alexametrics
آراء

ما حقيقة الرسائل المسمومة؟

ما حقيقة الرسائل المسمومة؟

 

لم يستوعب جزء مهم من الرأي العام، حكاية الرسائل المسمومة، بل هناك من كذّبها علنا واعتبرها حيلة من الحيل التي يتمّ استعمالها من حين لآخر لغرض سياسي أو حتّى أمني، وهناك من تساءل عن صدقية الرواية، اذ من المفترض أن تتولّى مصالح البريد بالاشتراك مع المؤسّسة الأمنية اعلام الناس بالحقيقة كاملة.

السؤال الذي يطرحه الكثيرون، هل فعلا تمّ حجز رسائل مسمومة، أم أنها كذبة اتصالية؟ وإن كان الأمر كذلك فعلا، كيف تمّ التفطّن الى الرسائل من بين الآلاف منها ومن يقف وراءها؟

 

أعلنت وزارة الداخلية في بلاغ لها يوم 28 فيفري الماضي عن حجز المصالح التابعة للإدارة العامة للأمن الوطني رسائل بريدية تحتوي مواد سامة كانت تستهدف شخصيات عامة، من صحفيين ومنشطين وسياسيين وشخصيات ناشطة في المجتمع المدني ونقابيين، وقد تمّ بالتنسيق مع النيابة العمومية تعهيد الوحدة الوطنية للبحث في جرائم الإرهاب والجرائم المنظمة والماسة بسلامة التراب الوطني التابعة للإدارة العامة للمصالح المختصة للقيام بالأبحاث اللازمة والكشف عن كلّ تفاصيل وملابسات العملية.

البلاغ، عقبته في البداية تساؤلات عن الأسماء التي كانت مستهدفة، ثمّ بدأ تسابق وسائل الاعلام في نشر قائمات، وكانت كلّ مرّة تخرج شخصية من تلك الشخصيات المستهدفة لتعلن للعموم أنه تمّ ابلاغها رسميا من وزارة الداخلية أو جهات في الحكومة بأنها معنية بالاستهداف.

 

لم تقدّم وزارة الداخلية تفاصيل منطقية حول الموضوع، بل إضافة الى ذلك كانت على غير العادة كانت تقدّم تفاصيل غير مجدية ومتسرّعة أحيانا وهنا يكمن العجز الاتصالي.

ما الحكاية؟

نهاية شهر فيفري، كان العمل عاديا في مركز الفرز التابع للبريد التونسي، قبل أن ينتبه أحد الأعوان الى وجود 19 رسالة متشابهة، فأراد التثبت منها، فتبيّن له أنّه كانت مرسلة كلها الى شخصيات معروفة ومن نفس المكان في ابن خلدون ومن نفس الشخص ونفس العنوان، وفي نفس التاريخ، وكانت مثيرة للانتباه اذ من بينها رسائل مبقّعة كأنّ بها مادة زيتية.

اتصل بالأمن، وتمّت معاينة الرسائل، ثمّ الاتصال بالجهات الأمنية المختصّة التي حلّت بالمكان وحجزت الرسائل وعرضها على مخابر الشرطة الفنية التي أكّدت وجود مادة سامة تعرف بالأنثراكس Anthrax أو الجمرة الخبيثة وهي بكتيريا خطيرة وقاتلة، وتكون أكثر خطورة عند الاستنشاق.(رغم أنّ مصادر قضائية تتحدّث عن مادة Laricine التي تستخرج من حبات ''الخروع'' النبتة المنتشرة كثيرا في تونس، حسب معطيات توفّرت يوم الاربعاء 6 مارس 2019)

تمّ اعلام النيابة العمومية بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب وصدر الاذن بالقيام بكلّ التحقيقات، وقد تمّ الرجوع الى المكان الذي أُرسِلَت منه، خاصة بعد الوصول الى توقيت ارسالها، لمراجعة كاميرات المراقبة، فتبيّن أنّ من أرسلها اختار المكان بدقة وعناية اذ لم تكن هناك كاميرات مراقبة في مكان بعثها.

الجهات السياسية قرّرت اخراج الموضوع للرأي العام خاصة أمام الاشتباه في إمكانية وجود ''رسائل'' أخرى لم يتمّ التفطّن اليها، لذلك تمّ الاتصال بالمعنيين وابلاغهم بأنهم كانوا مستهدفين بسلاح جرثومي، وتمّ اصدار بلاغ الى الرأي العام والدعوة الى الحذر والانتباه من تلك الرسائل المشبوهة.

 

لقد تأكّد فعلا وجود مخطّط لاستهداف عدد من الشخصيات الوطنية، ولكن لماذا هذه الشخصيات بالذات وليس غيرها؟

مبدئيا يمكننا أن نستنتج أنّ جلّ المستهدفين، هم أساسا من الصحفيين والمنشطين الذين عبّروا عن موقف واضح من فضيحة ما يعرف بمدرسة الرقاب القرآنية وفضح الممارسات الشنيعة للقائمين عليها وتعمّدهم الخروج عن القانون وعدم الاعتراف بالدولة إضافة الى وقوع اعتداءات جنسية على أطفال وعبّرت عن رفضها صراحة وعلنا من توظيف الدين في ممارسات مشينة.

الرابط الثاني هو استهداف شخصيات ناشطة في المجتمع المدني ولها اشعاع ومواقف واضحة من مشروع ما يسمّى ''بالدولة الإسلامية'' التي تمثلها العديد من التيارات السياسية الناشطة في تونس.

أمّا الرابط الثالث فهو استهداف النقابيين، لأنّهم كانوا ضدّ ما يعرف بالمشروع الحضاري للإسلام السياسي وتمسّكهم بدولة القانون الوضعي ودولة المواطنة والانتخابات والديمقراطية.

أمّا الرابط الرابع فهو عدم وجود أي شخصية من الشخصيات الناشطة في أحزاب اسلاموية ضمن المستهدفين الذين وُجّهت إليهم رسائل مسمومة.

يمكننا أن نستنتج، اذن أنّ المستهدفين هم من غير الإسلاميين، وهو ما يعني أنّ الجهة المستهدفة تميّز بين مشروعين مجتمعين، مشروع محسوم فيه نهائيا ومستهدف بالموت والالغاء، ومشروع ثان فيه نظر وتفكّر.

 

حسب نوعية السلاح وأساليب الاستهداف فانّ كلّ المؤشّرات تفيد بأنّ الجهة التي تقف وراء العملية، هي مجموعة إرهابية، والمجموعات الإرهابية الناشطة في تونس، تنتمي جميعها الى تيارين، تيار القاعدة وتمثّله ما يسمّى بالقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الارهابية، وتيار الدواعش ويمثّله خاصة ما يسمّى بأجناد الخلافة الارهابي.

وضمن هذه المجموعات الإرهابية، نجد صنفين، صنف مسلّح ناشط في الجبال وخاصة في الجغرافيا التونسية الوعرة من غرب البلاد وفي الحدود بين تونس والجزائر، وصنف يمكن وصفه بالخلايا النائمة والجاهزة للتوظيف والاستعمال متى جهزت أو كلما كانت الحاجة اليها.

حسب مسارات العمليات الإرهابية، فإننا نجد في أدبيات القتال لدى هذه المجموعات، أنّ تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي يستهدف من خلال الكمائن والهجومات القوات العسكرية والأمنية خاصة في الجبال، في حين تتسع رقعة الاستهداف لدى الدواعش المواطنين والمدنيين لأنّهم يتوخّون منهجية أدوات تكتيكية تؤسّس لمرحلية ما يسمّونها بشوكة الانهاك، وهو ما يعني العمل على احداث حالة من الترهيب والرعب لدى الناس واستهداف الشخصيات المعارضة للإسلام السياسي أو التي تتصدّى له أو التي تعتبر أن لها صلة بالطواغيت أي بغير الحاكمين بالشريعة الإسلامية حسب رأهم.

فهم يستهدفون الرعاة العُزَّلِ في الجبال لأنهم يعتقدون أن لهم صلة بالأمن وبالجيش الوطنيين ويُصَفّونَهُم بطرقٍ بشعة، وهم أيضا يستهدفون البنوك وينهبونها تحت عناوين ''الاحتطاب'' وهم أيضا يستهدفون الشخصيات الفاعلة في المجتمع ويغتالون الزعماء الذين يخالفون الإسلاميين الرأي أو يواجهون مشاريع الإسلام السياسي.

اذن، بهذا المعنى فانّه منطقيا وحسب مسارات العمليات الإرهابية وصيرورة التعاطي الأمني لتلك المجموعات والأدبيات التي تتوخاها فإنّ الأرجح أن تكون عملية الرسائل من صنيع مجموعة تابعة لداعش، وهو ما ذهبت اليه أيضا الأعمال القضائية.

 

لكن السؤال هنا، كيف تمكّنت هذه المجموعة الإرهابية من الحصول على الأنثراكس Anthrax H أو مادة La ricine؟

ليست هناك مخابر في تونس للأسلحة الجرثومية، وهو ما يعني فرضيا، أنّ تلك المادة السامة والخطيرة، دخلت عبر الحدود، سواء كانت عبر الموانئ أو المطارات رغم أنّه من المرجّح جدّا أنه تمّ إدخالها عبر الحدود البرية، لأنّ صناعتها تتطلب معرفة تقنية دقيقة.

هنا الاشكال، فهي المرّة الثانية التي يتمّ فيها افشال مخطّط لاستهداف الناس بأسلحة قذرة، الأولى سنة 2006، عندما تمّ إيقاف الإرهابي نصر الدين العلوي الذي ظهر على قناة التونسية (الحوار التونسي حاليا) في برنامج التاسعة للمنشط معز بن غربية سنة 2012 عندما أشهر كفنه في وجه علي العريض، اذ كان يعدّ لاستعمال تلك المادة واستهداف مواطنين وأمنيين وشخصيات عامة، قبل أن يتم إيقافه والحكم عليه بالسجن، ولكنه ظهر بعض الثورة في بعض وسائل الاعلام !!!

المشكل هو أنّ تلك المجموعات أصبحت قادرة على تهريب مواد جرثومية وكيمياوية خطيرة، وهو ما يعني أنّه أمام الأجهزة الأمنية والعسكرية والديوانية مهام كبيرة وخطيرة، اذ عبر الحدود تدخل مثل هذه المواد الخطيرة.

 

لقد سبق للمفكّر الأمريكي فرانسيس فوكوياما في كتابه ''نهاية الانسان'' أن دعا الى ضرورة أن تكون عين الأمن على المخابر، وذلك بعد بروز قضيّة العالم الباكستاني عبد القدير خان وتسريب نموذج تصميمي للقنبلة الذرية.

هناك مخابر موازية في تونس، خارج رقابة الدولة يمكن أن تَستخرج أسلحةً مدمّرة، من الضروري تطبيق نظرية فوكوياما عليها.

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

النشرة الإخبارية