alexametrics
آراء

عبير موسي ومنصف المرزوقي .. خطاب الغريزة الحيوانية

مدّة القراءة : 5 دقيقة
عبير موسي ومنصف المرزوقي .. خطاب الغريزة الحيوانية

 

من الصعب في الفترة الأخيرة الخوض في الشأن السياسي دون الحديث عن عبير موسي، رئيسة الحزب الدستوري الحر التي استقطبت الأضواء وتحاليل المهتمين بالشأن السياسي حيثما حلت .. آخرها  أنشطتها الناجحة، الإجتماع الكبير الذي أشرفت عليه بسوسة نهاية الأسبوع الماضي وهو ما يؤكد أن فريقا من المختصين يقف وراء تنظيم اجتماعات سليلة حزب التجمع المنحل.

 

منصف المرزوقي، زعيم حراك تونس الإرادة، يثير بدوره اهتمام الرأي العام حيثما حل وتحدّث في شأن ما ..

 

كلاهما لديه اعتقاد راسخ بأنهما على حق وأن ما يقولانه هو الصواب وبكونهما النزاهة بعينها وأنهما يسيران على الدرب القويم .. يظنان أنهما الأذكى والأكثر معرفة ودراية من الآخرين، بل أكثر من ذلك يعتقدان أنهما أكثر وطنية من غيرهما.

 

لكن مجرد الحديث عن هذين الشخصين هو في حد ذاته شرف لهما بالنظر إلى محدودية ما يمكن أن يقدماه لهذا الوطن .. فالمشهد السياسي في تونس يتشكل مما لا يقل عن 216 حزبا سياسيا ومثل هذا العدد من الشخصيات المتزعمة لتلك الأحزاب من ذوي الأنا الأعلى المتضخمة ..   

 

"بالمناسبة نحن أيضا معشر الصحفيين والإعلاميين لدينا الأنا متضخمة ونعتقد كذلك أننا أذكى من السياسيين مع اختلاف في الأدوار وهو أننا نقوم برسالتنا التحليلية والنقدية".

 

في هذا المشهد السياسي المتكون من 216 حزبا، بزعمائها  ورؤسائها وأمنائها العامين، نجد عبير موسي ومنصف المرزوقي في الطرفين .. الأولى تحظى بنسبة 3 بالمئة من نوايا التصويت والثاني بنسبة 11 بالمائة أي أن الشخصيتين لا وزن لهما في ميزان أصوات الناخبين، لكن معرفة دقيقة بخطاب كل منهما تجعلنا نقر بأن مراقبتهما ستكون أكثر حذرا من تجاهلهما .. فحصولهما مجتمعين على 14 بالمائة من نوايا التصويت هو في حد ذاته كثير.

 

فبقطع النظر عما إذا كنا نتفق أو نختلف مع أحزاب تحيا تونس والنداء والنهضة أو الجبهة الشعبية، فإن هذه الأحزاب المنتمية للوسط لها على الأقل رؤية جمهورية لمستقبل البلاد.. صحيح أننا قد نوجه أحيانا حكما على النوايا في علاقة بحركة النهضة واتهامها بأن خطابها ليس إلا واجهة مزيفة وكاذبة لتغطية برنامجها المتمثل في أسلمة وخومنة البلاد، لكن ذلك يبقى رغم كل شيء من قبيل الحكم على النوايا.. فالإسلاميون ما انفكوا يحاولون من خلال خطاباتهم وسلوكياتهم وبرنامجهم التأكيد في كل مرة لمن يرغب في تصديقهم بأن لهم رؤية جمهورية ومدنية للبلاد ومستقبلها. 

 

كما لا شيء يمنعنا من القول بأن تحيا تونس والنداء وحركة مشروع تونس وآفاق وغيرها من الأحزاب الحداثية، العلمانية، الوسطية، هم التجمعيون الجدد وشخصيات فاسدة وخليط من الإنتهازيين والفاشلين .. مع ذلك ترى أن سلوك وخطابات سليم العزابي وياسين ابراهيم ومحسن مرزوق، تعكس رؤية حداثية وعصرية وبناءة لمستقبل البلاد.

 

نفس الشيء يمكننا فعله مع الجبهة الشعبية والحديث عن شطحات حمة الهمامي وصيحات منجي الرحوي والهوة التي تفصل الجبهاويين عن واقعنا وعصرنا، لكنهم يبقون رغم ذلك وبلا أدنى شك شخصيات تتحلى بحسها الوطني.. وهو ما تعكسه هذه المقولة لحمة الهمامي والتي وجه فيها رسالة مضمونة الوصول لمنصف المرزوقي حين قال له "تونس هي بلدي الوحيد لذلك ليس لدي وطن آخر ألجأ إليه حين تكون تونس مريضة".

 

لكن على خلاف كل هؤلاء من مختلف التنظيمات السياسية في البلاد، فإن الخطاب الذي يمرره كل من عبير موسي ومنصف المرزوقي مشحون بالحقد والإقصاء.. ففي حين يدافع الآخرون عن الإيديولوجيا الخاصة بهم وعن رؤيتهم للأمور، بقطع النظر عن فناعات غيرهم، فإنه لا وجود للمرزوقي وموسي إلا عبر تواجد الآخرين.

 

فتنصتوا لأي خطاب لعبير موسي ستجدون حتما مقتطفات ومقاطع حول ضرورة إقصاء الإسلاميين من المشهد السياسي والزج بهم في السجون.. فلو تحقق ذلك في يوم ما لن يبقى في برنامج عبير موسي شيء تقدمه للناخبين.

 

المبدأ ذاته يتعمال به منصف المرزوقي لكن مع تغيير في الهدف، فالرجل لا يفوت فرصة واحدة دون أن يشير فيها إلى "الأزلام" وغيرها من المرادفات حتى يتفادى ذكرهم كأن يقول "الآخرون" أو "النظام السابق" و"الدولة العميقة" و"الفاسدون" .. وبطبيعة الحال يجب شطبهم من المشهد السياسي حسب رأيه. فالمرزوقي يحتاج دائما إلى في خطاباته إلى الحجيث عن كبش فداء والتشهير بوسائل الإعلام التي لا تشاطره الرأي وبالسياسيين الذين تمولهم دولة الإمارات وإلى المال الفاسد.. فإذا حذفنا هذه الأوصاف والنعوت من خطاباته لن يتبقى فيها أي شيء يذكر.

 

فمثلما تحتاج عبير موسي للإسلاميين لتثبت وجودها فإن منصف المرزوقي في حاجة دائما للعب دور ضحية الأزلام وللحديث عن الفساد ليثبت هو أيضا وجوده.

 

فلولا قيام العدالة في بلدنا ووجود قوانين تنظمها، لما تلكأ الإثنان في استعمال عبارات من قبيل "المشانق" و"المدافع" في خطبهما وبرامجهما.

 

عقلية إقصاء الآخر لها من يتبناها ويدافع عنها في بلدنا وهم يمثلون نسبة 14 بالمائة من أصوات الناخبين حسب مؤشرات سبر الآراء وهي عقلية شبيهة بما يحمله الفاشيون من أفكار وقناعات.. أمر خطير في بلاد تستعد لتنظيم انتخابات بعد سبعة أشهر وهي تطمح لبناء ديمقراطية حقيقية.. قد يقول البعض وهم على حق إن العقلية الفاشية بدأت تكتسح شيئا فشيئا المشهد السياسي في عدد من دول العالم وأنها مكوّن أساسي في الديمقراطية على غرار ما يحصل في إيطاليا والنمسا وإسرائيل أو حتى الولايات المتحدة الأمريكية.. لكن هذه الديمقراطيات العظمى لها دول قوية تسندها وديمقراطيات عريقة ومتجذرة، يقوم الإعلام فيها بدوره كسلطة مضادة ويضطلع القضاء بمهمته كحارس للديمقراطية ومؤسساتها.

 

وبطبيعة الحال لا يمكن أن نقارن وضعنا بتلك الدول، فتونس دولة ما زالت هشة، مازال جهاز القضاء ليس مُعافى كليا، وسائل إعلامها تحتضر، مؤسساتها مريضة وديمقراطيتها متلعثمة.   

 

فهل يحق لنا والحال تلك أن نبقي في مشهدنا السياسي، أحزابا مثل التي يتزعمها المرزوقي وموسي، لا برنامج لها سوى إقصاء الآخرين؟.

 

يمكننا أن نختلف مع الإسلاميين، دون إقصائهم من المشهد فالذي يفصل بيننا وبينهم صناديق الإقتراع بصفتهم منافسا وخصما سياسيا وليس عدوا وهو ما لم تفقهه عبير موسي.

كما يمكننا أن نتعارض مع "الأزلام"، دون إقصائهم أيضا وتشويه أعراضهم بالأكاذيب وهو ما لم يستوعبه منصف المرزوقي. 

فالإثنان اتبعا أقذر السبل والوسائل للوصول إلى ناخبيهم وهي دغدغة مشاعرهم واللعب على عواطفهم وغرائزهم، من خلال تخويفهم من منافسيهم فيلجأ الناخب إليهم خوفا من الآخرين "الوحوش".. وتلك هي الفاشية بعينها لذلك لا غرابة في أن نجد في صفوف هذا الصنف من العائلات السياسية، أشخاصا عنصريين ونازيين جدد..

 

إذن ما السبيل لصدهم ؟ .. في الديمقراطيات العريقة تضطلع وسائل الإعلام والقضاء بدورهما عبر تحسيس الناس وتوعيتهم بخطورة  مثل أولئك الأشخاص. في ديمقراطية هشة مثل التي نعيشها، لا يخلو الأمر من خطورة، لأن المؤسسات التي عادة ما تقوم بدور السلطة المضادة، معطلة عندنا ولا تشتغل بالشكل المطلوب. لذلك فإن الحل الأنسب والأيسر هو إقصاء من ينادون بالإقصاء .. فالديمقراطية لا تحق لأعداء الديمقراطية .. وهي الشعارات التي رفعها المرزوقي وجماعته في الفترة 2011-2014 ومن حسن الحظ أنه فشلوا في ذلك.

 

هذا الأسلوب الإقصائي وإن بدا سهلا فإنه لا يخلو من محاذير لذلك   يجب أن يبقى أمثال عبير موسي ومنصف المرزوقي في المشهد السياسي، رغم خطورتهم وعقليتهم الشبيهة بالعقلية الفاشية، لكن يجب عرقلتهم ووضع المطبات أمامهم حتى لا يحققوا مبتغاهم.

 

خدمة لمصلحة الديمقراطية التونسية وللبلاد عامة، على وسائل الإعلام أن تدين صباحا، مساء، خطابات الحقد والكراهية، فضلا عن الحد من الظهور الإعلامي لتلك الشخصيات، على غرار ما تم التعامل به مع البحري الجلاصي والهاشمي الحامدي.

 

إلى جانب الإعلام هناك ركيزة أخرى من ركائز الديمقراطية وعليها أن تضطلع بدورها كاملا ألا وهي المنظومة القضائية التي عليها أن تسائل المرزوقي عن خطاب الكراهية الذي هو بصدد بثه وكذلك مصادر تمويله وعن علاقاته الخارجية وقواعد حزبه التي تريد استعمال الأسلحة والتهم التي يوجهها جزافا نحو خصومه ومنافسيه السياسيين.. فالقضاء الذي قام بدوره لمساءلة عبير موسي عليه أن يتعامل بالمثل مع منصف المرزوقي ففي ذلك مصلحة الوطن العليا واستمرارية ديمقراطيتنا الناشئة.

 

 (ترجمة عن النص الأصلي بالفرنسية)

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter