alexametrics
الأولى

حادثة رادس: العنف الديني و وأد الحرية

مدّة القراءة : 4 دقيقة
حادثة رادس: العنف الديني و وأد الحرية

 

لا يكادُ يمُرّ شهر رمضان خلال كل سنة دون مواجهة نفس الخطابات المتشددة، ممن يُمثلون أنفسهم تمثال التقوى والورع، أولئك الذين يدعون لنا خلال حلول كل شهر رمضان بالهداية ويٌطالبوننا بستر عورات بناتنا حتى نتركهم يصومون في سلام.

أولئك الآئمة من أعلى منابرهم داخل المساجد، تتعالى أصواتهم للدعوة للتسامح بحلول شهر الرحمة والمحبة، أولئك من يدعون لنا قلبا وقالبا بالخير واليُمن والبركة، كيف نتسامح؟ إذا سترنا عوراتنا وتركناهم يصومون بسلام وتجنبنا التبرّج حفاظا على صومهم الذي يتأرجح ليتزحزح ويسقط لو رأى ''عورة'' لا سمح الله، وكلما رأونا نمّر في الشارع دققوا بصرهم ولم يغضُّوه وأردفوا ''اللهم إني صائم''

 

تداول روّاد مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الأيام القليلة قبل شهر رمضان فيديو لإمام مسجد منزل بورقيبة وهو يدعو المصليين الى ستر بناتهم وتجنب اللباس المتبرّج قائلا '' ما هذه الفتنة ما هذا اللباس الذي أملأ شوارعنا وطرقاتنا بلباس فاضح ومكشوف وهنّ نساء ملعونات''، لا نعلم أهي لعنة الأرض أم لعنة السماء!

هذا ما قاله إمام المسجد في خطبة استقبال شهر رمضان، هكذا دعانا للتسامح والمحبة ولتقبل بعضنا البعض.

من المعلوم وفي كل سنة وهي عادة لكنها (ليست محمودة) أن الشيخ عادل العلمي يتأهب كل سنة هو ومن معه من الشيوخ أفواجا لتتبع المفطرين ودعوتهم لترك المعصية، إذ أن الإفطار في رمضان يُعدّ جرما دينيا ويعتبر بالتالي كل مفطر خارج عن الإسلام وفق بعض الخطابات الدينية المنتشرة.

 لعّل البعض لم يستوعب أننا نعيش إزاء دولة مدنية وحرية الضمير والمعتقد مكفولة وما من مبرّر لهذا الجهد المهدور، غيّر أن الكثيرين لا يزالون يحنون الى قرون قروسطية.

وبعد هذه الحادثة، تفاجأنا بحادثة أخرى مماثلة تمثلت حسب رواية صاحب مقهى ومحاميه في تهجّم عدد من السلفيين على مقهى مفتوح نهارا في رمضان بجهة رادس مليان ومحاولة حرقه والاعتداء على رواده وهي الرواية التي نفتها وزارة الداخلية التي أكدت أن مجموعة من المنحرفين على خلاف مع صاحب المقهى هم من تهجموا على المكان ولا علاقة للتكفيريين بالأمر.

 

أما الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان فقد أعلنت أنها عاينت المكان واستنادا لتصريحات صاحب المقهى وعدد من الشهود العيان فقد تمّ رفع شعارات تكفيرية.

بين تأكيد المحامي منير بعطور للطابع التكفيري للمسألة وبين نفي وزارة الداخلية، تتضارب الأقوال بين مختلف الأطراف واعتبر كثيرون أن ما حصل مجرد شجار بين أجوار يقطنون نفس الحي حيث أنهم جميعا يقطنون رادس ولا علاقة للأمر بالتشدد الديني، لكن بالوقوف على البعد الواقعي لمسألة التشدد الديني، فإن ليس كل تكفيري أو متشدد ديني هو سلفي أو أنه يرتدي القميص ويُطلق لحيته فالتشدد وفكرة التكفير تكمن في العقول. فمن يعرف طبيعة تفكير أغلب الشباب يعّي جيّدا أنه يعيش بمتناقضين اثنين إزاء الدين فمن الممكن ّأن تجده لا يُصلّي ولا يرتاد المساجد البتّة ويعاقر الخمر ويمارس كل ما يعتبر معاص إلى أنه في شهر رمضان يلازم تعاليم دينه ويصوم وهي مسألة على ما يبدو تتعلق بوعي نشأ فيه منذ الصغر ، إذ اعتاد على أن رمضان عبادة لا يمكن تجاوزها وما بقي فالله غفّور رحيم إلا رمضان فإن عصيتم فاستتروا، هكذا يفكّر كثيرون ولعّل فراغ سجلات من هاجموا المحل من كل ما من شأنه أن يحيل على أنهم تكفيريون خاصة وأنهم من ذوّي السوابق العدلية، وهم نوعا ما من المشاكسين ولا تبدو عليهم أي علامة تديّن، إلا أنهم في شهر مضان ومع تعالي الخطابات التكفيرية وتعالي النزعة الدينية وتنامي الوازع الديني وكل تلك الأجواء الدينية المحيطة بالشهر الفضيل تتنامى لديهم العقيدة مما يعني أن تلك الهالة القدسية للصيام كعبادة تجعل الشخص الغير متدّين بفعل كل ما سلف ذكره يصبح شخصا متديّنا بظروف معينة ولعلّ ذلك ما جعل من وزارة الداخلية غير قادرة على تكييف الواقعة الى الحادثة التكفيرية، طبعا كل ذلك يبقى مجرد تأويلات .

 وقد أكد صاحب المقهى أمين كمون اليوم في تدوينة على حسابه الشخصي أنه متمسك بأقواله وأن من اعتدوا عليه وعلى رفاقه وأحرقوا المقهى هم صعاليك على حد تعبيره لكنهم رغم ذلك اعتبروهم كفارا ويجوز قتلهم، وأرجح إمكانية أن يكون هؤلاء قد وقع إرسالهم من طرف معيّن قد حرضهم ضدّهم.

 

أثارت هذه الحادثة الكثير من ردود الأفعال واعتبرها العديد من ذوي الميولات الفكرية الإسلامية مجرد شجار عادي، أراد البعض تصويره عن سوء نية في شكل تكفيري عنيف لضرب الخصوم الإسلاميين.

هذه الأقوال مردودة على أصحابها إذ أن حادثة رشق الأموال في فيديو سفيان طوبال لم يعتبرها نفس هؤلاء الأشخاص ضربا لخصم سياسي بالتعدّي على حريته الشخصية.

فالتدخّل في الحرية الشخصية للأفراد يجد صداه لدى هواة تسييّس كل الأمور لتسجيل أهداف سياسية إلا أن الأحداث التي تشكّل خطرا عليهم يقع طمسها، فالعديد يصرّون إصرارا على أن ينصبّوا أنفسهم أوصياء على ضمائر الناس وعلى عقائدهم ولو اضطرّوا لاستعمال العنف، والعنف ليس حكرا على المتدينين أو الإسلاميين فالعنف الديني من شأنه أن ينمو في سياقات معينة ويتمكن من أناس عاديين ويحوّلهم الى وحوش ان وجدت أكثر فستقضي على الجميع.

 

وعلى سبيل الذكر لا الحصر فإن دعوة رئيسة لجنة الحريات بشرى بالحاج حميدة لسن قانون لحماية حرية الضمير والمعتقد بما يلائم الدستور كأقوى نص تشريعي للبلاد وُوجه بموجة كبيرة من التكفير من قبل العديد على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك يبرهن عن عمق التكلّس الفكري لدى البعض الذين يعتبرون الحرية الفردية للأشخاص تهديدا لهم، غير أن الحرية الحقيقية اذا وقع فهمها بعيدا عن العقائدية والقدسية يمكن أن تضمن العيش الكريم بين الجميع من مختلف الأديان في كنف التسامح والمحبة، وهذه الممارسات ان لم يقع تجاوزها فمن غير المستبعد أن تؤد الحرية التي لا تزال على المهد بقوة الأغلبية التي لا تحترم حقوق أقلياتها.

سناء عدوني

 

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter