alexametrics
آراء

الآخر .. هذا الجحيمُ يا اللّه !

مدّة القراءة : 3 دقيقة
الآخر .. هذا الجحيمُ يا اللّه !



إن كُنتَ تسمعنِي، أشكوك الآخر الذي ينهشُ راحتي ويُقلق مروري الهادىء على أرضك. أشكو لك بصوتِ مبتور مُختنق داخِلي يأبى الإمتزاج بالدعاء، لأننّي لا أصدّق تلك الخرافات. إلا أنني حينما أدعوك، أنَا على ثقة سخيفةٍ أنّك لن تخذلني.

الساعة 9.


"تبعنّي، نبنيو الدنيا زينة.." غنّى راديو أمي، أظن أننا البيت الوحيد الذي مازال يمتلك راديو في هذا الحيّ.


أسفة يا بابا الهادي لكننا لا يمكن أنْ نبني الدنيا زينة الآن. أترى، أظن أنّ جاري الأحمق يبيعُ الزطلة. لا أفهم لم يزوره عشرات الشبان يوميا ويمكثون لدقائق أمام باب منزله دون أن يدعوهم داخلا، ثمّ يغادرون فرحين. أيُعقل أن يكون له هذا الكمّ من الأصدقاء! أستغل شُباكي (الألومنيوم) الذي أستطيعُ أن أرى منه العالم ولا يراني، لأخذ صورٍ للطائفين كالحجيج حول منزله.
بعد ساعةٍ، زاره مجموعة من الشبان الذين أعرف ملامحهم لكنني لا أتذكر أسمائهم، ربما من حينا القديم أو درسنا بالمعهد ذاته. تجمّعوا في ساحة خالية كالنملِ حول جثّة عصفور دامية.  يُدخنون، يمزحون، متلاصقينَ كالأغنامٍ في رحبة البلدية. وكأّن أصواتهم الغليظة ليست مُزعجة كفاية، جاؤوا بكُرة وحوّلوا جمعهم هذا إلى مباراة!

رددّت السيدة في التلفاز 'شد دارك' حتّى جفّ لسانها. الآخر .. هذا الجحيمُ. الآخر الذًئب، الآخر الحرب. الآخر الذي يمضغُ القانون ويبصقهُ على وجوهنا غير مبالٍ بزفير الموت.

أصواتهم الكريهة وأنفاسهم الثقيلة، يجعلنِي هوسي المُتعب أسمعها كأنهّا تُلقى في أذني بمكبّر صوت كونيّ، أنفاسهم جميعًا، يركلون الكرة ويركضون في كل الاتجهات. تتراكم في ذهني الأصوات و ترتفعُ : شهيقًا، زفيرًا، وتعلو وتعلو وتعلو! يظنون أنّ الموتَ كلبٌ سيُلاعبونه بخفة دون أن يلتهم أذرعهم.

صرت أخاطبك كثيرا أنت الموجودُ في ذهنٍ خسرت الكثير لأرممّ زواياه، لأطرد ما قذف الآخرُ به من الأفكار البدائية العليلة و الأحكامِ الفاسدة، فتنهضُ كل مرة من الرماد وتُواسي قلقِي.
"وجدتك في قلبي." ليست فكرتي، إنها فكرةُ جلال الدين الرومي، أتتذكرّه؟ ذاك المتصوّف الذي دعا لك كثيرا منذ حوالي ثمانية قرون.  فكرته يا أبانا الأبدّي تنقذني من العبثِ لمّا أغرق في القلق الوجودّي البليد: فأقول، ربمّا اللّهُ في قلبي. ربما يوجد عدالة. ربما سيمّر الأمر.

تقبّل تظّلمي، الآخر حِمل لا طاقة لي على تحملّه. لا أرى فيه سوى السواد، لا تصلني منه إلّا الشرور. بالفطرة هو عدوّي، بالفطرة تعتريني الكراهيّة تجاه وجوده غير النافع. تصرخ الدولة لازموا بيوتكم، فيتجمعون في البطحاء يركلون الهواء.

مولاي أنَا أمقتهم والبغضاءُ تلتهمُ كياني. يظننون أن عين القانون لا تراهم؟ الأخ الأكبر في كل مكان. أتطوع للإتصال بالشرطة، لكن اليسارية الصغيرة بداخلي تمنعني من خيانة بني جلدي من أبناء الطبقة الوسطى الذين يغرق ابائهم في الديون. فأُدّون تنبيها على مجموعة متساكني 'حي الغزالة' على فايسبوك. أكره إضطراري للنفاق كيّ لا يشكّ الآخر أنني أقتلع عنقهُ البائس في ذهني، أنني أفرغُ عقله اللّزج الصدئ و أجعل من جمجمتهِ مزهاريّة.

الساعة 14.
مقرونة مجددا، وأمي تحاول إزلاق الخضروات إلى غذائنا فتضع سلطة جانبية لا يأبه بها أحد، وتُنسى على الطاولة، ثم تُنسى في الثلاجة، ثم تذبل، تتعفن، وتتحول لسماد لأصيص النعناع. سنكون كلّنا يوما منسيين كالسلطة، وستأكلنا الأرض ونصبح سمادا للزياتينِ وأشجار التفاح. أتمنى لو خلقني الله زهرة أو سُنبلة قمح.. سجِّل هذا النداء، في حياتي القادمة أريد أن أكون ياسمينةً أو قرنفلة.. أو حتّى صبّارة في الصحراء.

الساعة 14.
جدي يخاطبنا عبر كاميرا "الميسنجر" ولا نرى سوى نصف وجهه. ينادي خالي حتى يريه مجددا كيف يستخدم التطبيق.

"واشبي ر** التاليفون قصّ... يا طفل.. إيجا صلّحو هاو يظهري تـ* **"


لا أُخفيكم علاقة الشيوخ بالكلام "الزّايد".  


جدي يُصر على وضع الهاتف على أُذنه حتى يسمع أصواتنا كمكالمة عاديّة. يكفي، أن نرى نصف وجهك لنطمئن. نحن نحبك جميعا أيها الرجل الطيب المرح. تعلق الصورة بسبب الإرسال السيء والانترنت الزّاحفة، فيعلق وجه جدي على الشاشة مُبتسمًا.. إلى الأبد.

اه، لو بإمكاننـا إمساك الزمن في أيدينا كي لا يفلت، لو بإمكاننا أن نحتفظ بهذا الدفء في وعاء مُغلق ونخبئه مؤونةً كالسميد والفرينة.

الساعة 16.
هاروكي موراكامي.. أنت صديقي اليوم. رواية نُعاس اللي أعيد قراءتها كلّما اشتد بي الضيق ؛ قبل الكورونا كانت 'نعاس' رواية بعيدة.. بعد الكورونا صرنا داخل الرواية نرفعُ الصفحات بسواعدنا ونمشي على الجُمل نائمين.

كلّنا أبطالا لروايات ستُكتب يومًا ما، ومثلما خطّ الياباني اللعوب، فإن النهاية ضبابية وغير مفهومة. أتمنى أن ينتهي هذا الكابوس ونقرأ كُتبًا عن الحجر الصحي مثلما كُتِب عن الثورة في 2011، إلى أن نمل وتُصبح الكورونا موضوعًا مُستهلكا. أتمنى ذلك من كل قلبي.

الساعة 18.
مازالوا يرقصون على طاولات البرلمان ويشربون الشاي الأحمر. كان الغنوشي يُـغني الأغنية الشعبية الحدث "كورنا.. كورينا" ويُرافقه على الدفّ الأستاذ سيف الدين مخلوف.
بعد نهاية العالم ستزحفُ الأشجار إلى باردو وتثقبُ جذورها الرخام والخشب، ستنمو الأعشابُ والأشواك وترتفِعُ أعلى من مقاعد النواب وميكروفوناتهم، أعلى من كرسي رئيس الجلسة، أعلى من شاشة التصويت وأعلى من القبّة. لا نملكُ في غاباتنا التونسية أسودًا وزرافات، لذلك ستسكنُ المجلس بعد رحيلنا الخنازير الوحشية والضِباع والافاعي والعقارب.. ترى هل شاهد أحد من  نوابنا " Cast Away ".. ترى هل سيغضبون ويتقدمون بقضية ضد بيزنس نيوز لو قلتُ أن 'الكرة ويلسون' لعب دوره أفضل منهم ؟

الساعة 23

كيف الحال عندك يا جون بول سارتر؟ هل يوجد حوريات وأنهار من النبيذ؟

بلغ سلامي لشكري بلعيد ومحمد البراهمي.. وأخبرهم أنهم مازالوا يرقصون.

 

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter