alexametrics
آراء

استعدّوا لدفع تعويضات للإرهابيين

مدّة القراءة : 5 دقيقة
استعدّوا لدفع تعويضات للإرهابيين

لقد مرّ التحوير الحكومي، الحكومة الثالثة ليوسف الشاهد، رغم انتقادات الخصوم، وهجمات الأخوة الأعداء ورغم كلّ سيئات المعارضين سواء كانوا مرضى ساخطين أو عن حسن النيّة.

 يمكن للباجي قائد السبسي أن يستريح، وأن يعيد قراءة الدستور ليرى ما يمكن له القيام به في ظلّ الصلاحيات التي يملكها. يمكنه مثلا أن يكرّس كلّ وقته في "الماكيافالية" التي استعملها ضدّ يوسف الشاهد لتمرير مقترحات لجنة الحقوق والحربات الفردية. يمكنه أيضا أن يفكّر قبل الرحيل، في دستور جديد أكثر انسجاما مع المجتمع والثقافة التونسييين، بما أنّه يعترف بسيّئات الدستور الحالي.

يمكنه أيضا استعمال البعض من "ماكيافاليته" لسنوات 2012-2014 للحفاظ على وعوده الانتخابية واقصاء الإسلاميين نهائيا من السلطة السياسية. إنّ دهاءه ووحدته ومشروعه هم أخطر مائة مرّة من الحبيب الصيد ويوسف الشاهد مجتمعين.

 

في غضون ذلك، فانّ رئيس الجمهورية لا يبدو جاهزا لهذا. إنّ الانتدابين الأخيرين لا يبشّران كثيرا بخير، بما أنّ الأمر متعلّق بتنفيذ سياسات هجومية خسيسة على الشبكات الاجتماعية، عن طريق صفحات وشخصيات مجهولة. إنّ الفرق بين سيف الشعلالي ومعز الحريزي من جهة وأديب الجبالي وأمينة منصور من جهة ثانية، ضئيل جدّا. فقط الأوّلان أكثر تهذيبا ورفعة من الأخيرين.

 

 

الآن وقد أصبح التحوير أمرا واقعا، الا يمكن العودة بجدية الى العمل والتفكير في مستقبل تونس؟ إنّه بقدر اضاعتنا للوقت في قتال بعضنا البعض، نسينا الجوهري: كيف يمكن دفع نمو هذه البلاد؟

إنّ الإجابة للأسف سلبية، لأنّه بالرغم من الأولوية المطلقة، فإنّ التهرّب من هذا السؤال بسبب القنابل الموقوتة التي تستعدّ للانفجار في وجوهنا خلال الأيام المقبلة. لن نتعامل مع النموّ في الوقت الراهن ولا مع التضخّم ولا مع التشغيل ولا الثقافة ولا قانون المالية ولا مع القوانين غير الدستورية التي لا تزال تحكم المدينة.

ما لا يقل عن ثلاثة قنابل موقوتة، تركتها الترويكا من 2011 الى 2014، إنّها في انتظارنا، وعلينا نزع مفعولها في أقرب الآجال الممكنة. المؤسف ألاّ أحد يملك مفاتيح نزع المفعول، ليس لدينا الحل ولا دليل الاستخدام.

القنبلة الأولى هي لسعد اليعقوبي، الكاتب العام لجامعة التعليم الثانوي التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يوشك على تكرار سيناريو السنة الدراسية 2017/2018، عندما أخذ أبناءنا التلاميذ رهائن، بحجب أعداد الامتحانات، اذ فرض اضرابا لعدة أيام وتسبّب في أضرار لا تحصى ولا تُعدّ ليس فقط للتلاميذ وأوليائهم بل للمدرّسين أنفسهم. إنّ العائلات التي قرّرت نقل أبنائها من المنظومة التعليمية العمومية المجانية الى المنظومة الخاصة المُكْلفَة، لا تعدّ، فقط لتحافظ عليهم أيام الاضراب وتستطيع تأطيرهم كما ينبغي. كما لا يمكننا إحصاء عدد المدرّسين الذين ضاقوا ذرعا، فرموا المنديل واختاروا التقاعد المبكّر.

ماذا جرى بعد كلّ تلك الأضرار والخسائر، لا شيء ! لسعد اليعقوبي وفريقه تمتعوا بحصانة مطلقة.

لم يتمّ حتى خصم أيام الاضراب من أجورهم، لم يقع أي شيء للمدرّسين الذين أرهبوا زملاءهم الذين رفضوا الاضراب. لم يتم تأمين حماية المدرّسين غير المضربين ولا تأمين حقوقهم.

أمام حصانة لسعد اليعقوبي وافلاته من العقاب، استطاع أن يحشد من جديد لارتكاب ماهو أسوأ من السنة الماضية، ضاربا عرض الحائط مصلحة الأطفال والأولياء والمدرسين أنفسهم، المهم بالنسبة اليه هو أن ينتقم وشركائه لتحقيق مآربهم.

الى متى يواصل المسمّى سالم لبيض وزير التربية الأسبق في عهد الترويكا ضرب التعليم والدولة؟

 اذا أردنا ارجاع هيبة الدولة (وهو وعد من وعود الباجي قائد السبسي الانتخابية) يجب ابعاد لسعد اليعقوبي عن المشهد النقابي والسياسي بالبلاد.

أما القنبلة الموقوتة الثانية فستكلّفنا 1.2 مليار دينار، على الدولة أن توفّرها فورا في قانون المالية الحالي. هذه القنبلة تعود الى سنة 1980 وتحمل اسم البنك الفرنسي التونسي. نزاع معقّد لم يجد طريقه الى الحلّ سواء في عهد حكم بورقيبة أو في عهد بن علي.

 مواجهة بين عبد المجيد بودن والدولة، تكشف عن أكبر فضيحة فساد للدولة. هذا المشكل المعقّد بين تونسيين أرادوا إيجاد حل عادل ومنصف مباشرة بعد الثورة ودون خسائر للطرفين، غير أنّ تدخّل سليم بن حميدان وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية الأسبق لم يكن في الحسبان، اذ بسببه وصلت القضيّة الى مأزق وأصبحت الدولة مجبرة على دفع تعويضات خيالية، تعادل ميزانية بعض الوزارات وتساوي 3 بالمائة من ميزانية الدولة.

 سليم بن حميدان، زعيم حزب الإرادة حاليا، ومن المعارضين الأشداء سابقا وهو من الشخصيات المقرّبة جدّا من النهضة، بل لا نُذيع سرّا اذا قلنا إنّه شامة الإسلاميين في حزب المنصف المرزوقي.

لقد لعب بن حميدان في هذه القضية دور القديسة نيتوش، دائما يدّعي البراءة عكس ما يخفي، يريد لعب دور ضحية الوفاق القضائي والسياسي والإعلامي، يريد أن يوحي بأنّه الوطني البائس الذي يرغب الجميع في هزيمته، الاّ أنّ الحقيقة تختلف عن ذلك، فالأحكام صادرة عن قضاة من مختلف الدرجات ومختلف المحاكم. لقد عمل على ادانة الاعلام (الذي لم يقم بغير عمله) اذ اعتبره أداة كذب لفائدة السلطة، وامتهن شتم مبروك كورشيد (الذي لم يقم بغير عمله) صباحا مساء ويوم الأحد. سليم بن حميدان سيمثل قريبا أمام الدائرة الجنائية

لكن، وسواء مَثُلَ أو لم يَمْثُل، سواء تمت ادانته أو لم تتمّ، ماهو الذنب الذي ارتكبناه، فعلى دافعي الضرائب دفع تلك التعويضات الخيالية؟ اذ حتى وان تمت ادانته فانّه لن يكون قادرا على دفع تلك المبالغ، إنّه أوّلا ليس الاّ حلقة من حلقات المسؤولية، ثمّ سنجده فارا لاجئا الى فرنسا، مثلما فعل في عهد النظام السابق أو بعد سقوط الترويكا سنة 2014، أو بعد هزيمته في الانتخابات التشريعية الأخيرة.

سليم بن حميدان، مثله مثل الكثير من الإسلاميين، ليس لهم من همّ غير مصالحهم الشخصية، فهم يكونون في الصف الامامي إذا تعلّق الأمر بالمنافع، كما هو الشأن سنة 2011، أمّا إذا تعلّق الأمر بواجب كضريبة مستوجبة الدفع أو خدمة تُسدى، ستجدهم منخرطين بالغياب.

أمّا القنبلة الثالثة فهي متأتية من هيئة الحقيقة والكرامة، التي تواصل مهامها رغم قرار البرلمان ورغم قرارات المحكمة الإدارية، ورغم عدم شرعيتها الواضحة فإنها ستواصل مهامها الى 31 ديسمبر، فرئيستها سهام بن سدرين سوف تفقد كلّ مستقبلها السياسي ان لم تُرْضِ أصدقاءها الإسلاميين وداعميها في الخارج (أساسا ألمان وأمريكا)، فهي تواصل مهامهما ضاربة عرض الحائط مواقف الجميع رغم الإدانة الواسعة الصادرة عن أعضاء الهيئة المنتخبين الذين تمت اقالتهم، وعن مختلف أعضاء مجلس نواب الشعب، وعن مختلف وسائل الاعلام، ورغم الإدانة الصادرة عن مختلف درجات القضاة بسبب تجاوزاتها وانتهاكاتها المتعدّدة. انها تتعمّد السباحة ضدّ التيّار لوضع الدولة التونسية أمام الأمر الواقع.

إنّ الدولة مطالبة بدفع التعويضات للضحايا وللضحايا المفترضين للنظام السابق، وهو ما سيكلّف فاتورة ببعض المليارات من الدنانير، فأغلب الضحايا والضحايا المفترضين هم من الإسلاميين الذين تمّت ادانتهم قبل الثورة من أجل الإرهاب.

إنّه قوس للقرّاء الأوروبيين، وكأننا ندعو دافعي الضرائب في ألمانيا أو فرنسا في عام 2050 للتعويض بملايين الأورو لسيف الله الحمامي أو لمحمّد حيدر الزمّار أو بنيامين حرمان أو صلاح عبد السلام أو ورثة محمّد مراح.

 قوس آخر للقراء الأمريكيين، كأن نقول إنّ ورثة أسامة بن لادن أو مساجين غوانتانامو يطالبون بتعويضات بملايين الدولارات.

إنّ أغلب الضحايا الذين تقدّموا لدى هيئة الحقيقة والكرامة، دفعوا فاتورة دفاعهم عن مبدأ إسلاموي وليس من أجل تونس، ولا من أجل الديمقراطية أو الحريات.

أن تكون الدولة قد مارست عليهم التعذيب فهذه حقيقة وأن تكون الدولة قد ألحقت بهم الأذى فهذا أمر لا يمكن انكاره، الاّ أنه لم يكن هناك من حلّ آخر في تلك الحقبة، فثقافة العنف غير المبرّر وغير المجدي كانت هي المهيمنة.

نفس الثقافة سادت في سنوات 2000 في الولايات المتّحدة الأمريكية، أليس معسكر غوانتانامو وسجن أبو غريب خير شاهد على ذلك.

لماذا يجب أن يدفع التونسي المفلس سنة 2020 أخطاء سنوات 1970و 1980؟ ولماذا يجب التعويض أصلا لأشخاص تعمّدوا ترهيب التونسيين وقتل بعضهم؟ أشخاص ناضلوا من أجل معبدهم (المسجد) وليس من أجل بقية التونسيين!

من بين الذين قدّموا أنفسهم على أنّهم ضحايا، يوجد عدد غير محدّد من المزيفين، ولقد أشرنا الى ذلك ونبّهنا سهام بن سدرين وخالد الكريشي وعدد آخر من أعضاء هيئة الحقيقة والكرامة بأمراض البعض بجنون العظمة وبالجشع من زاعمي المضرّة ، الاّ أنّ كلّ ذلك تمّ محوه بجرّة قلم، فهؤلاء المزيفين سوف ينالون تعويضات من أموال الشعب التونسي بمجرّد قرار من هيئة الحقيقة والكرامة المدعومة من الأمريكان والأوروبيين، هم انفسهم الذين يفرضون علينا قيودا في الميزانية ويفرضون علينا الخوصصة وتخفيض قيمة الدينار.

سهام بن سدرين نفسها كانت تناضل من أجل معبدها الخاص، بعدما ناضلت من أجل حسابها البنكي قبل الثورة، تريد إرضاء هؤلاء الإسلاميين، لأنّه لا يمكننا نفي طموحها لرئاسية 2019.

لقد وضعت احدى مؤسسات سبر الآراء الأمريكية "المعتبرة" سهام بن سدرين ضمن قائمة الذين قد يتصدّرون صفّ المرشّحين للفوز بأعلى منصب في الدولة.

هذه هي مختلف الصكوك التي سوف يضطرّ التونسيون الى دفعها بداية من سنة 2019، في الوقت الذي يصارع فيه حافظ قائد السبسي يوسف الشاهد، ويهدّد فيه نور الدين الطبوبي بإضراب عام ويذكّر فيه راشد الغنوشي قوّاته بأنّه لم يتمّ تغيير الأهداف والأولويات.

بعد العجز عن انجاز انقلاب مسلّح يحاول الإسلاميون الانقلاب الديمقراطي مستعملين في ذلك مختلف الدمى المتحرّكة بدعم (لوجستي ومالي) من منظّمات غير حكومية أوروبية وأمريكية مزعومة.

 

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter