alexametrics
آراء

راشد الغنوشي لا يرفض طلبا لجماعة ائتلاف الكرامة فهم يذكّرونه بشبابه

مدّة القراءة : 5 دقيقة
راشد الغنوشي لا يرفض طلبا لجماعة ائتلاف الكرامة فهم يذكّرونه بشبابه

 

يبدو أن صيف 2020 سيكون ساخنا بل وساخنا جدا على الصعيد السياسي والإقتصادي. فمن الناحية الإقتصادية ما زالت المؤسسات والشركات تنتظر تجسيم والوعود والتعهدات التي تقدّم بها إلياس الفخفاخ رئيس الحكومة.. عمليا فإن بعض هذه المؤسسات أعلنت بعدُ عن إفلاسها وقامت بتسريح عمّالها (أو هي بصدد التحضير لذلك) في حين يشكو البعض الآخر صعوبات خانقة على مستوى خزينتها وتوفّر السيولة لصرف أجور عمّالها ومزوّديها.. صحيح أن الفخفاخ أصدر العديد من المناشير لتجسيد وعوده وتحويلها إلى أفعال ملموسة كما أن البنك المركزي التونسي أصدر منشورا للإعلان عن توفير تمويلات استثنائية تضمنها الدولة لمساندة المؤسسات، غير أن الإدارة العمومية والمؤسسات البنكية لم تواكب هذه الجهود والتوجهات ولها أسبابها في ذلك فهي تسعى إلى تحصين نفسها من المتلككين والمتحيلين والعاجزين عن تسديد أقساطهم.. لكن الظرف لا يسمح للتوقف عند هذه الاعتبارات مهما  كانت وجاهتها. فعلى إدارتنا وبنوكنا أن يدركوا أنهم بصدد إضاعة الوقت على المؤسسات وبالتالي إهدار نقاط من نسبة النمو ومن التشغيل.. على المؤسسات المصرفية أن تعلم أنها مهما حصنت نفسها من الحرفاء المتلككين والمتحيلين، فإنها لن تتخلص منهم نهائيا .. على البنوك أن تستوعب قاعدة معمول بها في كافة أنحاء العالم المتقدّم وتممثّل في المخاطرة. فمن الأجدى اليوم تجسيد القرارات الحكومية مع نسبة مخاطرة في حدود 10 بالمائة، من تأجيل ذلك إلى الغد مع نسبة مخاطرة في حدود 1 بالمائة .. فالحكومة قامت بما يتوجب عليها فعله، لكن الإدارة والبنوك تخشى من المخاطر وتريد تحصين نفسها منها حتى وإن كان ذلك سيكلّف  المجموعة الوطنية (بما فيها الإدارة والبنوك) خسائر فادحة. هنالك  انعدام واضح للثقة بين مختلف الفاعلين والمتدخلين في حين أنه لا يمكن للأمور أن تسير على ما يرام مع وجود الحد الأدنى من انعدام الثقة .. سادتي الموظفين سادتي إطارات البنوك، انظروا إلى الوسائل التي تعتمدها الدول المتقدمة لمساعدة مؤسساتها في حدود ملايين الدنانير، على غرار ألمانيا التي قامت بالتخفيض من الأداء على القيمة المضافة لإنعاش اقتصادها. رجاء سيروا على درب هذه الدول وقوموا في أسرع الآجال بتنفيذ قرارات سياسيينا بما من شأن ضمان ديمومة مؤسساتنا ومواطن شغلها ونسبة النمو في كل المجالات.  

 

الأولوية المطلقة اليوم هي اقتصادية بلا أدنى شك وهذا هو رأي العقلاء والحكماء، رأي كل من يفكّر في مستقبل تونس، رأي الحكومة ولكنه ليس رأي رجال السياسة وعلى رأسهم راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة (هذا الحزب الإسلامي) وللأسف رئيس مجلس نواب الشعب أيضا.

 

بالنسبة إلى الغنوشي الأولوية النطلقة الآن هي ابتزاز إلياس الفخفاخ حتى يُخرج من الائتلاف الحكومي وزراء تحيا تونس وحركة الشعب .. أما جريمتهم فتتمثل في الوقوف إلى جانب عبير موسي في جلسة الأربعاء الماضي .. تلك الجلسة التي شهدت إهانة الغنوشي على مرآى ومسمع من الجميع .. لكن يبدو أن راشد الغنوشي يسعى كذلك إلى التخلص من محمد عبّو، المتهم بحشر أنفه في قضايا تُحرج الإسلاميين .. بالنسبة إلى زعيم الطائفة يجب أن يكون الحلفاء في الحكم على كلمة واحدة وبالتالي يتغاضى البعض على تجاوزات الطرف الآخر وإلا لا يمكن الحديث عن ائتلاف حكومي وعلى من لا يوافقه هذا الرأي أن يغادر سفينة الحكم.

 

لكن هل في هذا مصلحة لتونس؟ بالطبع لا .. فراشد الغنوشي لا يعمل من أجل مصلحة البلاد بل مصالحه الحزبية الضيقة وهذا أمر بديهي هناك إجماع حوله من قبل كل المواطنين الذين لا يقاسمونه توجهاته الإسلاموية.

 

إلى هذا هناك الذراع غير الرسمية للنهضة والمتمثلة في ائتلاف الكرامة الذي تقدّم بمشروع لائحة تهدف إلى مطالبة الدولة الفرنسية بتقديم اعتذارها للدولة التونسية على الحقبة الاستعمارية.

 

اعتدنا على أن نصف بعض المقترحات السياسية بذات التوقيت المشبوه، غير أن هذا المقترح لا يندرج حتى في هذه الخانة لأنه ببساطة مقترح أحمق وغبي تماما مثل مضمونه.. لكن بقطع النظر عن غباء هذه اللائحة، فإنها أثارت اهتمام راشد الغنوشي الذي أحالها مباشرة على الجلسة العامة للنظر فيها وهي مبرمجة إلى يوم غد الثلاثاء 9 جوان 2020.

 

فهل هذا هو التوقيت المناسب لذلك؟ ما الفائدة وما المصلحة التي ستجنيها تونس من ذلك الآن؟ لا شيء بالتأكيد .. مجددا نقول إن الغنوشي يعمل لما فيه مصلحة طائفته وليس مصلحة الوطن وهذا أمر يجمع عليه كل من لا يرتدون عباءة هذا التنظيم الإسلامي.

 

هي في البرلمان عقلاء وحكماء؟ يبدو كذلك فالأكيد أن تحت قبة المجلس أشخاصا يفكرون في مصلحة البلاد قبل لعب دور المهرّج .. بعد فرنسا سنرى كلف أن نوابا يقدمون لائحة لمطالبة تركيا بتعويض تونس على فترة استعمارها لها (حقبة في غاية الدموية).. ولم لا مطالبة الإيطاليين حفدة الرومان الذين بدورهم يمكنهم مطالبتنا بالتعويض باعتبارنا حفدة القرطاجيين؟.. فالاستعمار الأكثر دمارا ودموية هو بلا شك الاحتلال العربي الإسلامي .. فالعرب حين عزوا أراضينا ليفرضوا علينا دينهم ولغتهم وثقافتهم، اعتبروا غزواتهم "فتوحات" في حين أنها أشبه بالحروب الصليبية  .. حتى أن دواعش القرن الحادي والعشرين يبدون أمامهم ملاكا.. يكفي الإطلاع على ما دوّنه المؤرخون الثقات للوقوف على هذه الحقائق.

 

فرنسا هي الشريك الأول لتونس، هي مزوّدها الأول وحريفها الأول كذلك .. فرنسا حيث يقيم حوالي 800 ألف تونسي .. فرنسا التي تربطنا بها صلة الدم (من خلال المصاهرة) وعلاقات ثقافية وحضارية أعمق من تلك التي تربطنا بعرب المنطقة العربية والأتراك.. صحيح أن فرنسا احتلتنا وخلفت فينا جراحا كثيرة، لكنها تركت لنا مكاسب وإنجازات .. أنظروا إلى تلك البناءات في تونس وصفاقس ومنزل بورقيبة والزهراء .. كلها تشهد على ما تركه الفرنسيون في بلادنا .. لقد تركت وراءها شبكة من السكك الحديدية وخاصة اللغة الفرنسية فهذه اللغة هي بمثابة غنيمة حرب  (كاتب ياسين) علينا أن نفخر بها لأنها ثروة لا تقدّر بثمن.    

 

خلفا للعرب الذين قضوا على اللغة الأصلية للتونسيين في ذلك العصر، فإن الفرنسيين واصلوا في تدريس اللغة المحلية في المدارس وأضافوا إليها لغتهم الفرنسية ليجعلوا من التونسيين (والجزائريين والمغربيين) مواطنين يحذقون الغتين العربية والفرنسية .. هذه الغنيمة استفادت منها تونس كثيرا .. فرنسا هذه  هي التي يريد ائتلاف الكرامة ونوابه من الملاحقين قضائيا والمتهربين الجبائيين مطالبتها بتقديم الاعتذار لتونس.  

 

أنا سليل وحفيد مناضلين ضد الاستعمار وجدّي كان في نفس الزنزانة مع الحبيب بورقيبة,, ولا أحد يستطيع أن يزايد عليّ أو يتهمني بأنني أجهل ما قام به الاستعمار في بلادنا.. لكنني أدرك حيدا أيضا أن من مصلحة وطني أن يطوي صفحة الماضي حتى ننظر إلى المستقبل سويا .. هذا ما لقّنني إياه جدّي وهذا ما درّسني إياه بورقيبة شملهما الله برحمته الواسعة.. فلو كان واجبا علينا مطالبة فرنسا بتقديم الاعتذار ومقاطعتها، لفعل بورقيبة ذلك .. فلا وجود للصداقات بين الدول وإنما توجد مصالح (شارل ديغول).. ليس للمطالبين للقضاء والمتهربيين من الضرائب، أن يقدوا الدروس في الوطنية .. سندرك صدقهم في علاقاتهم بفرنسا عندما  يتوقفون عن الوقوف في الطوابير أما سفارتها للحصول على تأشيرة الفيزا وأخذ صور لهم في العاصمة باريس. 

 

لكن المشكل ليس في جماعة ائتلاف الكرامة "القلابس" ولكن في الإسلاميين وبالخصوص راشد الغنوشي الذي أحال مشروع لائحتهم للنظر فيها على الحلسة العامة.. فمن الغريب والعجيب أن نرى الإسلاميين الذين وجدوا في فرنسا ملاذا لهم (والمال أيضا) في زمن الجمر، يحاولون اليوم التفتيش في أرشيف الماضي وهذا ما يعكس جحودهم وغياب حنكنهم السياسية.

 

يبدو أن راشد الغنوشي في موقف محرج .. فهو يدرك جيدا أن قيس سعيّد ليس في صفه .. فرئيس الجمهورية سارع إلى الإتصال هاتفيا بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليؤكد له أنه بريء من إثم الإسلاميين وأن مساعيهم لا تلزمه في شيء وأنه حريص على الحفاظعلى روابط جيدة بين تونس وفرنسا .. كما أن راشد الغنوشي يعمل أيضا أن إلياس الفخفاخ (التونسي الفرنسي) ليس في صفه أيضا ولن يوافقه في التخلص من محمد عبّو وتحيا وتونس وحركة الشعب صلب الحكومة.. وهو يعلم كذلك أن شقا من حركته يسعى جاهدا إلى تنحيته من خطته كرئيس للنهضة في المؤتمر القادم للحزب وأن أعداءهم كثر ومستعدون للزج بهم وراء القضبان .. هذا ما يكرّره دائما في اجتماعات مجلس الشورى .. فبلعب دور الضحية هو يسعى إلى حصد استعطاف جماعته وتضامنهم معه .

 

بعرض مشروع لائحة ائتلاف الكرامة على الجلسة العامة، فإن راشد الغنوشي يريد أن يثبت أو بالأصح يوهم البعض بأنه يقف إلى جانب الفئة الشعبية من الإسلاميين التي تريد دغدغة فرنسا والتهجم عليها وكذلك جماعة قيس سعيّد الذين يرغبون أيضا في مشاكسة فرنسا .. ما يقوم به الغنوشي اليوم هو الشعبوية بعينها لكن سيدفع ثمن ذلك باهضا.. ففرنسا لن تغفر له ذلك ولن تنسى أنها ساندت يوما ما (في 2011 و2014) الغنوشي .. هو نفسه الذي يريد اليوم أن يزج بها في قفص الإتهام.

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter