alexametrics
آراء

التخطيط للاغتيال الأخطر في تاريخ تونس

مدّة القراءة : 4 دقيقة
التخطيط للاغتيال الأخطر في تاريخ تونس

 

لم يعد ممكنا الحديث عن صراع حكومة يوسف الشاهد عبر وزير التربية حاتم بن سالم مع جامعة التعليم الثانوي التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل من زاوية من المنتصر ومن المنهزم، كما ليس بالإمكان تناول الموضوع من زاوية ارتهان التلاميذ ووصفهم بالضحايا.

الموضوع في جوهر حمّال قضيّة أخطر ممّا هو ظاهر.

 

رغم أننا في نهاية المطاف أمام صراع يعتبره البعض مصيريا بالنسبة الى التعليم العمومي وبين من يعتبره صراعا عبثيا بين وزير هو في نهاية المطاف جزء من الأزمة وليس مدخلا من مداخل الحل وبين نقابة عجزت عن ادارة المعركة والأزمة في آن واحد، وحتى عجزت عن توسيع جبهة الأصدقاء من داخل الاتحاد نفسه.

 

المشكل في تونس فيما يمكن تسميته بمعركة التعليم، يمسّ مراكمة شذرات العقلانية في تونس، وبالتالي يهدّد حضور العقل، الذي هو الى حدّ الآن أعدل الأشياء قسمة بين الناس مثلما ذهب الى ذلك ديكارت.

 

يمكننا أن نقول إنّ التعليم العمومي ليس من أولويات الدولة البرجوازية، فالطبقية جلية ومستفحلة في أعمق الأعماق، وليس التعليم فقط يقابل بالإهمال من قبل الدولة بل الصحّة والنقل وكلّ مَرَافِقِ الخدمات العامة المقدّمة للناس، وهو ما أدّى الى مسارين مختلفين من الانتفاع بالعلم والتعليم والصحة والنقل، بين قطاعين، أحدهما يحقّق النماء والتقدّم وهو والثاني يتراجع سنة بعد أخرى بسبب الصراعات الوهمية بين بعض القيادات النقابية وأجهزة الدولة المعادية بموجب طبيعتها لكلّ ما هو شعبي.

 

أجيال من التونسيين تلقى مصيرا خطيرا بسبب الأزمات المتتالية التي تمسّ بمراكمة المعرفة لديهم، فالعلم هو أيضا مراكمة والمعرفة لا تخرج عن ذلك، في تونس ليست هناك مراكمة للعلم والمعرفة، بل هناك تجميع كمّي استوجبته طبيعة البرامج التعليمية التي تفتقر الى المقاربة الابستيمولوجية النقدية، يمكن لطلبة الجامعات التونسية دراسة قواعد نظرية ستيفن هاوكينغ Stephen Hawking   وقواعد نظرية النسبية ولكنهم غير قادرين على كنه التحوّلات بين تلك النظريات وعلى ادراك الأبعاد القيمية والوجودية والمعرفية واستتباعاتها على حياة البشر وتطوّر الكون. إنّهم يتعاملون مع قواعد رياضية في مواد فيزيائية بشكل مجرّد ومنفصل عن التجربة الإنسانية وامكانيات الاستتباعات النظرية والعملية التي تطال المجالات الإنسانية.

 

نفس الاشكال يطرح في المدارس الابتدائية والمعاهد الثانوية اذ مازالت المقاربة التعليمية رهينة المنهجيات التلقينية التي يعدّ أكثرها عمليات نسخ بيداغوجية غير محيّنة وغير منسجمة مع الخصوصيات التونسية وصلتها بما هو كوني، بمعنى مازال التلميذ في تونس يتلقّى المعارف بشكلها الكمّي دون أن يعرف كيف يعرفها، ودون أن يدرك كيف يوظّفها.

 

هذه العملية اتخذت في صيرورتها وضع المنظومة المغلقة فأنتجت بعد سنوات مدرّسين في التعليم الابتدائي والثانوي وحتى في الجامعة نهلوا من نفس تلك المقاربات والمناهج، في غياب كبير للعقل والعقلانية والنقد والابتكار، فأصبحنا أمام أجيال تستهلك المعرفة دون أن تراكمها ودون أن تقدر على انتاجها والمساهمة بها في أبعادها الكونية.

 

إنّ فراغ البرامج التربوية وبؤس المعالجات البيداغوجية وانحراف المقاربة التعلّمية وفشل التصوّر التفاعلي... انضاف له غياب برمجة واضحة تربط بين الإنتاج العلمي من جهة والعجز عن الدخول في الدورة الإنتاجية من جهة أخرى أي ببساطة عدم القدرة على الربط بين الدراسة والشغل، أنتج انسداد أفق، مع بلوغ البلاد مراحل الأزمة الخطيرة على جميع المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والقيمية... كلّها كعناصر مجتمعة قد لا تكون قادرة على خلق انسان متوازن.

 

وهنا يُطرح السؤال، من هو التونسي الذي نريد بعد خمسين سنة أو بعد قرن؟ ماهي قيمه ماهي أولوياته؟ كيف سيتموقع في التاريخ ما هو المجتمع الذي نريد في نهاية المطاف؟

إنّ تحديد ''بروفايل'' التونسي الذي نستهدف بعد عقود وبالتالي المجتمع المنشود يفترض من الآن اعداد عناصر تشكيله.

هل هذا موجود اليوم، الإجابة ليست سلبية، في بعض المجالات يجري اليوم اعداد تلك العناصر المشكّلة للإنسان التونسي المرجو، ولكن ليست الدولة هي التي تقوم بذلك، فهي غائبة تماما عن مثل تلك الأسئلة، في حين في مقابل ذلك من الذي هو بصدد اعداد تلك العناصر؟

 

منذ الثورة بدأ العمل على بث أفكار مثل عجز العقل عن كنه الحقائق، والدفع الى التسليم والترويج الى الفكر الغيبي بشتّى الوسائل السياسية والإعلامية والاجتماعية وحتّى الاقتصادية... لقد أصبح الطفل التونسي موضوع استهداف من قبل التصورات المؤمنة بالخرافة والتي ترفض السؤال وتقدّم الأجوبة السهلة والمتاحة من خلال الترويج لعجز العقل وتقديم القوالب الجاهزة كحلول للإشكاليات في كلّ زمان ومكان.

 

تلك المقاربات مبنية على الخطاب الواحد غير القابل للدحض الذي ينقله شخص واحد يتسم بالقدسية غير المعلنة، وكلّ من يخالف ذلك الخطاب فلقد خالف الحقيقة وخرج عن حدود المقدّس وهنا تتدخّل المنظومة المغلقة لتلفظه خارجها وتجعل منه موضوع استهداف بالإلغاء وحتى الإعدام الوجودي، فمن لم يكن متشكّلا داخل تلك المنظومة يجد نفسه خارجا عنها وبالتالي منفيّا بكل المعاني خاصة الوجودية.

 

هناك العديد من التيارات تستهدف الانسان التونسي بالفكر الغيبي والخرافي وبتغييب العقل والعقلانية والعلم، وتجد التمويل من دول ومحاور عبر العالم.

إنّ عملية تخطيط جارية لقتل للإنسان في تونس المنشود، يجري الاعداد لعناصر انسان منغلق خرافي يضطرّ الى استدعاء ما هو غير مادي وغير انساني في التفسير والفهم، انسان يعادي العقل ويعادي النقد ولا يؤمن بالاختلاف ولا يؤمن بالتنوّع. إنّه يجري الاعداد لإنسان ذي بعد واحد يتأسّس خطابه على استيعاب الآخر أو نفيه، وليست له القدرة على تفكيك تلك الثنائية، أي أنّه سيكون انسانا عنيفا وبالتالي يمكننا أن نسميه انسان الحرب.

 

إنّ أخطر الحروب تلك التي تستهدف العلم والعقل وتعمل على زرع الجهل والخرافة عبر أجيال، عندها سوف لن يقدر المجتمع على استيعاب ما تنتجه الإنسانية من عقلانيات متقاطعة فاعلة في الكون وفي التاريخ، وإنّ أخطر عمليات القتل تلك التي تستهدف أجيالا بل تستهدف الانسان في صيرورته، إنّنا أمام عملية اغتيال للإنسان التونسي المنشود والذي سيكون هو محور ''هذا الوجود'' بعد خمسين أو مائة عام.

ليست المعرفة والعلم والعقل مجرّد مفاهيم للتسلية الأكاديمية، بل هي قوّة مادية ضاربة لها من الخطورة ما يمكن أن ينتج الدمار والنهاية، ألم يشر فرانسيس فوكوياما في كتابه ''نهاية الانسان''

La Fin de l'homme:  Les conséquences de la révolution biotechnique

 

الى أن تكون المخابر معسكرة خشية تسريب الأسلحة القذرة للمجموعات الإرهابية مثلما كاد أن يقع في باكستان على يد عبد القادر خان.

في تونس استطاعت بعض المجموعات أن تستهدف العقل والمعرفة والعلم، فتؤسّس لمراكمة الدمار والنهاية وتؤسّس لثقافة النكاية والانهاك، اذ لا يمكن لصاحب الخطاب الأحادي الذي يدّعي امتلاكه دون غيره لشرعية حمل ذلك الخطاب أن يتمكّن من الانسان والأرض الاّ بصناعة أتباع ومريدين م زراعة أجيال، حتّى يتمكّن من أن يكون مثل الاله على الأرض لا أحد له القدرة على مواجهته أو حتّى مجادلته إنّه يملك كلّ العلوم ويسيطر على كلّ المعارف ولا يعترف بالعقل باعتباره الملكة العاجزة عن كنه ما له من علوم ومعارف صالحة لكلّ زمان ومكان.

 

إنّنا بهذا المعنى نعالج مشهدا يتموقع فيه أشخاص سيكونون ثانويين جدّا في صيرورة وسيرورة ومسار ومسيرة التاريخ وتصوّراته، من وزير التربية الى ذلك القائد النقابي المصر على النصر المظفّر... ولكن في حقيقة الأمر هم من زاوية ماكرو التاريخ لا يمثلون الاّ تفصيلا من بين التفاصيل غير المتناهية، الاشكال يمسّ العقل ويشمل جريمة التخطيط لاغتيال الانسان في تونس، وهي جريمة الاغتيال الأخطر في تاريخ تونس، إنّه الانسان الذي لا أحد تساءل عن شروط تشكّله الاّ أولئك المتنفّذين في هذا المدى المفتوح للجهل والنسيان.

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter