد!

من بابِ الفخرِ المعقلنِ الذي يعترفُ بالفضائل ثم ينقد، تاريخُ بلادنا مع الجمهوريّة يعودُ الى جمهورية قرطاج، وقتَ كانت بعضُ الدويلاتِ صحارٍ لم تطأها أقدام الحُضر. وإن كُـنّـا حاضِرًا نتعامل مع نظامٍ هـــشٍّ ومنقوص، فلنذكر بلطف أن سليل حنبعل ليس غريبًا عن الجمهوريّة، فقط لنقل لمن ينتظرون سقوطنا بسبب الصعوباتِ الحالية، أن وقوفنا أطول من أعمارهم!

 عودةٌ تاريخية سريعة نَبسِطُها ونمر بمناسبة إحتفالنا بعيد الجمهورية، وصف الفيلسوفُ الاغريقي أرسطو في کتابه ”السیاسة “ قرطاج بالجمهورية مباهيا بدستورها وتنظیم الحکم فیها و طرق تکوین السلطة و صلاحیاتها، حیث قام النظام الجمهوري في قرطاجنة على مبدأ انتخاب السلطة التشریعیة التي کانت تترکب من مجلس الشعب ومجلس الشیوخ الذين ينتخبون السلطة التنفیذیة .. منذ القرن الخامس قبل الميلاد.


في تاريخنا الحديث، ومن استديو الإذاعة الوطنيّة بلافايات انطلق الإعلانُ للبيوتِ والمقاهي والدكاكين؛ '' نحن نواب مجلس الأمة وأعضاء المجلس القومي التأسيسي، نلغي النظام الملكي الغاء تاما، ونعلن أن تونس .. دولة جمهورية." لمْ يعد الشعبُ رعيّة، أضحى التونسيون مواطنين كاملي الحقوق، حلّ الوطنُ التونسي مكان "الديار" التونسية.. 100 طلقةٍ مدفعيّة دوّت في سماءِ الحاضرة ثاقبةً الهواء، مُسقطةً آخر ماتبقى من النظام الحُسيني، محتفلة بإعلانِ الجمهوريّة. 25 جويلية 1957، جاء البيـانُ التاريخي مُزيحًا النظام الملكيّ إلى كُتب التاريخِ حيثُ تدرسُ الناشئة كيف كلّفنـا حكم البايات إستعمار أرضنا وأضفى شرعية على نظامِ الحماية. انتهج الحبيب بورقيبة مقاربة قانونيّة منذ أفريل 1957 أفرغ من خلالها النظام الملكي من صلاحياتهِ، مقاربةٌ تتالت من خلالها الأوامر والقوانين التي جعلت النظام الحسيني أجوفـًا خاليا من أي سُلطة وبموجب الاعلان تم انتخاب رئيس الحكومة، الحبيب بورقيبة، أول رئيس دولة في تاريخ تونس.

الانتصار الأكبر الثاني بعد الاستقلال كان خطو تونس خطواتها الأولى الى العالم الحر الجديد، الخال من التوريث والحصانة المطلقة. ثأرها الأول من النظام الملكي كان مأسسة الدولة – أي ارساء مؤسسات الدولة الوطنية وتقنين الجمهورية كنظام سياسي ينص على أنّ السيادة فيها تكون بيد الشعب يباشرها عن طريق ممثليه المنتخبين. الحكم في الجمهورية لم يعد وراثيا مستمدا من شرعية الدماء الحسينية، الحكم أضحى  يستمد الشرعية من الشعب حصرا مكرسا الديمقراطية وحقوق الانسان ضامنا الحريات السّياسية والتنظم الحزبي والانتخاب والتداول على السلطة عبر الترشح والاقتراع. تأمل بسيط في مسار ارساء الجمهورية، ينبهنا الى أن مرد ذلك كان المجلس التأسيسي، الكلمة المفتاح في كل جمهورية- بما في ذلك الجهورية الثانية.

 

يدعو بعض المؤرخين الفترة التي تلت اعلان الجمهورية بالجهورية البورقيبية أو الجمهورية الأولى التي قدمت لتونس أول دساتيرها الحداثية وقضائها المدني وأولى خطوات تحرير المرأة وتعصير التعليم. لكن الجمهورية شهدت انكاستها مع 7 نوفمبر 1987 متى بدأ مسار افراغ الدستور من روحه وتنصيب مجلس نواب صوري ومعارضة كرتونية ومناخ ساسي يتعارض مع مبادئ الدستور. 23 سنة من الحكم كان أمرا يتعارض مع قيم الجمهورية التي نصت على التداول على السلطة- رغم أن الظاهر للعلن كان عكس ذلك وكانت تقام انتخابات دورية تعيد انتاج نفس منظومة الحكم. لنختزل ذلك في أنها فترة بداية اهتزاز الجمهورية، واضعافها من الداخل. مع نظام بن علي لم يكن الدستور حيا ولم تكن الجهورية حقيقة  بل كانت واجهة كاذبة أمام العالم وعبر تقديم ضمانات شكلية نجح بن علي في فرض الصمت على التجاوزات على المستوى السياسي، مقابل الاستقرار، وخشية من الوجه الاخر- المخيف للنظام.

 

14 جانفي كان اعلانا ثانيا للجمهورية، من منابر الاعلام الخارجي علمنا بمغادرة الباي الحسيني الأخير- بن علي وعائلته أرض تونس. لم يكن أحد يعلم ماذا يعني ذلك، لكن من هذه النقطة في التاريخ وبعد 8 سنوات نعلم أنه كان يعني تغيير نظام الحكم مع الابقاء على الجمهورية واستمرارها، ولا داع لذكر المخاض الذي توازى مع الثورة  على المستوى الاجتماعي والاقتصادي وخاصة الأمني، مما أسفر عن تعطيلات في  محاولات ارساء الجمهورية الثانية التي لم تكن بنفس صرامة ونجاعة مسار بناء الدولة الوطنية لأن النخبة السياسية تغيرت وتلونت ولم تعد تحمل نفس التصور لجمهورية واحدة، لكل جمهوريته التي يتوهم. الرهان كان أكبر والعالم يترقب مصير هذه الدولة الصغيرة التي غيرت وجه المنطقة العربية برمتها. علينا أن نعترف، أن الجمهورية تواجه امتحان ثبات فمثل فترة الدستور الاول انطلقنا في ارساء مؤسسات ولكن هذه المرة صبغة المؤسسات تستمد روحها من فصول الدستور ذاته، الذي ينص على ضرورة بعث مؤسسات دستورية، المأزق اذن أن لا نتمكن من تنفيذ ذلك كون هذه المؤسسات ضامنة لاستمرار الجمهورية وبغيابها تبقى الجمهورية هشة قابلة للاختراق.

 

"تأسيساً لنظام جمهوري ديمقراطي تشاركي، في إطار دولة مدنية السيادة فيها للشعب عبر التداول السلمي على الحكم بواسطة الانتخابات الحرة وعلى مبدأ الفصل بين السلطات والتوازن بينها”. – توطئة الدستور

 

يلتزم دستور 2014  بتطبيق المبادئ الضامنة للجمهورية عن طريق هياكل مختلفة مستقلة تتوزع بين هيئات دستورية، وسلط تضمن التسيير والحوكمة المحلية، و يأتي الدستور على ذكر 18 هيكلاً يجب إرساؤها لضمان مبادئه العامة والحقوق والحريات. مع غياب خمس هيئات فشل مجلس النواب منذ 2015 في ارسائها، توجد خمس ثغرات تشوه وجه الجمهورية القوية التي نريد، اذ لا يضمن الدستور اليوم كل الحقوق والحريات بسبب فراغ على المستوى التنفيذي بسبب غياب الهياكل التي تضمن بعث هذه الحقوق الى الواقع. أن تبقى الحقوق والحريات والمبادئ العامة -الجيدة جدا على مستوى دساتير المنطقة- حبيسة صفحات الدستور بعيدة عن المعيش التونسي، أوقعنا في معضلات كثيرة لعل اخرها غياب المحكمة الدستورية وما انجر عنها من حيرة قانونية أصابت الجسم السياسي وتركته أجوفا- يتخبط بين حلول قانونية بديلة. هي فجوة بين ما ينص عليه دستور الجمهورية الثانية الذي وضع شروطا واضحة يبدو أن بعض النواب لم يتمكنوا من رؤيتها، بسبب قصر البصيرة، اذ لم يتوقعوا أن رئيس الجمهورية الذي تقلد منصبه في سن 88 سنة سيصاب بوعكة صحية كونه انسانا معرضا للمرض لا بايا حسينيا خالدا. وطبعا لم يتوقعوا تمرير قانون انتخابي اقصائي، ولم يتوقعوا رفض الرئيس الامضاء عليه، ولم يتوقعوا أن المحكمة الدستورية كانت ستقوم ببساطة بدورها القضائي النوعي مثلما جاء في تصور الدستور.

اضافة الى هذا الجهاز القضائي الرقابي، فشل مجلس النواب في انتخاب أعضاء هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، وهي هيئة دستورية تونسية مستقلة، صدر قانونها في 24  أوت 2017، تهدف حسب نص القانون إلى مكافحة الفساد وإرساء مبادئ الحوكمة الرشيدة. بموجب ارسائها تلغى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد  وتحال لها كل ممتلكاتها وتجهيزاتها وأرشيفها ووثائقها. أهمية هذه الهيئة تتمثل في مهامها وصلاحياتها وتركيبتها المتكونة من كفاءات وطنية وقضاة، الحوكمة الرشيدة وحسن التصرف في المال العام والممتلكات العامة ومكافحة الفساد أحد أهم سبل ارساء النظام الجمهوري خاصة أنها تتعامل مباشرة مع الجهاز القضائي و جميع الهياكل العمومية والخاصة والهيئات الدستورية المستقلة وغيرها من الهيئات  تلتزم بمد الهيئة تلقائيا أو بطلب منها بالمعلومات والوثائق المالية. عدم تركيز هذه الهيئة يفتح الباب أمام الافلات من العقاب والفساد الاداري، ويضرب المؤسسات خاصة العمومية منها التي تسير هذه الدولة بصمت منذ الاستقلال وتونسة الادارات. هيئة أخرى لم يكتب لها أن ترى النور بعد، هي هيئة حقوق الانسان التي صدر قانونها في 29  أكتوبر 2018، و تهدف إلى مراقبة واحترام وتعزيز وتطوير حقوق الإنسان. دون هذه الهيئة، لا مجال للحديث عن المقاربة الحقوقية الكونية التي تتبناها تونس، خاصة منها حقوق الأقليات التي تنتهك بتشاريع غير محينة لا ترتقي الى التعامل الانساني مع الاقليات- وقصد القول ان الجهاز التشريعي في حد ذاته مكتض بالتضاد والالتباس لأنه مازال يستمد بعض الأحكام من الشريعة الاسلامية والعرف المتداول، رغم نص الدستور الواضح على أن تونس دولة مدنية. هيئة التنمية المستدامة وحماية حقوق الأجيال القادمة هي أبعد الهيئات عن الخروج من ظلمة الرفوف الى شمس الارساء، لأنها حسب منطق نوابنا ليست أولوية بقدر الهيئات الأخرى لطابعها البيئي المستقبلي لأبناء لم يأتوا بعد. لعل نوابنا لم يحاطوا علما بنفاذ مخزون تونس من الطبقة المائية والتلوث الذي يقتل المئات سنويا في صفاقس وقابس بسبب غاز "السياب" والبخارة وسرطان الرئة.. وأخيرا- وأغلب الظن ليس اخرا- فشلت الجمهورية الثانية في ارساء المجلس الأعلى للجماعات المحلية  الذي يتركب من رؤساء البلديات ورؤساء المجالس البلدية لأكبر 4 بلديات من حيث عدد السكان ورؤساء المجالس البلدية لأقل 4 بلديات من حيث مؤشر التنمية ورؤساء الجهات ورؤساء الأقاليم إضافة الى كل من رئيس الجمعية الأكثر تمثيلا للمدن التونسية وممثل عن الهيئة العليا للمالية المحلية ويكلف المجلس  بمشاريع القوانين التي تهم الجماعات المحلية وخاصة القوانين المتعلقة بالتخطيط والميزانية والمالية المحلية مما يجعل المجلس مهما على مستوى الحكم المحلي الشفاف وحسن تسيير البلديات التي تمثل  النواة الصغرى للحكم.

 هنات عدة تحول دون جمهورية متماسكة وقوية، لسبب وحيد هو عدم احترام الدستور، الضامن الأعلى للحقوق والحريات، من قبل النواب الذين من المفترض أن يكونوا حماة الدستور والجمهورية، بسبب الولاءات السياسية ونزلات البرد المفاجئة التي ترفع اثرها الجلسات بسبب عدم اكتمال النصاب وغياب النواب.  ومع انتهاء عهدة مجلس النواب الحالي وبداية تقديم الترشحات للتشريعيات، المنطق يقول أن المجلس القادم سيتولى اذن استكمال الهيئات الدستورية بتأخير طفيف عن موعدها تركيزها الأصلي .. فقط خمس سنوات. لكننا رغم ذلك، نفاخر بجمهوريتنا التي ماتزال فتية مقارنة بدول أخرى، تصيب وتخطئ، تسابق وتتباطئ، لكنها باقية بذات الشعار وذات العلم وذات النشيد الوطني ولن يقدر أي مشروع غريب على تغيير ذلك لأن .. الفصل 1 من الدستور تونس دولة حرّة، مستقلّة، ذات سيادة، والجمهورية نظامها. لا يجوز تعديل هذا الفصل! 

عبير قاسمي

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

النشرة الإخبارية