alexametrics
آراء

آسفة .. جبر الضرر ليس سوى ..الديّة

مدّة القراءة : 3 دقيقة
آسفة .. جبر الضرر ليس سوى ..الديّة

 

 

استفاق الناس هذا الأسبوع على حقيقة صادمة، حقيقة تفرض نفسها مع غيرها من الحقائق المرّة التي علينا مواجهتها : حقيقة تدنّي مستوى المعيشة وانغلاق التواصل مع المسؤولين سواء كانوا من الحكومة أو السياسيين أو النواب، حقيقة انحسار الأفاق وتسرّب اليأس إلى النفوس المتعبة القلقة. انشغل الناس بهذا " البعبع" الذي عظمت هامّته واستقام ليلتهم ما تبقّى من عظامنا: لقد اسموه " بصندوق الحقيقة والكرامة".. لا أخفيكم أنّنا جميعنا كان يعلم بوجود هذا الصندوق، لكن لم يخلد البتّة بأذهاننا أنّه سيعظم بمثل هذه السرعة ويفرض نفسه حتى في قانون المالية لهذه السنّة. لقد حرق جميع المراحل . تابعت ما جرى في قبّة المجلس، وأنا قلقة " كأنّ الريح تحتي"، فتحت مواقع التواصل الاجتماعي فإذا بالجميع ساخط يتوعّد .. رجعت إلى النصوص القانونية المؤسسة لهذا البعبع حتى أظفر بدلائل تعدّل من موقفي ومن موقف أبناء شعبي.. قادني بحثي إلى هيئة الحقيقة والكرامة، فإذا بها هي الضابط للحالة المدنية لهذا البعبع؛ وتحلّيت بالصبر لأقرأ النصوص القانونية.. عندئذ فهمت وأدركت من نحت صورته ونمّى جسده ونفخ في روحه.. و أدركت لماذا يرفضه الناس وإن كان نوّابنا الموقّرون يعتبرونه مرحلة أساسية حتى ننتقل إلى دولة القانون وتتأسّس الديمقراطية دون واو.

لن أقف عند الإشارة إلى السياسة الصارمة التي سلكتها لجنة جنوب افريقية ، حيث رشّحت 9280 ضحيّة لجبر الأضرار من مجمل 16861 . ولن أقف عند التصنيف الدقيق فيمن انتفع بمقابل مالي أو عيني مثل الإدماج الاجتماعي، تسوية أوضاع إدارية وظيفية. ولن أبيّن طريقتهم في تنظيم جلسات الاستماع ، جلسات أقلّ ما يقول فيها المرء انّها كانت عامّة وبسيطة وتلقائية وعميقة، وليست في فضاءات مغلقة . لم يقع هذا في تونس ، بل نتج عن ذلك أن تخلفت النخبة المجتمعية عن دعم التجربة، وخاصّة بعد أن خرجت خلافات بين أعضاء الهيئة إلى العلن، فمنهم من استقال ومنهم من " أقيل" . واليوم يأتي الجماعة مغرّدين بالنفع المالي. أرأيتم في أيّ حال نحن اليوم؟ وعن أيّ انصهار اجتماعي يعد بانتقال ديمقراطي تتحدّثون؟ وهل وفّقت القوى الديمقراطية في تجربة الإصلاح السياسي؟ و في تنظيم تحالفاتها حتى ترسي المؤسسات الديمقراطية الجديدة؟ نحن نعيش فشلا مريرا في تهيئة الشروط اللازمة والكفيلة بتأسيس العدالة الانتقالية، وهي شروط واجبة وليست بالنافلة حتى يجوز الحديث عن تعويضات.وإنّما سأقف عند قضية هامّة، هي:

أنّ المجتمعات التي تعيش مراحل الانتقال الديمقراطي هي مجتمعات تعاني تشنجات عميقة وكلّ محاولة لتحويل وجهة العدالة الانتقالية سيعمل على توسيع الهوّة بين مكوّنات المجتمع .

ماذا حدث في تونس؟

  • الاستئناس الساذج بتجربتي جنوب إفريقيا والمغرب: فلكلّ بلد خصوصياته، ولكلّ مجتمع منطلقاته. وإن نجحت على سبيل المثال تجربة الانتقال الديمقراطي في جنوب إفريقيا فلأنّ النجاح الحقيقي بدأ قبل تأسيس لجنة الحقيقة والمصالحة، عن طريق تحسيس المجتمع وتشريك الجميع مهما اختلفت بينهم الاتجاهات، ونتج عن الحوار الوطني نضج جماعي، نمّى الذاكرة الجماعية حتى تزيل الفوارق الإيديولوجية المفرّقة للمجتمعات.. لذلك كان يسيرا على الضحية والجلاّد أن يواجها عقبة الشهادة وعقبة الاعتراف. وللأسف، لم يحدث هذا في تونس. ولم يدركوا أنّ الفرق جليّ بين الرغبة السياسية في إقامة العدالة الانتقالية والرغبة الاجتماعية.
  • المبادرة كانت سياسية بالأساس: فهل تمّ تشريك المجتمع في الحوار حول العدالة الانتقالية؟ طبعا لا، وليس بخفيّ أنّه عن طريق التشريك تحسيس وتقريب للفجوات بين الناس، فينشأ التعاطف.

فالضحية في تونس هي التي سنّت قوانين العدالة!! وخاطتها على مقاسها هي لا مقاسنا نحن. والغريب أنّك تقف في النصوص على تناقضات كثيرة لا تجد منطقها سوى من منظور السياسي. أمّا من منظور التقنين الموضوعي فلا: وأذكر على سبيل المثال الفصل 7 من " القرار عدد5 لسنة 2016 مؤرّخ في 29 جانفي 2016: ويتعلّق بضبط دليل إجراءات لجنة البحث والتقصّي التابعة لهيئة الحقيقة والكرامة. ورد في هذا الفصل " مجالات نظر اللجنة"، أي من يعتبر ضحية؟: " انتهاكات ذات صلة بالحقوق السياسية والمدنية، القتل والإعدام في غياب محاكمة عادلة، اغتصاب تعذيب اختفاء قسري، الهجرة الاضطرارية لأسباب سياسية، إيقاف تعسّفي. وإلى هذه المشمولات تنضاف أخرى تساءلت عن معنى وجودها تحت نظر الهيئة، بينما هي في الحقيقة تتبع المحكمة الدستورية في سهرها على تطبيق موادّ الدستور، وأذكر منها: انتهاك حرّية: التنقّل، التعبير والإعلام والنشر، التجمّع السلمي، تكوين جمعيات وأحزاب، حرية ممارسة المعتقد والعبادة، اللباس والمظهر، الإصابة اثناء الاحتجاجات. الحقّ في السكن والتعلّم والحريّة الأكاديمية والثقافة والملكية. ثمّ في الأخير تزوير الانتخابات والفساد المالي والاعتداء على المال العام.

من هنا ندرك أنّ هذه اللجنة تسعى إلى احتكار الدولة . وتحاول أن تستقطب جميع الموادّ التي في الدستور. وهذا لعمري محاولة في استقطاب جميع دواليب الدولة بحسب أجندة سياسية مخصوصة.

  • نتيجة لذلك كان عمل اللجنة مشوّشا وسطحيّا، ولم يخضع لمراحل، هي أساسية حتى ننجح في عمل العدالة الانتقالية: صحيح أنّه وقعت جلسات استماع عمومية ، لكن، لم يتمّ تشريك المجتمع في المراحل الموالية ، مثل الاستماع إلى المتّهمين ، والتثبّت في الشهادات؟؟؟ وخاصّة المحاسبة. فقد قامت اللجنة بقفزة في الهواء وتجاوزت المحاسبة لترتمي مباشرة في أحضان التعويضات.
  • وهنا بيت القصيد: الشعب لم يشرَّك سوى في إعلامه بقرار الخصم من ميزانيته. لقد حوّلوه إلى جلاّد؟ فهل كان هذا الشعب مدلّلا في ظلّ الحكم الديكتاتوري؟ حتى يتكفّل بالتعويض؟

إنّ ما يزيد الأمور تعقيدا هو قراءتنا ما ورد في الفصل7  بما ورد في الفصل 4 من النصوص الترتيبية وردّ الاعتبار ( عدد11 سنة 2018)، ويتضمّن طرق احتساب التعويض: فأنت تجد حصرا وتدقيقا للحالات التي تجب فيها التعويضات، وقد ذكرها الفصل 7 الآنف الذكر .لكن نبقى في حيرة: لماذا سكت النصّ عن جبر الضرر وردّ الاعتبار بالنسبة إلى حرية التعبير والإعلام والحرية الأكاديمية؟ كيف يعتبرها من مشمولاته وفي الوقت نفسه يسكت عن ضبط المقدار في جبر الضرر؟ أم إنّ اللجنة لا ترى فيها خطرا يشبه الخطر في الطلاق القسري أو الحدّ من حريّة اللباس؟  ذلك أنّ المرجعية الضمنية التي ينطلق منها النصّ القانوني واضحة: وإلاّ ما هي مقوّمات الطلاق القسري؟ وماهي حدود الحرية في ممارسة المعتقد؟ وفي حريّة اللباس؟ وما هو موقف اللجنة من الفساد المالي، وقد نصّت عليه واستشرى بيننا هذا الأيّام؟ أليست هذه مرجعية سياسية؟

لذلك تواترت تعليقات الناس بأنّ هذا الصندوق يقوم على منطق الغنيمة، وعلى أنّ الكرامة لا تقاس بثمن إذا اردنا لموقفنا النضالي أن يدخل التاريخ.. اللهم أمر واحد هو أنّ الجماعة اعتبروا هذا الصندوق مظهرا من مظاهر الديّة يدفعه المعتدي وإن غاب فعشيرته.. ونحن ننوب الطاغي لأنّنا في منطقهم عشيرته، وساندناه بصمتنا ولولا هم لبقينا عبيدا إلى يومنا هذا.

 

 

 

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter