alexametrics
آراء

شركات السياسة والإعلام وراء صناعة الزعماء الجدد

مدّة القراءة : 4 دقيقة
شركات السياسة والإعلام وراء صناعة الزعماء الجدد

 

يختصر بعض المتابعين والنقاد المشهد السياسي الراهن بكونه ''سريالي''، فلماذا هو كذلك؟

الأحداث تسارعت بعد ديسمبر 2010، اذ سقطت سلطة بن علي يوم 14 جانفي 2011 في ثورة شعبية  وتمّ رفع شعار "الشعب يريد اسقاط النظام" ثمّ في أكتوبر من نفس السنة يتم انتخاب حركة النهضة الإسلامية وفي 2013 يتم اغتيال زعيمين سياسيين في تونس فتسقط حكومة الترويكا في 2014 ويتم تعويضها بحكومة مهدي جمعة، وفي أكتوبر من نفس السنة يتم انتخاب حزب نداء تونس الذي يرأسه الباجي قائد السبسي ويتم أيضا إعادة انتخاب حركة النهضة الإسلامية، وتتشكّل السلطة على تحالف ثنائي بين الحزبين، ويتم تعيين الحبيب الصيد رئيسا للحكومة فيسقطه قائد السبسي نفسه عبر آلية وثيقة قرطاج ويتمّ تعويضه بشاب قادم من الحزب الديمقراطي التقدمي الى نداء تونس يوسف الشاهد وينصب الرئيس ابنه لتدمير الحزب الذي أوصله الى قرطاج.

المفاهيم تعبّر عن نفسها فالثورات تغيّر الأوضاع جذريا على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقيمية أيضا، فالثورة تعني القطيعة مع القديم والدخول في مرحلة مغايرة كيفيا ومتقدّمة تاريخيا.

في تونس تمّ اسقاط بن علي، وتعيين رئيس مجلس نوابه فؤاد المبزع عوضا عنه فقرّر حلّ مجلسه ومصادرة أموال رموز النظام السابق، وواصل محمّد الغنوشي الوزير الأول في عهد بن علي وزيرا أوّل في عهد الثورة، ثمّ تمّ اصدار عفو تشريعي عام شمل حتّى من حمل السلاح ضدّ الدولة من منطلقات إرهابية.

نفس السياق ينتخب سنة 2011 حزبا يمينيا دينيا فيتم ارجاع البلاد حقبا. أمّا اقتصاديا فلم يتغيّر شيئا في مستوى التصورات والاختيارات باستثناء تولّي الهوّاة إدارة عمليات النهب فارتفعت نسبها، واجتماعيا وجد العاطلون عن العمل أنفسهم أكثر عددا وبؤسا واستأثر الانتهازيون والمتسلقون والمستقوون الجدد على الدولة بأموالها في أشكال عدّة.

 أمّا قيميا فإنّ الفردانية تعزّزت أكثر وقيم الانتماء زادت تلاشيا و توسعت مجالات نفوذ المجموعات واللوبيات المهنية والفئوية والجهوية والعشائرية، وتواصل التعليم في انهياره وزادت الصحّة تقهقرا وموتا وأضحت وسائل النقل عقابا جماعيا للفقراء والمهمشين وعامة الشعب...

ارتفعت نسب البطالة وبلغت 15 بالمائة وبلغ نسب التضخّم أرقاما غير مسبوقة اذ وصلت 7 فاصل 3 بالمائة وأصبح عجز الميزان التجاري أكثر من 894 مليار دينار وزادت نسبة المديونية خلال 2018 على 70 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، ممّا يهدّد استقلال البلاد ومدى قدر الدولة على خلاص ديونها... التي لم يتمّ توجيهها الى مواقع انتاج الثروة بل الى مواطن اخماد الثورة وارشاء بعض الفئات والى الأجور والاستهلاك الأعمى...

وأصبح المشهد السياسي حكرا على أصحاب المال والشركات السياسية واضحت الحريات، التي يعتبرها الجميع أهم مكسب بعد الثورة مهدّدة، ليس بسبب وجود قوّة سياسية قادرة على قمعها، بل بسبب الوضع الاقتصادي والاجتماعي والقيمي الذي أصبح عليه المجتمع وبسبب وضع التونسيين أمام مآزق مادية تجعل من الأولويات هو الوضع الاقتصادي ووضع التنمية والقضايا الفقر قبل الحريات، اذ يقول لينين إنّ أولويات الانسان هي المأكل والملبس والمسكن ثم الدين والفن والسياسة...

لقد تداخل المال الفاسد بالسياسة والاعلام فأصبحت حرية التعبير مهدّدة لأنّ الكثيرين أصبحوا يقدّمون مضامين إعلامية تحت الطلب أو خالصة مسبقا.

أمام هذا المشهد الموصوف بالسريالي، هناك نخبة سياسية قدّمت لأجل استقلال البلاد ونموّها وحرية شعبها وكرامته الكثير.

أجيال من التونسيين قدّمت حياتها في مواجهة المستعمر الفرنسي ثم في مواجهة بطش النظام البورقيبي، اذ قضّى الآلاف سنوات في السجون دفاعا عن الحرية من سياسيين وطلبة سواء من اليسار أو من اليمين، ثمّ في عهد بن علي حيث امتلأت السجون بعشرات الألاف من المثقفين والسياسيين المعارضين والطلبة والسينمائيين والفنانين... كانت مطالب الحركة الشعبية والديمقراطية هي الحرية والديمقراطية واستقلال القرار الوطني واستقلالية القضاء وتحقيق العدالة الاجتماعية وانهاء تغوّل دولة البوليس...

أجيال من المثقفين والطلبة والسياسيين تمّ معاقبتهم في معسكرات برجيم معتوق وفي سجون مثل الناظور والهوارب وحربوب المشهورة، أجيال قدّمت شهداء منذ الستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات... شباب نخره الرصاص لأنّه طالب بحرية الكلمة، الفاضل ساسي طالته رصاصات الدولة وسط العاصمة وحمادي زلوز الذي تمّ اختطافه ثم اعتقاله في أقبية وزارة الداخلية الى الأبد حيث قُتل تحت التعذيب.

العديد من الوجوه التي تعرفها الساحة السياسية اليوم مثل نجيب الشابي وحمّة الهمامي ومحمّد الكيلاني وعدنان الحاجي ومحمّد عبّو والبشير الصيد و خير الدين الصوابني ومناضلي الحركة الطلابية التقدمية ومناضلي الأطراف السياسية المعارضة فعليا... كلّ هذه الوجوه تجد نفسها خارج دائرة الفعل السياسي، بل ان أجيالا قدّمت شهداء ومساجين ومخطوفين ومعتقلين... من أجل لحظة الرابع عشر من جانفي غير المتوقّعة ولكنها المنتظرة كالحلم.ولكن بعد الثورة، برزت وجوها جديدة كانت تخشى مجرّد مقابلة أولئك المنسيين أو حتّى رؤيتهم، ومنهم من كان يبرّر سجنهم وقتلهم ومنهم من قال عمن نخر جسده رصاص السلطة ''لقد قتلناهم في إطار القانون'' !!!

اليوم الساحة يؤثثها قيس سعيد الأستاذ المساعد بالجامعة التونسية الذي يدّعي أنه دكتور والذي أقصى ما كان يقوم به قبل الثورة هو المشاركة في ندوة كثيرة الحياد في إطار مجلّة مختصّة في القانون، ونجد أسماء تحتل المشهد في السلطة وخارجها.

لقد وجد مهدي جمعة نفسه رئيس حكومة وهو نفس ما تفاجأ به الحبيب الصيد ويوسف الشاهد ووجد عدد منهم أنفسهم وزراء ونافذين بعدما كان أقصى طموحهم المشاركة في برنامج تلفزي للثناء على إنجازات بن علي، بل منهم من أصبح جهارا نهارا يطمع في أن يكون رئيس جمهورية أو حتّى مجرّد رئيس حكومة.

إنّ تلك النخبة السياسية التي ضحّت وقدّمت الشهداء والمساجين والمغتربين، وجدت نفسها مشتّتة ومتشظية ثمّ متناحرة في العديد من المواقف والمواقع فتلاشت جهودها وضاعت. يمكننا القول بهزيمة تلك النخبة، لأنّها لم تقرأ جيّدا المرحلة ولم تسع الى تقديم أجوبة يسيرة وواضحة وجلية عن الأسئلة والاشكاليات التي يطرحها الشعب بفئاته وطبقاته وجهاته حول الفقر والبطالة والأمية والتعليم والصحة والنقل واستقلال القرار الوطني وحول المطلوب في لاقتصاد والاجتماع والتنمية والتقدّم والعلاقات الدولية وخلق الثروة.

لم تقدر تلك النخبة على إيجاد برنامج حقيقي وبديل قادر على تجميع أغلب فئات الشعب من أجل انقاذ البلاد والرقي بها وممارسة الديمقراطية الحقيقية عوضا عن الديمقراطية الصورية، و لكن ثقافة الفرد الزعيم الواحد الحاكم بأمر وصاحب القرار والنهي التي تمّ استلهامها من النظام في عهد الزعيم بورقيبة وفي عهد بن علي، ظلّت مسيطرة على الممارسة السياسية لعدد من تلك الأسماء التي اعتبرت نفسها فوق الجميع، ألم يرفض نجيب الشابي الالتقاء مع العديد من القوى الوطنية والديمقراطية الاّ على أساس أنه الزعيم الذي يجب أن يلتفّ حوله الآخرون ويبايعونه رئيسا، ألم يرفض حمة الهمامي أن ينافسه أحد على منصب زعيم الجبهة الشعبية ومرشحها الواحد الأحد لرئاسة الجمهورية، رغم علمه بوهم ما يرغب فيه.

إنّ الفردانية بشكلها الأكثر قروسطية هي التي سيطرت على زعماء العديد من السياسية المناضلة وخاصة الأحزاب والحركات اليسارية رغم أنها قدّمت أجيالا قرابين من أجل الحرية والانعتاق والتحرر والاستقلال، ولكن الوعي الطفولي الذي تغلغل الى ثقافتها جعل من ممارساتها انعكاسا شرطيا لتلك التمثلات. الأمر الذي جعلهم يكونون خارج المعادلة حول السلطة فكان الفراغ، ومن الطبيعي أنّ السياسة تأبى الفراغ وترفضه، عندها تصعد أسماء لا تاريخ ولا أفكار ولا برامج ولا تصورات لها فقط لأنّها نتاج شركات سياسية وإعلامية.

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter