alexametrics
آراء

حركة النهضة تشد أزر يوسف الشاهد مثلما يشد الحبل عنق المشنوق

مدّة القراءة : 5 دقيقة
حركة النهضة تشد أزر يوسف الشاهد مثلما يشد الحبل عنق المشنوق

 

كلما حاولنا أن نتناسى هذه الحقائق أو نتجاهلها يعيدها الواقع دائما إلينا حتى تبقى نصب أعيننا .. نعم لقد أخطأ الحبيب بورقيبة شأنه شأن زين العابدين بن علي الذي اقترف هو أيضا عديد الأخطاء كما أن عبير موسي مخطئة باتباعها هذا السلوك الفاشي، لكن لا أحد ينكر أيضا أن الإسلامي يبقى طوال حياته إسلاميا .. فهو لن يصبح يوما ما مواطنا مدنيا ولا تونسيا مثلنا باعتباره يفضل الشريعة الإسلامية على دستور البلاد وقوانينها مثلما يفضل الأمة على الوطن .. أحيانا وبموجب حسِّنا الديمقراطي نحاول عبثا أن نصدِّق راشد الغنوشي حين يشبه نفسه بالديمقراطيين المسيحيين في أوروبا، غير أن الحقيقة تخرج على لسان نائبه عبد الفتاح مورو الذي يرمي إلى دمغجة الأجيال القادمة. فما يبدو على زياد العذاري وحسين الجزيري وسيدة الونيسي من انفتاح ونفس ليبيرالي وحداثي قد يغالط البعض منا لفترة محددة قبل أن يتلقفنا الفكر المتطرف والرجعي لكل من عبد الفتاح المكي ونور الدين البحيري ورضوان المصمودي وعبد الحميد الجلاصي ليذكرونا بأنه هناك فرقا بينهم وبيننا وبأن القيم والمبادئ التي بها يؤمنون تتعارض مع المبادئ التي تقوم عليها حياتنا اليومية.

 

لذلك فإننا ستقبل بالعيش مع الإسلاميين حين يقبلون التخلي عن الأسلحة وعن إرهاب الثمانينات والتسعينات .. نعم سنتقبلهم حين يرضون بصناديق الاقتراع لقول كلمة فصل بيننا وبينهم .. بل إننا قد نذهب إلى  حد التظاهر بإغماض أعيننا عن الحقائب المملوءة دولارات والتي يأتون بها من إسطنبول والدوحة . لكن حين يقول نور الدين البحيري "إنه ليس بإمكان أي نائب تونسي أن يقبل بالمصادقة على قانون يتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي" هنا يجب أن نوقفه عند حده فالمسألة خطيرة وقد تكلفنا خسارة المزيد من الوقت تقاس بالسنوات.

 

 

لماذا؟ لأننا غير مستعدين للعودة إلى القرون الوسطى بقوانين رجعية فقط بتعلة أنها مطابقة للشريعة.. هم أحرار في نظرتهم للشريعة لكن لا لتطبيقها هنا في تونس .. لسنا مستعدين في 2019 لأن نترك لأبنائنا بلدا يتزوج فيه الرجل بأربع نساء وتُقطع فيه الأيدي ويُجلد فيه الناس في الساحات العامة وحيث تُجبر المرأة على أن ترتدي ثيابا يغطيها من رأسها إلى قدميها وأين تُمنع كل حرية تتعارض مع تعليمهم وقناعاتهم. فسواء قبلوا بهذا القول أم لا تلك هي شريعتهم وهي لا تتماشى مع قيمنا وحرياتنا .. هم يريدون منا أن نتقبًّل الوضع تدريجيا معولين في ذلك على استسلام وتراخي حماة المعبد من ورثة بورقيبة.

 

لا مكان في تونس للإسلاميين المتطرفين الذين عاثوا فسادا في الثمانينات والتسعينات والذين يريدون تطبيق الشريعة عبر اللجوء الى الحيل الديمقراطية.. فالمنطق يقول إنه لا مجال للحرية بالنسبة إلى أعداء الحرية. فالتعلل بتونسة حركة النهضة وقبول الإسلاميين التونسيين باللعبة الديمقراطية بدأ في 2011.. اللوبيات الأوروبية والأميركية التي دربتهم وألبستهم في 2011 فرضتهما عليهم مقابل دعمهم ومساندتهم التحلي بهذه الروح الحداثية الديمقراطية.. كلنا يتذكر كيف كانوا يرتدون إبان الثورة وكيف تغيرت حالهم بعد الانتخابات .. تذكروا خطابات "الرؤوس المقطوعة" لشورو في المجلس الوطني التأسيسي و"حمام الدم" للصحبي عتيق في شارع الحبيب بورقيبة في 2012-2013 ثم فجأة صاروا يتحدثون عن النزعة السلمية وتونسة الحركة .

 

المنعرج الحقيقي تم في 2013 مباشرة إثر مسك الجيش بمقاليد الحكم في مصر وذلك من خلال اتفاق باريس بين الباجي قايد وراشد الغنوشي .. يومها قبل رئيس الجمهورية الحالي بأن يعطيهم الفرصة ويؤمن بأن النهضاويين قبلوا بأن يكونوا تونسيين قبل أن يكونوا إسلاميين وأن يحترموا القوانين الحداثية المعمول بها وبالتالي نسيان الشريعة والقرون الوسطى.. هذا الاتفاق الباريسي مكَّن تونس من تفادي حرب أهلية حقيقية في 2013 وهو اتفاق وجد سندا قويا من لدن المجتمع الدولي وتبعه في ذلك رباعي الحوار الوطني الذي حاز جائزة نوبل للسلام.

 

في تونس ورغم الترحيب الدولي فإن حالة الشك والارتياب  هي السائدة .. هناك مثل شعبي تونسي يقول "ميمونة تعرف ربي وربي يعرف ميمونة" هذا المثل كان في أذهان الجميع وقتها لكن الناس فضلوا اتفاقا سيئا على حرب أهلية فعلية.. كان ذلك أقل ثمنا بالنسبة إلى الجميع غير أنه لم يرض عبد الكريم الهاروني (الداعم الكبير لإرهابيي سليمان) وعبد الحميد الجلاصي ومنصف المرزوقي وعبير موسي لكن فليذهبوا جميعا إلى الجحيم .. كان لزاما علينا تنقية الأجواء فما عدنا نرغب في المزيد من الدماء في هذا البلد .. الباجي قائد السبسي ومن ساندوه من الخارج كانوا على حق .. يكفي أن انظروا إلى ما يجري في الجارة ليبيا.

 

قبل الإسلاميون بعرض  الباجي ولم يكن لديهم خيار آخر فإما التوافق أو الموت لذلك اتابعوا خطة الغنوشي ومورو والمتمثلة في الظهور كتونسيين حقيقيين أداروا ظهرهم للشريعة .. لم نصدقهم وقتها لأننا كنا نعلم انهم يناورون ويخفون مشاريعهم وشريعتهم في الدرج الى حين .. تريدونمنا أن نبادلكم نفاقا بنفاق فليكن ...

 

يوسف الشاهد، تلميذ الباجي قايد السبسي، لم يفعل سوى أنه انخرط في لعبة النفاق تلك مع الإسلاميين بتطبيق سياسة معلمه حرفيا والتغاضي عما يمكن أن يضمروه .. ليس هو الوحيد فالحبيب الصيد ومهدي جمعة قاموا بالمثل على غرار ما أتته الأغلبية الساحقة للقادة السياسيين باستثناء الشجاعة عبير موسي وياسين إبراهيم وسعيد العايدي وكذلك محسن مرزوق ورضا بالحاج.. قبلهم جميعا اتبع مصطفى بن جعفر ومنصف المرزوقي خيار المهادنة والنفاق ليس لتفادي الحرب وإنما لأخذ نصيبهم من الحكم.

 

تلك الاستراتيجية التي توخاها الباجي قايد السبسي وتبعها من بعده يوسف الشاهد وآخرون لا تصمد مع الزمن .. فطالما هم ليسوا صرحاء ونزيهين فإن الإسلاميين سيعودون إن عاجلا أم آجلا لعاداتهم القديمة ولشريعتهم.. التصريح الذي أدلى به البحيري الأسبوع الماضي ليس إلا دليلا قاطعا إضافيا على نفاقهم وتقيتهم (مخالفة الدين للحفاظ على النفس أو بلوغ هدف هام).

 

لكن من مساوئ هذه الخطة هو استعداء كل المناهضين للإسلاميين وهم كثر وهو المجال الذي يركز عليه محسن مرزوق وعبير موسي .. فالتحالف مع الإسلاميين يعني خلق منافسين بل أعداء في الصف العلماني الحداثي .. فالحديث عن انعدام الخيارات وعن الحرب الضروس والتذكير بأن الأولوية للطابع الاجتماعي والاقتصادي وليس الإيديولوجي لا يصبح مقبولا حين يعود الإسلاميون إلى سالف عهدهم بالخوض في مسألة تطبيق الشريعة .

 

فالنهضة تدرك ذلك مثل منافسي يوسف الشاهد فهم يعلمون جيدا أن نعت شخص ما بكونه صديق مقرب للنهضة يعني حرمانه من بلوغ قصر قرطاج. فالإسلاميون لن ينتخبوه أبدا في حين أن الحداثيين سيختارون شخصا آخر بما في ذلك عبير موسي ومشروعها الفاشي.

 

فحين يقول راشد الغنوشي إن حركة النهضة ستواصل دعمها ليوسف الشاهد إذا لم يترشح للانتخابات الرئاسية فكما لو أنه قال ضمنيا إنه يسانده وهذا طبعا ليس صحيحا.

 

كيف تجلى دعم النهضة ليوسف الشاهد ؟ برفض وثيقة قرطاج التي اقترحها قايد السبسي الأب لاستبعاده ؟ ما حصل هو أن كل مشاريع القوانين المقترحة تم تعطيلها في البرلمان من قبل النهضة ومنافسي الشاهد بداية من حزب النداء .. فتمرير مشاريع قوانين عاجلة يعني إخراج البلاد من المأزق ولو وقتيا لكن تم تعطيل تلك المشاريع حتى لا تحقق هذه الحكومة أي فوز أو انجاز ونذكر على سبيل المثال قانون المساواة في الميراث والذي بقي معطلا حتى لا يحقق الباجي قائد السبسي وعائلته التقدمية إنجازا يحفظها لهم التاريخ.

 

وقد أثبتت الأحداث أن نواب البرلمان يستعجلون أمرهم حين يخدم ذلك مصالحهم وخير دليل على ذلك مقترح تعديل القانون الإنتخابي لمنع نبيل تدالقروي من الترشح .. والحقيقة هي أن الإسلاميين مستعدون لفعل أي شيء لشق صف العائلة التقدمية لكنهم يفعلون ذلك بشيء من الدهاء وهو ما لقنهم إياه الأمريكان.

 

المشكل الحقيقي لا يكمن في الإسلاميين فهم على ما هم عليه وتلك هي السياسة لكن الاشكال في العائلة التقدمية التي تتناقل تصريحات الإسلاميين وهم يعرقلون الشاهد في سعيه للوصول الى قصر قرطاج.. فهؤلاء التقدميون هم بصدد القيام بما يفعله النهضاويون سواء عن قصد أو غير قصد .. فسقوط أي مترشح حداثي علماني مهما كان اسمه يعد هدية للإسلاميين والشعبويين لتخرج الديمقراطية والمشروع المجتمعي التقدمي خاسرين.

 

لا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن يوسف الشاهد بل الدفاع ومساندة كل شخص قادر على تحقيق مشروع تونس تقدمية عصرية علمانية تحترم مبادئ العدل والمساواة .. هذا الشخص قد يكون يوسف الشاهد أو سعيد العايدي أو محسن مرزوق أو مهدي جمعة أو ياسين إبراهيم .. مهما يكن اسمه المهم أن لا يعيدنا لعهد الدكتاتورية أو تطبيق الشريعة وسيبقى كل الدعم والمساندة لكن عليه أن لا يتحالف مع النهضة .

.

  (ترجمة عن النص الأصلي بالفرنسية)

 

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter