alexametrics
آراء

لهذا لن تنكشف حقيقة قتل الأطفال

لهذا لن تنكشف حقيقة قتل الأطفال

هل يجب أن ننتظر الحقيقة كاملة في كارثة قتل الأطفال الرضّع بمستشفى وسيلة بورقيبة بالرابطة؟ أم أنّ المسألة ليست عند تحميل بعض المسؤوليات والتعامل مع القضيّة على أنها حادثة معزولة تنتهي آثارها بمجرّد الكشف عمن يُفترض أنها يقف وراءها؟

لم يعد من الممكن سياسيا واجتماعيا واقتصادية السكوت عن ثلاثة ملفات أساسية، هي الصحة والتعليم والنقل، وما يستتبعها من ملفات فرعية تشمل العديد من المجالات.


يقاس تقدم الدول بمدى توفيرها خدمات لمواطنيها، خاصة في المجالات الثلاثة المطروحة، مع رخاء اقتصادي هو في نهاية المطاف لن يكون غير نتاج منطقي لاختيارات الحكومة السياسية.


بالنسبة الى ملف الصحة، وهو المطروح راهنا باعتبار مقتل 12 طفلا حسب الرواية الرسمية، هناك اجماع لدى كل المتداخلين بوجود أزمة وقد أكدت أغلب التقارير الجدية سواء الرسمية أو الصادرة هيئات مستقلة آخرها تقرير دائرة الزجر المالي، أن الأزمة أصبحت هيكلية أنتجت مشكل حوكمة بعد انتشار الفساد، يعني أن الفساد هو نتيجة لرضع بنيوي.


ماهي عناصر هذا البناء الهيكلي الذي نخرته الأزمة وكيف يمكن اصلاحه؟


المقصود بالهيكلي هو مجموع العناصر المترابطة فيما بينها والتي بحركتها تتحرك المنظومة ككل، فهي كالمحرك الذي تتكامل أجزاؤه لتنتج حركة لكل عنصر فيها دور، ولا يمكن فهم دوره اذا لم يكن في علاقة ببقية العناصر المكملة.


واذا تحدثنا عن قطاع الصحة، فإن عناصره هي بالأساس الاطار القانوني المنظم للممارسة وللتزود وللشراءات وللبيع وإدارة المؤسسات… اضافة الى المجال الاقتصادي أي قيمة الميزانية المخصصة لوزارة الصحة ثم العنصر العلمي وتكوين الكادر وهو مرتبط بالتعليم العالي وبكفاءة المستشفيات والمؤسسات الصحية ثم العنصر السياسي وهو الأهم أي مدى وجود ارادة سياسية في التعامل مع القطاع الصحي كقطاع حيوي واستراتيجي.


حركة هذه العناصر مترابطة فيما بينها وقيمتها تعطي مدى حركة وقيمة القطاع الصحي، فإذا نظرنا الى كل عنصر بمفرده هل يمكن له أن يساهم في قطاع متطور؟


بالنسبة الى الاطار القانوني فان أهل الاختصاص يؤكدون في كل مرة قسوره وعجزه عن التقدم بالقطاع الصحي والرقي به، خاصة في مستوى شفافية الشراءات والصفقات، اذ يخول القانون المحاباة وتجاوز معايير الشفافية اذا رأى المشتري العمومي وجها لذلك اضافة الى مستوى التأجير في الصحة العمومية الذي لا يكاد يذكر امام القطاع الخاص… اذن نحن امام اطار قانوني يؤسس لممارسة غير شفافة أي ممارسة فاسدة، وهو نفس الاطار الذي تعتبر فيه مجالات المراقبة الأضعف على الإطلاق، فضلا عن أن نفس الاطار القانوني يفقد الصيدلية المركزية الكثير من مجالات تدخلها بالنسبة الى الصفقات والرقابة الامر الذي قد يجعل افتقاد الدواء أمرا واردا وهو ما شهدته البلاد فعليا سنة 2018.


أما بالنسبة الى العنصر الثاني وهو العنصر المتعلق فهو المتعلق بالميزانية المخصصة لوزارة الصحة اذ من الواضح جدا ضعف حجم الاعتمادات المرصودة لميزانية الوزارة لسنة 2019 
الميزانية التي تم رصدها في حدود 2055 منها 1784 مليون دينار نفقات تصرف أي موجهة للأجور وإدارة المؤسسات الاستشفائية وكل مايتعلق بالتصرف فيها، فيما لم يبق غير 269 مليون دينار نفقات للتنمية أي للاستثمار مثلا في بناء مستشفيات جديدة أو تشجيع البحث العلمي أو تطوير البنية التحتية للمستشفيات… بالاضافة الى ما بلغته الوزارة من ديون فاقت 80 مليون دينار في باب التجهيز والبناءات، فيما لم تتمكن من استرجاع ديون لها متخلدة لدى المؤسسات الأخرى وهي أساسا العمومية مثل الصناديق الاجتماعية والكنام…


ميزانية وزارة الصحة تكاد تكون ميزانية ذات بعد اجتماعي، اذ فضلا عن كونها ضعيفة فهي موجهة أساسا الى الاجور والتصرف، وبهذا المعنى فهي غير قادرة بمبلغ 269 مليون دينار حل قضايا الصحة ومشاكل طب الاختصاص وبعث اقطاب صحية ودعم البحث في المجال وتطوير تقنيات العلاج وتوفير التجهيزات والأدوات الصحية البسيطة فما بالك بالمتطورة.


انها ميزانية غير قادرة على النهوض بقطاع الصحة.


العنصر الثالث فهو متعلق بالتعليم العالي وتخريج الكادر الطبي، فكليات الطب، أصبحت بدورها تعاني مشكلا هو بدوره أخذ بعدا بنيويا، فالبحث العلمي الأكاديمي شبه منعدم والمناهج مكرّرة وتفتقد الى أفق تطوير تقنيات العلاج والطلبة لا يتدربون على الأبعاد النقدية والابستيمولوجية لتطور تلك التقنيات والنظريات وظلوا حبيسي حالات التلقين وإعادة انتاج أساليب ووسائل لم تعد منسجمة مع ما يشهده الطب في العالم من تطور ومن تكنولوجيات قادرة على مساعدة الكادر الطبي على التشخيص السريع والعلاج الفعال. يعتبر أهل الاختصاص أن طلبة كليات الطب وهم نخبة الناجحين في الباكالوريا، يصابون بالاحباط والارتداد بمجرد دخولهم الى الحياة العملية اذ يفاجأون بغياب المقومات الدنيا لممارسة مهنة الطب ويكتشفون هول الوهم، طبعا بعد قضاء سنوات البطالة والتهميش بالنسبة الى غير المختصين أما الذين يرغبون في الاختصاص فهم يعرفون مسبقا أنه ليس كل الاختصاصات متاحة لكل من يرغب فيها بل مازال العديد منها خاضعا لمنطق العائلة والأقارب. 


الطبيب المبتدئ يكتشف أيضا الفارق الكبير بين تأجير القطاع العمومي وتأجير القطاع الخاص ويفاجأ بأن آماله ليست ضمن منظومة إما يحتكرها الفاسدون او أصابها الدمار، لذلك لن تجده متحمسا للعمومي فيختار أغلبهم مغادرة البلاد حيث تطلبهم العديد من الدول خاصة فرنسا. 


أما العنصر العنصر الرابع من العناصر الكبرى التي تشكل منظومة الصحة فهو العنصر السياسي وهو عنصر موضوعي ورئيسي بمعنى انه خارج المجال التقني والاداري والتنظيمي لقطاع الصحة
هذا العنصر هو الذي يجعل من كل العناصر السابقة مكونات لحالة الأزمة أو أساس للنهوض والتماسك والرقي. انه لا يمكننا نفي جانب الإرادة السياسية في اصلاح أي قطاع والإرادة هنا تخضع منطقيا وسياسيا لطبيعة النظام السياسي، عادة تعطي الأنظمة الوطنية أهمية قصوى لقطاع الصحة اضافة الى التعليم والنقل والصناعات والتكنولوجيا، فإذا وجدت قطاع الصحة في بلد ما قطاع خرب فلا يحتاج منك الأمر الكثير من الجهد والتحليل لتدرك انه لا وجود لارادة سياسية لإصلاح ذلك القطاع والنهوض به. وبهذا المعنى فان السلطة السياسية والحكومة عموما هي التي تقرض اصلاح المنظومة القانونية عبر المبادرات والترتيبات والأوامر والقرارات وهي التي لها إمكانيات تضخيم ميزانية وزارة الصحة أو تهميشها، وهذا يخضع لأولويات الدولة، هل هي دولة معنية بالأبعاد الشعبية للخدمات الصحية وللتعليم والنقل... وغيرها من القطاعات الأساسية التي تعتبر استراتيجية بالنسبة الى أي دولة، أم أنها دولة غير معنية بذلك وتعتبر أنّ تلك القطاعات غير منتجة وأنها تمثل عبءا على الميزانية العامة وبالتالي يمكن اخضاعها للعرض والطلب فتنشأ مؤسستان، مؤسسة عمومية خدماتها تكاد تنعدم وقادرة على ارتكاب جرائم وكوارث من حين لآخر، ومؤسسة خاصة تقدّم خدمات متطوّرة ولكن تكاليفها مرتفعة ولا يحق للفقراء والفئات المهمّشة أن تلجها، ولكن تلك المؤسسات الخاصة، تبلغ مرحلة من فقدان المنافسة ومن غياب القطاع العام ومن الاحتكار فتتحوّل الى مؤسسات إجرامية اذا لم تكن هناك رقابة وان وضعت المواطن أمام ثنائية هي أو اللاّ-شيء، عندها لن يكون مختارا بين متنافسين بل مجبرا على ما هو السيء.

إنّ الدول غير الديمقراطية وغير الشفافة هي بالضرورة دول غير وطنية، وهي بذلك تعمل على التفريط في قطاعات الصحّة والتعليم والنقل وهي أيضا غير قادرة على النهوض لا بالقطاع العام ولا بالقطاع الخاص، تجعل العمومي مقبرة للآمال والحياة والخاص مجالا للاستغلال والنهب، فالديمقراطية وحدها تجعل من اختيارات الدولة شأنا عاما، وبالتالي يكون الشعب جزءا أساسيا من منظومة الحكم، ليس باعتباره أرقاما انتخابية بل باعتباره سلطة حقيقية.

كلّ تلك العناصر والاشكاليات هي التي تجعل من الكشف عمّا يمكن تسميته بحقيقة قتل الأطفال الرضع حقيقة ناقصة الاّ إذا قيل لنا إنّ المنظومة تصنع حتما مجرمين، أي أنّ المطلوب ليس استهداف المرضى والقضاء عليهم بل استهداف المرض والقضاء عليه.

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

النشرة الإخبارية