alexametrics
آراء

رسالتي إلى يوسف الشاهد : صف شعورك

مدّة القراءة : 3 دقيقة
رسالتي إلى يوسف الشاهد : صف شعورك

 

وأنا واثقة أنّك حرّرت موضوع إنشاء في هذا المعنى، واليوم ألقي عليك هذا السؤال من جديد، لا باعتبارك تلميذا نجيبا يصف شعوره بعد جولة في ربوع بلاده أو بعد فسحة مع عائلته؛ وإنّما لأقول له: صف شعورك وأنت تستمع إلى حديث الشعب إليك أمس من ساحة محمد علي إلى ساحات صفاقس، صف شعورك وكأنّك تتلقّى لأوّل مرّة انطباع هذا الشعب بعد تجربة مرّة عاناها معك في تأمين قوته وقوت أبنائه.

 

ملأت أنت ومن وضعت يدك في أيديهم بمسلّمات انتشروا في القنوات التلفزية يرتّلونها ترتيلا، ولا أعتقد أنّ أكثرهم أدرك معانيها، حتى أنّ السامع الفطن من فرط حفظه لها صار يستبقهم في سردها، ولفرط فراغها لم تستقرّ في أذهان الناس، بل ذهبت مع الرياح، تكفّل البحيري بتقديم الفكرة العامّة لحواركم مع الاتحاد في جملة بليغة: "تفاعل الحكومة مع المطالب النقابية كان إيجابيا وما عرضته على الاتحاد كان مهما على الاخوة النقابيين عدم تجاهله." وأخذ نواباك ونائباتك على عاتقهم مسؤولية الردّ واتهام الاتحاد باستغلال الوضع الراهن قبيل الانتخابات حتى يوظّف مآسي الشعب في سبيل أغراض سياسية... دخلت بهم ميدان المبارزة وقد ذهب في ظنّك أنّك منتصر على الشعب لا محالة مثلما هزمت بهم الباجي قائد السبسي وحزبك القديم.. فكان منهم من يرتعش غضبا، ومنهم من ظنّ أنّه " الحكيم" وله من القدرة أن يتوجّه إلى هذا الشعب لردعه بعصا غليظة.. وتحوّل البعض الآخر منهم إلى " ضمير حي" في الفايسبوك يردع ويصرخ في وجه كلّ معارض ومن ورائه جيش من الميليشيات الفايسبوكية يدعّمه جيش النهضة..

 

واليوم وبعد نجاح الإضراب أسألك: صف شعورك وقد انتبهت إلى أنّ هذه المقاربة لا تجدي نفعا مع شعب جاع وتعرّى في هذا البرد؟ صف شعورك وأنت تشاهد شيوخا من المتقاعدين قد هبّوا، رغم ما يعانونه من علل ليتجمّعوا في ساحة محمّد علي؟

نصحك " العرّيفون" المحيطون بك بالصرامة، فإذا بك تقطع بالمنشار جسما اجتماعيا لا يستهان به، واليوم أسألك: صف شعورك بعد أن مزّقت من جسم تونس ما يناهز المليون تونسي متقاعد مصرّح بهم، ونفتقد إلى نسبة من غادر العمل من القطاع الخاصّ ولم يصرّح بهم. هل أدركت الانعكاسات السلبية للسياسة التي تمارسها منذ ما يزيد عن السنّة؟ فقد أقصيت المتقاعدين من الزيادة في الأجور، وخرقت قانون التقاعد، وحتى ما شاهدناه في الصائفة الماضية من ظهور إعلامي شبيه بالفاشوش يهلّل بصرف جملة من المستحقات على ثلاث حصص انتظرها متقاعدونا واطمأنّوا إلى أنّها ستنزّل في مرتبّاتهم، فإذا بحكومتك تتجاهل الوعود ، وظلّت دار لقمان على حالها إلى يومنا هذا. 

 

غفلت يا سي الشاهد عن مسألة هامّة، وأنا أعذرك فأنت منهمك في تأسيس حزب، والأمل يحدوك في الانتشار.. ولا تملك من الوقت حتى تقف عند طبقة " مشلولة" في المجتمع، طبقة انتقلت من الحياة إلى انتظار داعي الموت.. غفلت عن أنّ هذه الطبقة تمثّل قوّة في المجتمع، فنسبتها تساوي الخمس من الجسم الانتخابي، ولها من القدرة على ترجيح كفّة الانتخابات ما يجعلها تقف أمام كلّ مبادرة تتجاهل حقوقها. فلا يغيب عنك الدور الذي لعبه هؤلاء في إدارة عجلة الانتخابات عندما اختار الشباب العزوف عن المشاركة، ولا أعتقد البتّة أنّ ردود أفعالهم ستتجه إلى العزوف بقدر ما سينطلقون نحو الاقتراع العقابي، وهذا طبعا لا يتماشى مع سياستك في بعث حزب " وسطي" ، بعد أن تحوّلت هذه الكلمة أيامنا هذه للدلالة على غياب الرؤية و العجز عن امتلاك مشروع ثابت ومقنع، وهذا موضوع آخر. وسؤالي: صف شعورك بعد أن تبيّن بطلان نصائح من نصبتهم حكماء؟ صف شعورك عندما تعلم أنّ معظم الشيوخ المتقاعدين اليوم " سادّين باب بلاء" لأنّهم يعولون عائلات بأكملها، من أبناء متخرّجين كانوا أو عاديين يقفون في طابور البطالة، وصار الحديث عن متقاعد يختزل عائلة يؤمّن قوتها من جرايته، وهنا يثقل الوزن الانتخابي لهؤلاء، لأنّ عمل الحكومة سيقيّم من منظور تهميش طبقة هامّة من المجتمع التونسي قد تبلغ نسبة 40 في المائة.

 

صورتان هيمنتا على حياتنا هذا الأسبوع: صورة إعلامية اعتنت القنوات التلفزية بنشرها ، ونرى فيها جماعتك بلباسهم الأنيق الفاخر وقد جالوا البلاد طولا وعرضا، وجلسوا في قاعات نزل فخمة " للتباحث" مع شعب في سبل بعث حزب " وسطيّ"، وترى الستائر الحريرية والمناضد الأنيقة والكراسي المريحة التي توحي بمستقبل مريح أيضا. وصورة أخرى تحرج الإعلام في بثّها ، هي حيّة في وجداننا، نعيشها طوال اليوم ونرى فيها العجوز أو الشيخ وحتى الكهل أو الشاب باحثا في القمامات عن لقمة يملأ بها معدته، أو صورة المرأة الحائرة والمتقلّبة بين بائع البيض والخضر بحثا عن حلّ يضمن لعائلتها لقمة بما تمتلك من مال زهيد.. وسؤالي : صف شعورك عندما تحاط علما بحال الفقراء الذين انتشروا في الشوارع؟ وصف شعورك وأنت تجمع بين هاتين الصورتين؟ هل بقي لك أمل في أن تكون لك الأغلبية في الانتخابات القادمة؟

 

وفي الأثناء، تصطاد النهضة كلّ شاردة للتخلّص من التبعات الوخيمة التي ستقع فيها، فإذا بها تؤكّد أنّ " الإضراب حق دستوري والاتحاد منظمة وطنية شريكة في بناء تونس الثورة. مطالب الوظيفة العمومية والمتقاعدين مشروعة والنهضة بذلت جهدا لاقناع الحكومة بالاستجابة لها". كم أضحكني هذا البيان ، لأنّه يذكّرني بقولة أجدادنا" من لحيتو افتلّوا شكال"، فإذا بالنهضة الحكيمة الناصحة، وإذا بالنهضة والحكومة خطّان متوازيان لن يلتقيا، أي " كس إيجا فوق السطح" ، وبقيت أنت وحدك في التسلّل، أي " داخلة في الربح وخارجة في الخسارة" ، كأنّ زياد العذاري وزير من النداء، و كذلك الونيسي التي حوّلت وزارة التشغيل إلى حقل تجارب استدعت صديقاتها للهو فيها....

 

وفي الأثناء، يتبيّن أنّ النهضة لم تتنازل قيد أنملة عن مشروعها الاجتماعي الذي نادى به زعيمها منذ أن وطئت قدماه أرض تونس، ولك ما أثبتته في تعليقها على الإضراب" آن الاوان لخوض معركة الانتقال الاجتماعي والاقتصادي ومكافحة الفساد والتنمية وإطلاق حوار اجتماعي واسع" نعم يا سي الشاهد مازالت النهضة تحلم بالانتقال الاجتماعي الذي حفظه أبناؤها في صدورهم إلى يومنا هذا. ولكن..

ما كلّ ما يتمنّاه المرء يدركه.. فالمجتمع بجميع مكوّناته سيقف ضدّ هذا المشروع، تحت راية الاتحاد.. فصف شعورك وأنت تقرأ بيان من عانقتهم واعتبرتهم عضدك لمقاومتنا.

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter