alexametrics
آراء

الجبهة الشعبية المآل الطبيعي للتلفيق السياسي

مدّة القراءة : 4 دقيقة
الجبهة الشعبية المآل الطبيعي للتلفيق السياسي

لم يعد للجبهة الشعبية نفس الحضور الذي كانت عليه قبل ثلاث سنوات خلت، فهي اليوم شبه مفكّكة، الصراع لم يعد خفيا بين حزب العمال وحزب الوطد الموحّد، إنها تعيش حالة سريرية عشية الاستحقاقات الانتخابية.

تتكوّن الجبهة الشعبية من أحزاب وشخصيات يسارية وقومية تقدمية وديمقراطية ومدافعين عن البيئة، وهي تضمّ فصيلين يساريين يعتبران أكبر الفصائل اليسارية في تاريخ تونس، حزب العمال التونسي الذي كان اسمه حزب العمال الشيوعي التونسي وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد، وتاريخيا، يعيشان حالة من الصراع خاصة بعد المؤتمر التاسع عشر للاتحاد العام لطلبة تونس في نوفمبر 1989.

يعود حزب العمال التونسي في أصوله التاريخية والنظرية الى حزب العمال الشيوعي التونسي PCOT والذي ينحدر من حركة العامل التونسي المنحدرة بدورها من تجربة آفاق تونس برسبكتيف في فترة الستينات وهي تجربة كانت بشكل من الأشكال استجابة لمرحلة تمّ فيها انتقاد الحزب الشيوعي الذي يعود الى سنة 1920.

يرى حزب العمال أنّ المجتمع التونسي هو مجتمع رأسمالي تابع وهو مرتبط بالدوائر الرأسمالي وفي تبعية لها باعتبار نمط الإنتاج الذي هو عليه، في حين كان يرى أنّ النظام السياسي هو نظام فاشي، ولذلك كانت مطالبه مرتكزة أساسا على الحريات وتوسيع مجالها

ويعتبر حمّة الهمامي الزعيم التاريخي لحزب العمال منذ تأسيسه في 3 جانفي 1986.

أمّا بالنسبة الى حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد فهو وحدة سياسية وتنظيمية بين حزبين هما حركة الوطنيين الديمقراطيين التي أسسها الشهيد شكري بلعيد والتي حصلت على التأشيرة القانونية في 12 مارس 2011، وحزب العمل الوطني الديمقراطي (العود) (شق محمّد جمور بعد ان رفض الراحل عبد الرزاق الهمامي شروط الوحدة بعد اختلاف مع شكري بلعيد).

 ويعود الوطنيون الديمقراطيون تاريخيا الى سنة 1975 كتطوّر تنظيمي وفكري لتنظيم الشعلة الذي ظهر سنة 1973 وهو منبثق أساسا عن تجربة التجمع الماركسي اللينيني التونسي» و«التجمع الماركسي اللينيني بالمهجر» وعن الحراك الفكري والسياسي حول أفكار الماوية...

وهي تجربة كانت ردّا عن تجربة آفاق تونس برسبكتيف.

يطرح الوطنيون الديمقراطيون تصوّرا يقول إنّ المجتمع التونس هو مجتمع شبه مستعمر شبه اقطاعي وأنّ السلطة عميلة بموجب طبيعتها البرجوازية الكمبرادورية ويطرحون من أجل ذلك مفهوم الثورة الوطنية الديمقراطية ذات الأفق الاشتراكي.

 

غير أنّه بعد الثورة، التقى الحزبان في ائتلاف قوى الرابع عشر من جانفي، لكنّ التجربة فشلت وخاض الحزبان تجربة انتخبات المجلس الوطني التأسيسي ولكنهما منيا بالهزيمة.

بعد انتخابات أكتوبر 2011، جرت عملية تقييم، واقترح الشهيد شكري بلعيد مشروع الجبهة الشعبية خلال نقاشات مع مكوّناتها واقترح أن يكون حمّة الهمامي زعيمها وأن يكون مرشحها للانتخابات الرئاسية وتمّ الإعلان عن تأسيس الجبهة الشعبية في 7 أكتوبر 2012، وتشكّلت أساسا من حزب العمال وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد والوطنيون الديمقراطيون (وطد) و حزب النضال التقدمي وحزب الطليعة العربي الديمقراطي وحركة البعث بتونس ورابطة اليسار العمالي وحزب تونس الخضراء والجبهة الشعبية الوحدوية

الحزب الشعبي للحرية والتقدم وحزب القطب والتيار الشعبي بقيادة الشهيد محمّد البراهمي بعد أن رفضت حركة الشعب الالتحاق بالجبهة.

خاضت الجبهة الشعبية الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2014، واستطاعت أن تفوز لأوّل مرّة بخمسة عشر مقعدا (15)، وقد استفادت من التعاطف الشعبي الواسع معها بعد اغتيال القيادي بها وأحد مؤسسيها شكري بلعيد في فيفري 2013 ثم اغتيال الزعيم القومي التقديمي محمّد البراهمي في جويلية من نفس السنة.

يمكننا أن نعتبر أن 26 أكتوبر 2014 لحظة مهمّة في تاريخ اليسار في تونس، اذ لأوّل مرّة يدخل البرلمان بصفته الهيكلية.

لقد كان البرلمان ركيزة أساسية من النظام السياسي القائم في تونس وتعبيرة جوهرية عن طبيعة النظام، وبالتالي فإمّا أن يكون المجتمع والنظام عرفا تغييرات جوهرية جعلت قوى اليسار تلتحق بالبرلمان أو أنّه يمكننا أن ننفي تلك التغييرات.

وفي كلتا الحالتين يطرح السؤال، اذا كان المجتمع والدولة شهدا تغييرات جوهرية فإنّه ما على القوى اليسارية الاّ أن تراجع أطروحاتها النظرية، أو في الحالة الثانية المتعلّقة بنفي تلك التغييرات وهنا يطرح أيضا السؤال هل يمكن لأحزاب يسارية ثورية أن تكون ممثلة في برلمان البرجوازية؟

إنّ المنطق التاريخي يفترض القول بأنّ لحظة الرابع عشر من جانفي 2014، لا شكّ أنها أحدثت تغييرات سياسية جوهرية في البلاد بعد أن تمّ اسقاط رأس النظام ولكن لا يمكننا القول بأنّ ما عرفه الواقع السياسي عرفته المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقيمية.

إنّ البرلمان في تونس هو انعكاس لحالة التعدّد السياسي التي عرفتها البلاد وهو مما لا شكّ فيه نتاج تمثيلية منبثقة عن انتخابات ديمقراطية بمعناها الليبرالي، بقطع النظر عن البحث في الشروط التي أُنْجِزت فيها تلك الممارسة الديمقراطية، وبالتالي فإنّ القول بالمبدأ الثوري ورفض التمثيلية البرلمانية في ظلّ الظروف السياسية والمتغيّرات المتواصلة التي تعرفها البلاد، إنما يدخل في باب الفوضوية العبثية غير المؤسسة لمنطق المشاركة والتغيير.

إنّ تلك المشاركة في البرلمان والحصول على التمثيلية وعلى الكتلة الثالثة إضافة الى رئاسة لجنة المالية، أهم اللجان، يجعل من الجبهة الشعبية جزءا أساسيا من النظام السياسي القائم في البلاد رغم أنها ليست ممثلة في السلطة، وهذه المشاركة تقتضي حتميا، أن تقوم تلك الحركات والأحزاب اليسارية خاصة حزب العمال والوطد بمراجعات نظرية جوهرية حول طبيعتي الدولة والمجتمع، حتى يكون هناك انسجام بين الممارسة السياسية والنظرية الأدبية.

الاّ أنه في ظلّ عدم اجراء تلك المراجعات، فإنّ عمليات التقييم وقراءة الواقع والتعاطي مع بقية مجالاته ظلّت رهينة تلك التصورات القديمة التي مثّلت في حدّ ذاتها منهجا للتقييم، وهو ما يعني أنّ كلاّ من حزب العمال والوطد يقدّم قراءته للمشكل حسب تصوراته القديمة التي لم تعرف المراجعة والتطوير، وبالتالي فانه لا غرابة أن تنشأ الصراعات على مواضيع راهنة بسبب منهجية متآكلة أو على الأقل لم تخضع للتطوير.

إنّ عدم التربية الديمقراطية لدى الحزبين ومراكمتهما لممارسات مواجهة الديكتاتورية والميل دون شعور للسرية أكثر من العلنية والتلبّس بالمواقف الراديكالية والحدّية التي تبلغ حالة من العدوانية في الكثير من المرّات، مع سيطرة السلوك الفردي على بعض الزعامات مثل حمّة الهمامي صاحب الشرعية النضالية والتاريخية الذي رفض التخلّي عنها، في مقابل رغبة الوطد في لعب دور أهم من أدوار التزكية والمبايعة، مع عدم التخلّص من ارث الماضي الذي نزل بثقله في فترة من الفترات على الاتحاد العام لطلبة تونس وعلى الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان وعلى بعض النقابات بالاتحاد العام التونسي للشغل.

لقد راكم الحزبان تجربة نضالية ثرية منذ السبعينات، ولكنهما لم يراكما أدبا سياسيا تتوارثه الأجيال، بل كانت أغلب الأطروحات يتمّ تمريرها عبر الروايات الشفوية وحلقات التكوين السياسي البدائية، كما راكم الحزبان ممارسات انعزالية وعجز عن تقديم قراءة صحيحة لتناقضات الواقع رغم أنهما ينهلان من مدوّنة فكرية واحدة تضمنت إجابات واضحة عن القضايا التي تعيشها البلاد.

كما راكم الحزبان ممارسات التنافر والسكتارية الضيقة وعدم القبول بالآخر والتسريع بالتخوين وإعلان العداء، حتى عندما أراد منجي الرحوي عن الوطد منافسة حمة الهمامي انهالت عليه ماكينات التشويه والتخوين.

إنّ اليسار التونسي ابتكر أمثولات وقيم مثّلت حلما لأجيال متعاقبة، وقدّم شهداء ومساجين وانخرط بعمق في معارك التحرّر الوطني والديمقراطية ولكنه عجز الى حدّ الآن عن صياغة السؤال الحقيقي بخصوص مسألة التنظّم. إنّ هذا السؤال يفترض موضوعيا الإجابة عن سؤال الهوية، أي من هو اليسار التونسي؟ وكيف يمكن التعبير عنه؟

إنّ سؤال الكيف هو سؤال منهجي، يفترض مقاربة منهجية عن أشكال التنظم الجديدة وأساليب إنجازها. هل يجب التذكير بأنه لا وحدة تنظيميّة دون وحدة إيديولوجيّة

اذن يمكننا القول إنّ ما تعانيه الجبهة الشعبية اليوم من قصور وشلل وتشظّ هو مآل طبيعي لحالة التلفيق التي جرت تاريخيا لتوحيد أحزاب ليست لها مقوّمات الأحزاب.

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter